.jpg)
بقلم: شاكر فريد حسن
أهداني مشكورًا الصديق الاذاعي الشاعر محمد بكرية ديوانه الشعري " على صراط الوهم "، وهو باللغتين العربية والعبرية، وقام بترجمة القصائد ونقلها الى العبرية د. نبيل طنوس.
الديوان صادر عن دار الحديث للاعلام في عسفيا، لصاحبها الأديب فهيم أبو ركن ويضاف الى كتب بكرية الأخرى في الشعر والمقالة: " فوق الغمام، طراطيف هذا الزمان، من وحي المسيح، لوحت بيدها، وروح محمولة على الريح".
جاء الديوان في ١١٥صفحة من الحجم المتوسط، وقدم له الكاتب د. نبيل طنوس.
قصاند الديوان ملونة كقوس قزح، ذات أبعاد انسانية وفلسفية تخاطب الشعوب عامة، تحكي هموم الانسان وقضاياه المعاصرة، وتستلهم حال الواقع والأمة، وتتناول الحب والكراهية، الألم والأمل، الحزن والفرح، الحرب والسلم، والقلق الوجودي، وتنم عن شاعرية جادة وعميقة ذات عين ثاقبة ورؤية عصرية بعيدة المدى، قادرة على استشراف القادم والتبصر بالمستقبل، ويوظف فيها الأساطير والرموز الدينية التي تخدم أغراضه الشعرية.
في قصيدته " رواية الدم " نجده يستلهم مضمونها من العنف المستشري والمتفشي في مجتمعنا، ويجتاح شرقنا وبلادنا وأوطاننا، فيقول:
لا تصدق رواية الدم في الأساطير
هو لون صبغ الكلمات.
حين احمر خيال الراوي
من تعب الجواب والسؤال.
كان هوميروس يحتسي قهوته على شرفة عتيقة
يطل على أثينا من نوافذها القديمة
يرسم سيفًا وترسًا، يسربل الفارس درعًا
ويلقيه في أرض النزال.
فيما يستوحي قصيدته " هدنة أخرى "من الحرب المجنونة على غزة، والهدنة المعلنة عنها، وفيها وصف وتصوير دقيق للأحداث، وللحرب الطاحنة على شعب لا يملك سوى الارادة والعزيمة والايمان بالخلاص والتحرير في نهاية المطاف. فقد جنت الطائرات، وتهاوت بنايات، واندثرت ميادين وساحات، وذبلت أزهار الحبق في الحدائق:
قبل قليل استفاق حمام النافذة ،
صلى علينا وأسمع الهديل،
قبل قليل،
جنت الطائرات في المدى
انشقت الأرض من وقع الصدى.
تلقفت قتيلاً بعد قتيل،
قبل قليل،
عددت عصافير قفصي،
قلمت وردي الجوري بمقصي،
قبل قليل،
تهاوت بنايات، اندثرت ميادين وساحات،
لا رونق الحديقة أسعدني
ولا جنون الحرب أفزعني
وتتجلى في قصائد بكرية شفافية الصور، والحرف الباذخ، والتعبير الأنيق العذب، ولنسمعه يقول في قصيدته " كان يا مكان " التي تحمل عبق التراث والاجواء الريفية وحكاية شعب بقي في أرضه ووطنه :
كان يا مكان، حمام أبيض على سطوح الجيران.
حاكورة مفروشة بالبرقوق الأحمر
سياج من الزعتر والأرجوان.
قنباز ختيار عبق برائحة القهوة والدخان.
أمس كان النجم واضحًا واضحًا،
كابتسامة الفجر نقاء
أمس، من الكنيسة والمسجد طلع همس الرب
أخرس زعاق العباد، لجم جنون الحرب.
أمس، صحا الفجر على إيقاع معول
وتراتيل كاهن وصلوات شيخ هرم
وفي قصيدة " لا تسافر أيها الحلم " يخاطب ويحاكي حلمه، ويطالبه بألا يفر من سريره، ولا يلقي به في الهاوية. فالحلم بالنسبة له نبيذ الروح، وديمومة الحياة:
" لا تسافر أيها الحلم "
أنت بداية الحكاية، أيها الحلم، أنت البداية.
لا تفر من سريري كطائر من صياد فزع وتكتب النهاية.
أنت بداية الحكاية أيها الحلم،
لا تفر من نومي وتلق بي في الهاوية.
أعددت لك فراشًا وثيرًا وحضنًا
يقيك من برد أو عاصفة عاتية.
أنت البداية وأنت نبيذ الروح
ما أنا فاعل دونك؟؟
وتبرز الروح والمعاني الانسانية في وصف الوالدة/ الأم، التي تقترب من التسعين، وتصالحت مع الأيام وعزفت عن الدنيا، وتفرش الأفق في صلواتها اديمية، وتترحم على المرسلين الصالحين:
تقترب من التسعين،
لا تشكو من وصب،
أو سقم ولا كمد تبين.
والد أبنائها، امتطى خيل السراب
ودعها، على مهل وهي في بهاء الثلاثين.
تصالحت مع الأيام، رغم تباريح الدهر
ومر السنين.
عزفت عن الدنيا، لا لشيء
بل لتربي في الدار أبناءها
وفي الحاكورة، أشتال الدخان والبندورة واليقطين.
تنثر بذارًا، رزقًا للطير واليتامى، وأبناء الله السائلين.
تزرع القمح والبطيخ، ولا تنسى سياج الأرض
من زهور الياسمين.
هي الوالدة
إن شربت كأس ماء، ملأت الفضاء والسماء
حمدًا وشكرًا لرب العالمين.
وفي قصيدة " يا رسول الله " يمتدح الرسول الكريم، ويرفع شكواه لما آل إليه حال العرب والمسلمين في أنحاء المعمورة، حيث انقسم القوم وأتبع تعاليم البلاط وملة الطغيان، ونأى عن هدى القرآن، وبات يستجدي رضى السلطان:
عليك الصلاة والسلام من العباد ورب الأنام
صل لنا ليستقيم حالنا
قومك بعدك انشطر إلى قبائل وأقوام.
صبؤوا عن دينك واتبعوا( تعاليم البلاط ) وملة الطغيان.
هجروا المساجد عمدًا،
وأن دخلوها، فحياء من شيخ هرم أو إمام.
يسبحون الرب قيامًا وقعودًا، يصلون لجلالته ركعًا وسجودًا.
وما عرفوا لله حدودًا، وما عرفوا لله حدودًا.
نأوا عن هدي القرآن،
لهثوا زرافات وفرادى، يستجدون رضا السلطان
وكل ما لدى السلطان، نفاق وذل وبهتان.
ويكثر محمد بكرية في قصائده من توظيف واستعمال الرموز والدلالات التراثية والدينية والأساطير والأمكنة، ويخصص شرحًا لها في الصفحات الأخيرة من الديوان، وهي: " هوميروس، الالياذة والاوديسا، طروادة، خان شيخون، بيلاطس، الاسخريوطي، خديجة، الحرب والسلم، غودو، صموئيل بيكيت، يوتوبيا، يثرب، افلاطون، سقراط، الفارابي، الاسكندر الأكبر، فالو، جان دارك، حلم ليلة صيف، وليم شكسبير، هرقل، هيرا، كاكيا، اوديت، اورستيوس، سوفوكليس، أيوب ".
وهذه الرموز والدلالات والاشارات تدل على الثقافة العميقة الجامعة التي يمتلكها الشاعر الاعلامي محمد بكرية، ومدى اطلاعه الواسع على تراثنا العربي الانساني والثقافات العالمية.
" على صراط الوهم " يقرأ من الألف حتى التاء، لما يتضمنه من موضوعات انسانية ونصوص جميلة، رائعة، متقنة، بلغة منسابة، راقية ورائقة، رشيقة وباذخة، ممتلئة بالصور الشعرية المشرقة المكثفة باطوافها الساحرة، وأسلوب شاعري يخاطب العقل والعاطفة والقلب معًا.
وكم أجاد صديقنا الكاتب الاعلامي نادر أبو تامر، في توصيفه الديوان في كلمته التقريظية المنشورة في نهايته ، قائلًا: " بالدهشة أصبت حين باغتتني كلمات الكلمات، قرأته وتابعت مطالعته حتى القمر لا الرمق الأخير، انقوعة مستخلصة من عصير الكلمات تفوح مع كل هفهفة بجناحي فراشة الشعر والنثر، روح محمولة على الريح هي ريح تجتاح الروح، تحملنا في رحلة خضراء لا تنتهي، كلمات الكتاب لها أصداء تتحلق حول ذهنك كدوائر تتمخض عن صخرة تهوي في بركة من المشاعر الفوارة، فهي تقتنص منك تفاعلات وجدانية عميقة لا عقيمة ".
محمد بكرية يرسم صورًا حية في ديوانه الشعري، أوصافه دقيقة، ويستعين في التعبير عن رؤيته الشعرية بالاسلوب القصصي ما يضفي على نصوصه حياة وحيوية.
والناظر المدقق في قصائده يجدها تتصف بالصدق العفوي، والرقة والعذوبة، وزاخرة بالمعاني العميقة، والدلالات والايحاءات الفنية الرمزية.
وقد نجح محمد بكرية بفضل موهبته الغنية، وثقافته الواسعة، ومقدرته اللغوية، وثرائه النحوي البياني، صقل وتطوير أدواته الشعرية ويسمو بها نحو الابداع وملاءمة مقتضيات التطور والحداثة في المسيرة الشعرية المعاصرة .
فألف ألف مبارك صديقي الشاعر محمد بكرية، أهنئك وأغبطك على مقدرتك الشعرية، ودمت مشرق الحرف، راقي التعبير والبوح. وبانتظار المزيد من اصداراتك.
.jpg)

03/11/2018 11:50 am 7,378
.jpg)
.jpg)