صاروا أثرا: إذا قُطِعت شجرة زيتون أخرى ولم يُعْتَقَل أحد، مَن يهمّه الأمر؟



تطلّ هذه الصورة المرة تلو الأخرى: يأتي إسرائيليّون من البؤرة الاستيطانيّة المجاورة، يرمون الحجارة، يطردون أصحاب الأرض ويدمّرون الأشجار. الضرر المادي جسيم، أمّا الضرر النفسي لا يمكن تقديره. الفلسطينيون من جانبهم يعرفون أن شكاويهم ستنتهي بلا شيء


بقلم : عميره هس | 26.10.2018 ترجمة: أمين خير الدين  


أشجار زيتون قُطِعت هذا الشهر في أراضي قرية االمغير تصوير:يش دين
    
 على ما يبدو إن الفيلم الذي صوّر يوم 4 أكتوبر/ تشرين الأول يُظْهِر موسم قطف الزيتون. في الحقيقة إنه الموسم. فَتَيان، على الأقلّ أحدهما قاصر، يثبتان رُقْعةَ قماش كبيرة، يتناول الصغير عصا ويضرب على الشجرة. الضربات تكسر الأغصان، الأشجار في أرض مواطن من قرية بورين لا تخصّ الفَتَيان، ولا أحد سمح لهما بقطف الزيتون في الكَرْم الواقع غربي حاجز حوّاره. وكي لا نغلط في تشخيصهما: القبعات الدينيّة (الكيباه) البيضاء، السوالف المتموّجة وخيوط الثوب الدينيّة المتدلّيَة تصرِّح عن التشخيص.
      
ن’ مواطن من بورين، هرع ليوثّق الحَدَث بكاميرته. استطاع أن يصل خلال 20 دقيقة حسب تقديره، تمكن من تصوبر الفَتَيان وهما يضربان ثلاث شجرات. عندما أحسّا بسيارة الشرطة تركا عملهما وهربا. ثلاثة أكياس مليئة بثمر الزيتون وجدها رجال الشرطة فيما بعد، في أحد البَيْتَيْن المتروكَيْن في كرم الزيتون. احدهما مُلْك لصاحب الكرْم، والبيت الثاني مُلْك لعائلة من نابلس، طردهما إسرائيليّون ورَمَوا أثاثهما خارج البيْتَيْن مع بداية الانتفاضة الثانية، هذا ما قاله ن’. ومنذ ذلك التاريخ لم تعد هذه العائلة للسكن هناك.
      
البيتان، وما حولهما من مئات الدونمات هي أراضٍ خاصّة، في منطقة خطرة، ودخول الفلسطينيين إليها يتطلّب تنسيقا مع جيش الدفاع الإسرائيلي ويسمح به مرّتَيْن أو ثلاث مرّات في السنة. لماذا المنطقة خطرة؟ لأنه يوجد بها عين ماء هي عين المحنة، التي كانت تروي كروم قرية بورين خلال سنوات طويلة، وقد حول الإسرائيليون هذه العين إلى مَطْهَرٍ ومكان استجمام. ولأن على رأس الجبل التي تقوم عليه مستوطنة هار برخا توجد أيضا بؤرة استيطانيّة هي غبعات رونين. وكي لا يحصل احتكاك، تمنع السلطات أصحاب الأراضي القانونيين من الوصول إليها.
       
وجد رجال الشرطة الذين اسْتُدعيوا الفَتَيان ذوي الخيوط الدينيّة، اللذين اختبئا تحت شجرة كبيرة. رآهما ن’ يُأْخذان في سيارة الشرطة. بعد ذلك جاء صاحب الكَرْم واكتشف أن ثمّة أشجارا أخرى فُرِطَت بالعصا (الشُقشيقة – المترجم). على ما يبدو قبل يومَيْن أو ثلاثة أيّام. وأن قسما كبيرا من ثمارها ضاع. تقول الناطقة بلسان لواء يهودا والسامرة إنه "بفضل عمل دؤوب قامت به شرطة إسرائيل، قُبِض على ثلاثة مُتّهمين قاصرين بتهمة سرقة زراعيّة وجرائم بدافع عنصري. التحقيق لا زال مستمرّا، ومع انتهائه سيحوّل الملف للنظر فيه وللبت من قبل النيابة العامة.
    
 ن‘ وهو الذي استدعى الشرطة، استُدْعيَ ليدلي بشهادته في شرطة أريئيل. "لكن ليس بداخلها إنما خارج البوابة الشرقيّة للمستوطنة" قال."قام الشرطي بتسجيل إفادتي على السيارته". ن‘ لا يذكر عدد المرات التي استدعي بها ليدلى بإفادته في مركز الشرطة عن ألاعتداءات المشابهة في قريته، ولم تُؤدّي الاتهامات أو ألإدانات لردع الآخرين.
     
بموجب مُعْطيات الأمم المتحدة والمعلومات ألتي أكملها ن‘، إن سرقة الزيتون هي واحدة من ألف من التخريب والاعتداءات التي قام بها مواطنون إسرائيليون ضد سكان قرية بورين في السنوات الثلاث الأخيرة. ستُّة اعتداءات سنة 2016، 18 في 2017، و – 24 اعتداء هذه السنة فقط. الاعتداءات متنوّعة: اقتحامات إسرائيليين بمرافقة الجنود الذين يقومون بحمايتهم وإلقاء حجارة على الناس وعلى البيوت، إشعال حقول وكروم، إلقاء حجارة على الرُعاة، سرقاات أثمار زيتون، تقطيع أشجار أو تدميرها، اعتداءات على مزارعين خلال قيامهم بأعمالهم. هكذا كان، على سبيل المثال، يوم السبت، 20 أكتوبر/تشرين الأول. مزارعون مع مصادقات رسميّة مسموح لهم بالوصول إلى أراضيهم الواقعة بالقرب من مستوطنة يتسهار من أجل قطف الزيتون والحراثة فقط، بعد تنسيق مُسْبَق مع الجيش فقط. في كرْم أحدهم، يقول ن‘، يوجد بدويّ. عندما جاء، كان هناك سيارة جيب عسكريّة. نزل 12 شخصا من البؤرة ااستيطانيّة يتسهار أمام عيون جنود سيارة الجيب ورمَوا البدوي بالحجارة. شخص ما استدعى جنود حرس الحدود، وعندما جاؤوا هرب الإسرائيليون. وبسبب هذا الإزعاج مُنِح هذا المزارع يوما إضافيا لحراثة أرضه –يوم الثلاثاء.
    
 قبل ذلك بأسبوع، في 13 أوكتوبر/تشرين الأول، قام ن‘ بمرافقة شخص لقطف الزيتون في أراضي قرية بورين وحوارة، جنوب مستوطنة غبعات رونين. مرّة أخرى تكررت الصورة: نزل إسرائيليون من البؤرة الاستيطانيّة، ألقوا الحجارة، فهرب المزارعون. وعندئذ تقدّم أحد الإسرائيليين من رقع القماش التي تجمعت عليها ثمار الزيتون، رمى الثمار بين الأشواك وأخذ رقع القماش. "كلّ هذا مصوّر ومُثَبّت"، أضاف ن‘.
      
منذ سنة 2016 هاجم إسرائيليون 16 مرةً القرية المجاورة عوريف و – 135 مرة قرية حوّاره. حسب مُعْطيات الأمم المتّحدة، من مجموع 99 اعتداءا موثّقا في القرى الثلاث المتجاورة، كان 13 إشعال حرائق. على الأقل دُمّرت 1700 شجرة مع ثمارها في القرى الثلاث في السنوات الثلاث الأخيرة. القرى مادما، عصيرة القبليّة وعينبوس هي في قائمة القرى المُعْتدى عليها في المحيط الذي يبلغ قطره 25 كيلومترا. هذا 0.5% من مساحة الضفة الغربيّة. ويشير تقرير لمنظمة يش دين من شهر آب حيث يتركز التقرير في دائرة العنف هذه، عنوان التقرير: "حادث اختبار: يتسهار. عنف المستوطنين وسيلة للسيطرة على أراضٍ فلسطينيّة بحماية الدولة والجيش"
      

دير نظام


1.بورين هوجم قاطفو الزيتون مرتين، وسُرِقت ثمارهم
2.ترمسعيا قُطعت 70 شجرة زيتون، ودُمَرت 60 شجرة
3.برقين قُطِعت 40 شجرة زيتون
4.دير نظام قُطِعت 18 شجرة ليمون
5. قرية التل قُطِعت 30 شجرة زيتون زسرقت ثار 20 شجرة
6.فرعتا اقتُلِعت 22 شجرة زيتون
7.المغير قُطِعت 90 شجرة زيتون
8.ديرالحطب هوجم قاطفو الزيتون

في سنة 2008 وثّقت منظمة يش دين 275 اعتداءا على ستّ من هذه القرى ، وقام بها على ما يُعْتَقَد مواطنون إسرائيليون. وهذه ليست كلّ الاعتداءات، هذه فقط الاعتداءات التي وثّقتها هذه المنظمة. في – 167 من هذه الالاعتداءات الموثقَة، قدم الفلسطينيون المُعْتدى عليهم شكاوى في الشرطة. ومن الثابت أنه حتى مايو/أيار تم التعامل مع 152 شكوى: خمس (3%) انتهت بتقديم لائحة اتهام. 117 (77%) اُقْفل الملف بحجة أن الفاعل مجهول، 22 (14%) أغلقت لعدم وجود أدلّة كافية. هذه معطيات تشبه نتائج التحقيق في الجرائم العنصريّة ضد ألفلسطينيين في كل الضفة الغربيّة. في هذا الشهر فقط وثّقت منظمة بتسيلم ومنظمة يش دين 12 اعتداءا على قاطفي الزيتون وتدمير أشجار في وسط الضفة الغربيّة.
      
كل الكروم التي جرى الاعتداء عليها معروفة للجيش وللشرطة على أنها تقع في مناطق تتعرّض لاعتداءات الإسرائيليين، وتمّ الاعتداء عليها في الماضي. وبشكل عام وصول الفلسطينيين إليها محدود، منذ الانتفاضة الثانية، مرتين أو ثلاث مرات في السنة. بشكل عام الحديث عن عشرات الأشجار المتضررة في كلّ اعتداء. أي أنه، يحتاج الاعتداء عددا من الأشخاص ليقوموا به. عندما يكون الاعتداء على شجيرات صغيرة – يكفي الاقتلاع. أما إذا كانت الأشجار كبيرة يحتاجون إلى منشار كهربائيّ. ويحتاج الأمر إلى تخطيط مُسْبَق. حتى لو وُجِد منشاران، يحتاج التقطيع إلى وقت أطول ويسبب ضجّة عالية. بما معناه، أن المعتدين على الكروم يشعرون باطمئنان كبير بأنهم لن يُعاقبوا، حتى لو قُبِض عليهم. هذه المناطق مليئة بكاميرات التعقب التابعة للجيش. وأحيانا يتم الاعتداء (خاصة إشعال الحرائق والاعتداء على قاطفي الزيتون) بحضور الجنود.
      
الضرر المادي كبير، أما الضرر النفسي لا يمكن تقديره. محمد عوّاد من قرية ترمسعيا عمره 80 سنة. تشكّل الزراعة عماد معيشته، يُعتبر من أكبر المزارعين في المنطقة. روى عن صدمتة، لإياد حداد ، المحقق في منظمة بتسيلم، عندما وصل إلى قسيمته في السابعة صباحا، بعد التنسيق مع الجيش. اكتشف تدمير عشرات الأشجار، فروع مُجْتَثّة من نقطة تفرعها عن الساق، "ظننت أنني أهذي"، كما قال. هذه أشجار زيتون "بلديّة" مُحسّنَة، غرسها قبل 40 سنة. جاء إلى المكان ضابط من إدارة التنسيق والارتباط، وجاء شرطي وجندي أيضا إلى المكان، لكن عوّاد قال باقتناع لحداد: "لا وقت لدي لضياعه في تقديم الشكاوى التي لا جدوى منها، ونتائجها معروفة مسبقا".
      
 ومع ذلك، هذه هي أحدى الأشياء الإضافيّة البارزة في الإفادات عن تعديات من هذا النوع في السنوات الأخيرة، وقد لاحظها محقّقو منظمة بتسيلم ومحقّقو منظمة يش دين: انخفاض واضح في نسبة الفلسطينيين ضحايا تعديات المواطنين الإسرائيليين، ممّن يهتمون بالشكوى لشرطة إسرائيل.
      
أبو عطا، من قرية عورتا، قدّم شكوى عن سرقة ثمار زيتونه في أوكتوبر/ تشرين الأول 2017. كانت أحتمالات التحقيق في الشكوى واستخلاص النتائج، كعِبْرَة للآخرين. عالية: لكونه كان ضابطا في مديرية التنسيق والارتباط الإسرائيلية، لا أكثر ولا أقلّ، وقد قبض على إسرائيلي متلبسا بسرقة ثمار الزيتون من القسيمة القريبة من مدخل مستوطنة إيتمار. قبض عليه متلبّسا وصوّره متلبّسا أيضا، واهتم بالبحث عن صاحب القسيمة ليبلغه وليرشده عن كيفيّة تقديم الشكوى.
      
طلب طاقم من منظمة يش دين والمحامي ميخائيل سفراد متابعة التحقيق في الملف، لكنهم خلال نصف سنة لم يتلقَّوْا أيّ تنسيق. وكم كانت دهشتهم، عندما أُبْلِغوا في أوغسطس /آب أنه سيُغْلَق الملف دون استدعاء المُتّهم. كتب المحامي سفراد للمحامي (راب بكاد) المُقدّم غيل داشا، ضابط التعاون والتنسيق في السامرة، وطلب معرفة السبب، كما أنه طلب أن يُسْمَح لمندوبة يش دين بتصوير ملف التحقيق. وقد أجابه داشا في نهاية سبتمبر/أيلول بأن الملف قد أغلق لعدم وجود مصلحة عامّة في ذلك، ولهذا السبب لن يسمح بتصوير الملف. فقدّم سفراد اعتراضا على إغلاق الملف "بسبب انعدام المصلحة العامّة".
       
"الحكاية لا تختلف عن مئات القصص الأخرى لإغلاق ملفات بدون مُتّهَمين، بدون لوائح اتهامات وحتى بدون تحقيق عمليّ"، قال سفراد لجريدة "هآرتس".الجديد هذه المرّة أنني حصلت على مصادقة رسميّة من هيئة تنفيذ القانون عمّا كنّا نعرفه منذ زمن طويل: أن الاعتداء على المزارع الفلسطيني لا يهمّهم. لدينا الآن شرطي ذوّتَ حقيقة الفترة ومَعْدَن القائد، وقد نسي أن يضع قناعا، ونسي أن يتمكيج، ببساطة قال الحقيقة. أُغْلق الملف لعدم وجود مصلحة عامّة".
      
ادّعت الناطقة بلسان لواء يهودا والسامرة أنه لم يحوّل طلب تصوير مادة التحقيق لسلطة الادِّعاء، إذا قدّم المشتكي طلبا عليه أن يقدمه بشكل مُنظم كما ينبغي". لم تتطرق الناطقة لمسألة إغلاق الملف ل"عدم وجود مصلحة عامّة"، فقط قالت ردّا على الاعتراض "إن النيابة ستبحث ملف التحقيق وخلفيّة البيّنات المتوفرة" أمس أبلغوا مكتب المحامي سفراد أن بإمكانه أن يحضر ليصوّر الملفّ.
      
وورد أيضا على لسان الناطقة أنه جرى في الشهر الأخير قطف زيتون في مناطق الضفة الغربيّة، لذلك قوات الأمن على أهبة الاستعداد في المناطق لمنع أيّ احتكاك بين التجمعات السكنية المختلفة، وبهذا تُمكِّن المواطنين الفلسطينيين من قطف الزيتون الذي يملكونه في أراضيهم.
      
وأُعْلِن فيما بعد أن "شرطة إسرائيل تنظر بعين الغضب إلى كلّ عمل عنف مهما كان، وبناء عليه ستعالَج كل شكوى تصل إلى شرطة إسرائيل وستُبْحَث باهتمام وبمهنيّة من أجل كشف الحقيقة، بغضّ النظر عن أصل أو هويّة الضحية أو الجاني أو مكان تنفيذ الجريمة. المُعْطيات التي عُرِضَت لا علم للشرطة بها، ومن غير الواضح مدى صِدْقها (بالنسبة لإغلاق معظم الملفات ع"ه). الحقيقة أنه من الواضح في السنوات الأخيرة أن الشرطة تعمل على القبض على المُتّهمين الذين يقومون بتدمير ممتلكات الفلسطينيين أو يسرقون ممتلكات للفلسطينيين. ورغم النسبة المنخفضة نسبيا للشكاوى عن تخريب ممتلكات زراعيّة تعمل الشرطة بمبادرتها، تبدأ بالتحقيق وتطبيق القانون ومنع الجرائم بمعاونة جيش الدفاع الإسرائيلي وقوّات الأمن. ستواصل شرطة إسرائيل العمل بحزم، بشكل علني وسريٍّ بالتعاون مع باقي قوّات الأمن في مناطق وفي وبؤر الاحتكاك المختلفة: لتمنع احداثا من هذا النوع، ولتطبيق القانون، وفحص وتقديم المشتركين بأعمال العنف إلى المحاكمة".