
جدعون ليفي | بقلم : هآرتس، 25.10.2018 ترجمة: أمين خير الدين
طفل يهرب على دراجته من جحيم النار المعربدة. الصورة التي صوّرتها أوّل أمس أوريا كبير ابنة أل – 13 سنة، يظهر فيها يونتان ريغب ابن أل – 7 سنوات، كلاهما أبناء كيبوتس مفلسيم الكائن في منطقة حاضن غزّة، انتشرت الصورة بسرعة على شبكات التواصل الاجتماعي واحتلت صفحتَيْن في جريدة "يديعوت أحرونوت". من الصعب الوقوف بلامبالاة أمام الأفق المُحْمَرّ والولد الهارب، تقريبا كحقول فيتنام المقصوفة بالنابالم الأمريكي. لكن يونتان هرب على درّاجته لأن رجال الإطفاء طلبوا منه الابتعاد عن الحرائق، بعد أن اشتعلت خلف جدار الكيبوتس بسبب بالون حارق.
حياة يونتان في الفترة الأخيرة ليست سهلة: النار تشتعل حول الكيبوتس، الدُّخان خانق وسَكَن النار يلوّن بالسواد كل ما حوله. في الليل تُسْمَع الانفجارات، وفي النهار يستنشقون الدُّخان. هرب يونتان إلى بيته. وانتظره في الكيبوتس أبناء عائلته وأصدقاؤه، وهم محميّون كالعادة. يوجد لدى يونتان مكان يهرب إليه، لا ينقصه شيء. حياته ليست مُهّدَدَة بخطر كبير، لا تهاون بما يعانيه، لكن لديه بيت وفيه كهرباء ومياه نظيفة، ومَلْجأ وغرفة أطفال، ويمكنه أن يسافر حيث يشاء، وربما كان خارج البلاد.
مستقبله مضمون، كما يمكنه أن يتوقع، ومصيره بإرادته. إنه طفل ككل الأطفال في حياته الأولى. حياته ليست سهلة في الشهورالأخيرة ولياليه مخيفة، لكن عندما طلب منه رجال الإطفاء بالابتعاد عن النار، ركب درّاجته باطمئنان وذهب إلى الكيبوتس. لا يوجد في كلّ غزّة طفل يمكنه حتى أن يحلم بحياة كحياة يونتان. لم يسمعوا أبدا عن ملجئٍ ومياه نظيفة. لمُعظمهم لا توجد درّاجة كدرّاجته.
في الجانب الآخر من الشريط الحدودي، حيث تُطْلَق البالونات الحارقة، يريدون تعكير حياة يونتان وأصدقائه. ليس لديهم وسيلة أخرى ليذكِّروا يونتان، والإسرائيليين والعالم، بأن حياتهم أسوأ بكثير. ربما إذا عكّروا حياة يونتان، يتذكّر أحد سوء مصيرهم ويعمل شيئا لمساعدتهم. هم يعرفون منذ زمن بعيد، إن لم يطلقوا بالونات حارقة وإن لم يعكِّروا حياة الناس الذين يسكنون مقابلهم، لن يهتم بهم أحد.
ربما كان مَنْ أطلق بالون النار هذا طفل بعمر يونتان، وربما كان أكبر منه بقليل، لكن ليس هناك شيء مشترك بين حياة مَنْ أطلق البالون وحياة يونتان. وُلِدوا لمصيرَيْن منْفَصِلَيْن. منذ أُغْلِقت بوابات غزة وضاقت سُبُل حياتها، زادت الفجْوَة عمقا وتحوّلت إلى هوَّةٍ مُخيفَة.
مَن اعتقد أن أبناء جبالية سيتفرّجون بعيون متْعَبَة على أبناء كيبوتس مِفْلَسيم، وأنهم سيجلسون مكتوفي الأيدي بدون عمل شيءٍ وسيستسلمون لمصيرهم كأمر واقع، لا يعرف التاريخ الإنساني ولا يعرف النفس البشريّة. ليس هناك أمر بديهيّ، وعادل وإنسانيّ أكثر من ثورة أبناء غزّة، بالنسبة لواقع حياتهم، إنهم يردّون بحكمةٍ تثير الدهشة تقريبا.
تستطيع إسرائيل الاستمرار بإلقاء المسؤوليّة على حماس، ويمكنها أن تقول عنها إنها تبني الأنفاق بدلا من المستشفيات – أمّا هي دولة تُنْشد السلام، وتوظف مُعْظم ميزانيّاتها لاحتياجات اجتماعيّة، وتقريبا لا تصرف أموالا على التسلّح؛ كثمن غوّاصات، فقط مستشفيات -- ويمكنها أيضا أن تتهم منظمة حماس بتنظيم المظاهرات. يمكن لإسرائيل ألاستمرار بالادعاء، أن عائلة كل قتيل في غزّة تقبض نقودا، وكأن إسرائيل لا تدفع لقتلاها، ويمكنها أن تلمّح بانحطاط، بأن سكان غزة يُقْتلون طمعا بالمال – كما يفعل وزير الأمن، ربما ليرضي ضميره الغائب. لكن غزّة تثور لأنها تختنق، بشكل محسوس ومادي، وبالنسبة لسكانها لم يعد لديهم شيء يخسرونه، لذلك، إذا لم يكن هدوء في جبااليه لن يكون هدوء في مفْلَسيم.
عاد يونتان إلى بيته بسلام، وحسنا أنه عاد. أمير النمره، الولد مع ثقب بقلبه، كان يحلم بأن يكوم معلّم سياقة، لم يَعُد خلال الصيف بسلام إلى بيته. قُتِل بنيران قنّاصة جيش الدفاع الإسرائيلي، مثل حوالي 30 طفلا آخرين.
النار التي أبعدت يونتان إلى بيته ستستمر بالاشتعال -- متى نفهم هذا — طالما أن الأطفال الذي الساكنين مقابل بيته يعيشون في قفص، أو يستمرّون بالموت.
26/10/2018 02:39 am 3,455
.jpg)
.jpg)