دان مريدور، نسيتَ شيئا


بقلم : جدعون ليفي - هآرتس، 16.9.2018 ترجمة: أمين خير الدين 

     
كان مريدور مرة الوجه الجميل لليكود، الليكود الذي يحنّ الجميعُ اليوم إليه. بشكل عام مريدور هو الوجه الجميل لإسرائيل السابقة، المستنيرة، حين كانت تتكلم عن الديمقراطيّة وتشرّع حقوق الإنسان، صديقة المحاكم التي تنشد الخير.
      
كثيرون ممَن قرأوا المقال الذي نشره هنا أوّل أمس ("الصفعة الوهميّة"، هآرتس،14.9.2018) من المؤكّد أنهم تأثّروا ثانية من "اليمين الليبرالي" الذي ذاب فانجرفوا بحنينهم لإسرائيل الجميلة الغائبة. صحيح أن مقاله كان عذبا، فابتسمت له الشفاه: إسرائيل ديمقراطية، ليس ثمّة تناقض بين دولة الشعب اليهودي وبين دولة لكل مواطنيها. ما أفضل وما أجمل من ذلك. لكن وراء الكلام المعسول المُخدّر تكمن الكذبة الإسرائيليّة والوقاحة المكشوفة للجميع.
   
 الصهيونيّة ليست أبرتهايد وليست عنصريّة، كما يتأنق مريدور، ترتكز على عدالة أدوني صادق*. وأغلبية ثابتة بنسبة يهودية تصل 80% ، لذلك لا تناقض بين دولة يهوديّة ودولة ديمقراطيّة. لفّ ودوران عجيبان على "عالَمَين من المضامين المختلفة"، كلام غير واضح عن أن "جميع البشر متساوون في الحقوق فيما بينهم، بما في ذلك حقّ الاقتراع" مع إنذار تهدئة موثّقة: ليس هناك ما يُخيف، ثمة أغلبية يهودية متلاحمة، ولذلك توجد يهودية – ديموقراطيّة. يمكن الاستمرار في التباهي بكونها الديمقراطيّة الوحيدة في الشرق الأوسط.
    
اختفي الفيل الضخم من الغرفة، كالعادة، من عينيّ وزير العدل. ربّما نسي. انه خلال ال -51 سنة لم تكن أغلبية يهوديّة بنسبة 80% فوق المساحة الواقعة تحت سيطرة إسرائيل. يعيش فوق الأرض المُحررة والواقعة تحت الاحتلال شعبان متساويان بعددهم. حوالي 6.6 مليون يهودي، وحوالي 6.6 مليون فلسطيني.بما في ذلك عرب إسرائيل، بين النهر والبحر - يُقرّر مصيرهم جميعا في الكريا في أورشليم أو في تل أبيب.
    
4.7 مليون فلسطيني بدون أيّة حقوق. بدون حق التصويت. بدون المواطنة، بدون حقّ التعبير، بدون حق تقرير المصير، بدون حقّ التنقل أو حقّ العمل. بالمساوة لا يحلمون، مليونان منهم في قفص. ولهذا يُسمّى باللغة مريدور العبريّة "أدوني صادق". عمليا، ليس هناك تعريف مناسب أكثر.
    

أحد أكثر تعابيره المهذّبة هو المسألة المتعلّقة بعرب إسرائيل: "وإذا لم تكن هذه دولتهم، ما هي دولتهم؟" نلسون مانديلا ما كان ليصوغ هذه العبارة بأفضل من ذلك. وما هي دولة أل – 4.7 مليون فلسطيني الذين يقعون تحت الاحتلال؟ هل لا يستحقون جوابا من مريدور؟ كيف يجرؤ على وصف إسرائيل بالدولة الديمقراطية وبالمساواة، وبدولة لكل مواطنيها وبهذه الدعايات الرخيصة، الكاذبة والمخادعة، في الوقت الذي تنخر فيه الملايين خلف الكواليس بدون امل في التغيير.
      
عزيزي دان، إلى متى نكذب على أنفسنا لنعرف. مِن اليوم الذي يتضح فيه أن إسرائيل لا تنوي إنهاء الاحتلال، لقد مضى هذا اليوم منذ زمن طويل، قبل أن يكون مريدور الوزير المسؤول عن الإصلاح القانوني الذي يستندون عليه، لا يُمْكِن الفصل بين مواطنين لا حقوق لهم وبين مواطنين يتمتّعون بالحقوق ويسكنون بالقرب من بعضهم في نفس البلاد. هذا ما يسمونه بالأبرتهايد، دان، ليس هناك اسم آخر.
     
مريدور لا يراهم. ولا يكلّف نفسه بذكرهم ولو بكلمة واحدة، هذا ملائم له ولأبناء قومه المتحضّرين. بالنسبة له هم هباء، حالة مؤقتّة لا نهاية لها أبدا، هم ليسوا بشرا ولا يستحقون كل ما يعظ به مريدر بهذا الحماس. يمكنه أن يتحدّث بصوت عالٍ جدا عن المساواة ولكنه لن يلقي نظرة على ما يحدث على بُعد دقائق من بيته. كاستطلاعات الرأي التي لا تشمل العرب والمتشددين اليهود والتي تعرض صورا بيانيّة نموذجيّة، كلجنة تدريج " ألُأسر اليهوديّة" فقط. مريدور يتجاهل وجود الاحتلال كأنه غير موجود، كي يتركز في كذبة الديمقراطيّة.
     
ما بين انخداع مريدور – ثمّة مساواة وديمقراطية، دولة يهودية ودولة لكل مواطنيها، وبين الفاشيّة التي يصفعنا بها اليمين المتطرّف على وجوهنا – يوجد شعبان، الأول يحظى بكل شيء والثاني لا يحظى بشيء. وتفضّل الإمكانيّة الثانية. لأنها على الأقلّ هي الحقيقة، الحقيقة الإسرائيليّة.
16.9.2018
-----
*أدوني صادق يشوع ، الإصحاح العاشر، 1