صدّقتُ أتفاقية أوسلو سنين طويلة قبل أن أستوعب أنها سراب مُضلّل

   
في ذلك الوقت لم ينتبه جدعون ليفي للتفاصيل ونفر من التشكّك الذي يعكّر الفرحة بتنبؤات غضب. كانت مصافحة رابين مع عرفات كحُلُم. وبعد مرور الوقت 
اتّضحت الرؤية: اتفاقيات أوسلو رسّخت الاحتلال


جدعون ليفي - هآرتس،6.9.2018 ترجمة: أمين خير الدين  

    
عندما تصافحت الأيدي في احتفال مهيب على باحة معشوشبة في واشنطن، كان الرصاص يصفر من حولي. عندما صافح أسحق رابين ياسر عرفات، كنت اعتمر خوذة فولاذيّة وأتلفّع بقميص واقٍ من الرصاص. لا أبالغ بعبارات مجازية في هذا الوصف: كنت في منتصف سبتمبر/أيلول 1993 في سرايفو المحاصرة والنازفة؛ عندما خُيّل أنهم يصنعون سلاما في واشنطن، كنت في خضّم حرب. وقد وصلت إلى السلام متأخّرا.
كان السرور بعد التوقيع على اتفاقيّات أوسلو حَذِرا ومتروّياً، وكان مشكوكا فيه جدا ومريبا
    
كتبت في جريدة "هآرتس" قبل سفري بيومين لاستعراض الحرب في البوسنه: "لم تسقط السماء أول أمس عندما وقّع رئيس الحكومة، اسحق رابين، على وثيقة اعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينيّة، ومع ذلك أيضا لم يقفز أحد فرحا إلى البركة في ميدان المدينة. الحَدَث الذي لا يقلّ أهميّة عن زيارة رئيس مصر، إنه مؤثّر على الإسرائيليين أقلّ من زيارة رئيس مصر بكثير. هاج اليمن المتدين المتطرف، اليسار يلطم على خدوده ولا يصدّق، ومُعْظم الإسرائيليين مشغولون بانعكاسات الأحداث من التطورات السياسيّة على أسْهُمِهم في البورصة أكثر من مستقبل القَصَبَة في نابلس" ("هآرتس" 12.9.1993).
     
أذكر الفَرْحة بعد التوقيع. كانت حذرة ومتروِّيَة، يُخالطها الشَّكّ والرَيْبَةُ، لكنها رغم ذلك كانت فرحةً. في الحقيقة لم تكن تشبه الفرحة بالسلام مع مصر، كانت بعيدة جدا عن ذلك. لم يُفتتح أيّ "مطعم سلام" في تل أبيب، لا مجال للتفكير "بمطعم يحمل اسم ياسر عرفات"، أنور السادت لم يُبْعَث حيّا من جديد. وفي الأراضي المحتلة كانت الفرحة باردة- ومُرّة، ذات تجارب مُشْبَعة بخيبات الأمل، بعد مؤتمر مدريد بسنتَيْن. ومع ذلك كان ثمّة إحساس بأنه ربما تكون النهاية؛ وأن سيبدأ فصل جديد. أذكر الانفعال في شوارع أريحا عند استقبال ياسر عرفات، والبحث عن مكان يليق به للمبيت؛ وهبوطه من السماء في غزّة، وبعدها تحليق طائرته في سماء الخليل، وحتى عندما هبط بها. و"تحرر" مدن الضفة الواحدة بعد الأخرى، كما اعتقدنا ببراءتنا – وسذاجتنا.
    
بعد الاحتفال بشهر ونصف، في بداية نوفمبر/تشرين الثاني 1993،التقيت مع قائد "صقور فتح" في أحد مخيمات مركز قطاع غزّة. اختبأ رأفت عابد في مخبئه في مخيّم النصيرات للاجئين، وظلّ مطلوبا حتى بعد التوقيع يهرب لينجو بروحه خوفا من الشاباك ومن جيش الدفاع الإسرائيلي، كان ينام كلّ ليلة في مكان آخر. "أوقفنا الكفاح المسلّح حاليّا"، هذا ما قاله لي في حينه، "نحن نخضع للتعليمات"، أذكر عند خروجي من معبر إيرز، مع تلويح مسرحي باليد إلى الخلف، باتجاه القطاع: سلام عليك يا غزّة ، سلام لا لقاء بعده؛ لن نعود إليكِ، لنكتب تقارير عن الاحتلال. انتهى الاحتلال، هكذا اعتقدنا. بدت نهايته في الأفق.
   

كانت آخر مرة يتكلمون بها هنا عن السلام. وقد اتضح بعد حصول ما حصل فقط أنه كان حُلما مضللا.
   
 أذكر مؤتمرات السلام السارّة في أواخر التسعينات، بدءا من فالنسيا وحتى رودوس، والرحلة التي لا تُنْسى إلى أوروبا مع بعثة المُشَرِّعين، نصف أعضائها أعضاء كنيست إسرائيليين والنصف الآخر من المجلس التشريعي الفلسطيني الدولة القادمة بالطريق. مروان برغوثي، يهودا هرئيل من الجولان، المرحوم دافيد طال من حزب شاس، دادي سوكر وحاييم رامون في صورة التفاؤل التي لا زالت مُعلّقة فوق مكتبي. كان ذلك أملا. وقد تبخر الأمل بسرعة، بلا عودة. كانت آخر مرة تكلموا بها عن السلام. وبعد ذلك فقط أتضح أن ذلك كان سرابا.
     
صدّقتُ أوسلو. اعتقدتُ أن إسرائيل حقا تريد أن تفتح صفحة جديدة مع الشعب الفلسطيني. كثيرون صدّقوا مثلي. لم أنتبه للتفاصيل، لم أر الصورة على حقيقتها كاملة، نَفَرْت من إي شكّ يعكر الفرحة بتنبؤاته الناقمة، تنبؤات أولئك اللذين لا يملّون. أردت أن أصدّق اتفاقيات أوسلو، من اجل منْ عاش الواقع قبل أسلو. مع إيبي نتان السجين بسبب لقاءاته مع أشخاص من منظمة التحرير الفلسطينيّة، كانت مُصافحة عرفات حُلُما، لا أقل من ذلك. صدّقت دوافع صانعي السلام الإسرائيليين، وهم بحق يريدون وضع حَدٍّ لحالة الاحتلال، في الوقت الذي كان يمكن فعل ذلك بسهولة نسبية. مرّت سنوات طويلة حتى استيقظت من الحُلم واستوعبت أنني وقعت في المصْيّدة. ربما لم توضع المصيدة عن قَصْد، لكنها كانت مصْيَدة. وياسر عرفات وقع في المصيدة أيضا وقسم كبير من شعبه وقع فيها ايضا.
    
 لم تكن هذه هي السحنة التي لواها رابين بسبب مصافحة عرفات. قلتُ لنفسي في حينه ليس هكذا يقيمون السلام. على يدي رابين من الدم الفلسطيني أكثر مما على يدي عرفات من دم يهودي. إذا كان هناك في واشنطن مَن يجب أن يلوي سحنته فهو القائد الفلسطيني: القائد الفلسطيني صافح مَن احتل اللد والرملة عام 1948، مع كل ما جرى فيهما، ومكسّر العظام في الانتفاضة. لقد صافح القائد الفلسطيني مَن سرقه ومّن احتل أرضه. لكن الصعوبة النفسية التي بَدَت على رابين كانت حقيقيّة ويمكن أن نغفر له لأنه لم يترفّع. ما كان لا يمكن غفرانه ما لم يُذكر في الاتفاقات.

إذا كان هناك مَن يجب أن يلوي سحنته فهو القائد الفلسطيني: القائد الفلسطيني صافح مَن احتل اللد والرملة عام 1948 ، ومكسّر العظام في الانتفاضة. لقد صافح القائد الفلسطيني مَن سرقه ومّن احتل أرضه
    
 الخطأ الأول في اتفاقيّات أوسلو هو أن أيديهم لم تُكوَ بمكواة النار. مكواة النار في حينه كانت المستوطنات. كانت أقلّ بكثير مما هي عليه اليوم. الحقيقة أنهم لم يبحثوا مصير المستوطنات في أوسلو، لم يُبتّ في مكانتها، وزيادة على ذلك، لم يُقرروا حتى تجميدها – كانت مِحكّ النوايا الحقيقية لسياسيّ إسرائيل، أو مقياس جرأتهم. أقيمت المستوطنات بقصد إفشال أوسلو. تجاهُلُها كان مصيريّا. وموافقة الفلسطينيين على عدم بحث قضية المستوطنات دليل على أنهم وقعوا في المصيدة.
     
مَنْ يبني شُرْفة في الضفة الغربية لا يفكر في إخلائها في أحد الأيّام. وكلّ اللذين لم يوافقوا على التوقف عن متابعة بناء المستوطنات كأنهم قالوا عمليّا: لا نفكّر بإخلائها. وقد مرّت سنوات حتى استوعب إدراكي هذه الحكمة. أتفاقات أوسلو ثبتت الاحتلال. أعطت إسرائيل 25 سنة أخرى على الأقلّ من الإستيطان المُنْحطّ والاحتلال الوحشي، وربما 50 سنة، أو مائة، أو تثبيت الأوبرتهايد أبديا.