خارطة الأوهام— انتصر المستوطنون، ونحن فشلنا



بقلم : جدعون ليفي - هآرتس، 19.8.2018 ترجمة: أمين خير الدين



بيوت في مستوطنة عوفرا، لا يمكن لأيّة خارطة أن تُصحح التاريخ: اغْتُصِبَت مُعْظَم أرض الشعب الفلسطيني منه عام – 1948.
       
أوري مارك، المحرر الجديد لمُلحق جريدة "هآرتس"، مقتنع أن تقسيم البلاد لا زال ممكنا.ويعتقد أنه في الواقع أمر سهل: مع إخلاء 9800 عائلة تكون البلاد مُقسّمَة. فقط 33 مستوطنة، "معزولة" تفصل بين دولة الأبرتهايد أو الدولة الديمقراطية ذات القوميّتَيْن لأنبياء الكذب والخراب. أ.ب يهوشوع والموقّع أدناه، وبين الحل العادل بإقامة دولتَيْن لشعبَيْنن، حلم الصالحين الكثيرين. وحسب قراءة قائمته (ملحق "هآرتس"، أول أمس) يبدو أن السلام والعدل يقبعان خلف الزاوية. ها هي الدولة الفلسطينيّة، في متناول اليد. وحتى الآن لم نقل شيئا عن مساحتها ألصغيرة، وعن حقوقها المحدّدة، وتجريدها وعدم الجدوى من قيامها.
     
الأبرتهايد الذي يقترحه مارك يثير الأعصاب. فقط التعساء لا يصابون عبَدْواه. يحْسَب لصالحه أنه يهتم بالأمور الصغيرة: الإخلاء المُخْتَصَر يضمن حلاّ مُخْتصرا. ترسيم الحدود لفترة محدودة. ماذا سيكون بعد ذلك؟ الله أكبر. حتى لو تمهل، المسيح آتٍ لا محالة.
        

كثيرون في العالم لا يزالون يروّجون أوهام التقسيم الجميل هذا، مع أنه الأكثر خطرا: بفضله يُرسّخ الاحتلال. طالما ننتظر التقسيم يمكن الاستمرار بالاحتلال. الحل في الجوارير. هكذا، يقرر مارك، حتى فترة نتنياهو لم تقضي عليه. يروّج لهذه الأوهام اليسار الصهيوني والاتحاد اوروبي، السلطة اللفلسطينية أيضا تتمسّك به – بدونه لا أمل لها – حتى دونالد ترامب أفلت لسانه بعض الكلمات عن الدولتَيْن. مريح لهم جميعا. 50 سنة من الاحتلال بفضل 50 سنة من الأوهام. ويمكن الانتظار 50 سنة أُخرى.
     
الخارطة لا تكذب. صحيح أن إزالة 33 من إزعاج المستوطنات يمكِّن من التواصل الجغرافي الفلسطيني. وستوجد دولة. وصحيح أن الفلسطيني المسافر من بيت لحم إلى رام الله يضطر إلى المرور بطريق البحر الميت، لكن مّنْ يُحصي. ثمّة تواصل، ربما يأتي في أحد الأيام القائد السياسي الإسرائيلي الذي يستطيع إخلاء 46 ألف مستوطن، أشكّ في ذلك؛ وربما سيأتي أيضا القائد الفلسطيني الذي يوقّع على حلّ بالتعويض. لكن سيكون هذا أوسلو الثاني أو الثالث، التضليل الثاني أو الثالث، لكن لن يكون عدلا. حتى بعضه لن يكون. لذلك ستكون نهاية أوسلو الثالث كنهاية أسلو الأوّل.
     
لا يمكن لأيّة خارطة أن تُصحح التاريخ: اغْتُصِبَت مُعْظَم أرض الشعب الفلسطيني منه عام – 1948. وفي عام – 1967 اغتصبت أل – 22% المتبقية منها. والآن يُطْلَب منه أن يساوم على هذا الجزء الأخير. لصالح المُغْتَصِبين. منذ – 1948 يعيش الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، أو كلاجئين في الشتات. وطالما أن إسرائيل لا تتحمّل المسؤولية على ذلك ولا تغّير توجهها نحو الفلسطينيين وحقوقهم، هذا التوجّه الذي لم يتغيّر منذ - 1948، لن يصمد أيّ اتّفاق. إن إزالة بعض المستوطنات سيمكّن بعد مضي عدد من السنوات من إلغاء الواقع، لكن الواقع لن يُلْغى وإسرائيل لن تُبرّأ
    
خارطة مارك تشوّه الحقيقة. ربما تجمّد ثلاّجةُ بنيامين نتنياهو وتزعج، كما تنطوي عليه كلمات مارك، لكن سنوات حكم نتنياهو ابعدت الحقيقة حتى عن خارطة الأوهام. الخارطة التي تطلُّ مع وقْعَ حوافر العنصرية المُعدّة لتهيئة الضمّ بدون إعطاء المواطنة، تظهر دولة الأبرتهايد المطلّة على الطريق. الخارطة لا تُظْهِر جوهر الفترة، المُتهاوية نحو العنصريّة، إو شهوة الدم وفقدان التعامل المُطلق مع الفلسطينيين كبّشر. الخارطة تُظْهِر 33 مستوطنة وتُغطّي على إسرائيل.
     
عمل شيطاني: فجأة يلوح الواقع في الصفحات التي تتلو آمال مارك. " ماذا يقصدون، عندما يتكلمون عن السيادة؟" تسأل كارولينا ليندسمان وتعرض جوهر الفترة الحقيقية. يتعهد وزير المعارف للفلسطينيين أنهم سيتمكنون من السفر يالمركبات، يقول زئيف إلكين إن ألأراضي المحتلة مُلْك الشعب اليهودي، مؤسس معهد الأبحاث الإستراتيجية يبعث بالشعب الفلسطيني إلى إندونيسيا ويقترح المستشرق إقامة سبع إمارات لهم.
إننا نتقدم إلى هناك ، وبخطًى جبّارة، انتصر المستوطنون ونحن فشلنا. تعالوا نعترف بذلك على الأقل، أوري، ولا نعزّي أنفسنا بالمعرفة.