قانون الاستفزاز  


 بقلم : أمين خير الدين 



قانون القوميّة (فيما يلي – قانون الاستفزاز)، كما قُلت وقال كثيرون غيري إنه ليس جديدا. لقد رافقنا – رغما عنا – منذ ما قبل خمسينات القرن الماضي، منذ بدأ الحكم العسكري، حين كان يحاصرنا في قرانا، لا يسمح لنا بالخروج إلا بتصريح من المقام العالي، الحاكم العسكري، كما كان السود محاصرين في جنوب أفريقيا إبان نظام الأبرتهايد ، غير المأسوف عليه، رافقنا منذ مصادرة أول دونم من أراضينا، منذ مُنِع أول مواطن من العودة إلى بيته، ليبقى مشردا إما في قرية مجاورة تطلّ على بيته الممنوع عنه، أو خلف الحدود، كان يرافقنا في ضريبة الدخل، في المصنع، عند استئجار شقّة أو غرفة أو عندما يغضب المفتش على أيّ معلّم....

 قانون الاستفزاز كان معنا رغما عنّا قبل أن يُقَنّن ويشرعن.

إذن ما الجديد؟؟؟

ألجديد أنه قُنن وشُرعن وصار يمكنه أن يُفرْعن جهارا نهارا، من أجل زيادة شراسته وغطرسته، يستفز المشاعر، ويستحوذ على ما تبقى من الأرض ويستعدي الأقليّة العربيّة في الداخل التي استساغت لحدّ ما التدجين، وقبول الأمر الواقع.

لم يُقَنن قانون الاستفزاز هذا من أجل الفلسطينيين في الضفة الغربية أو من أجل إلغاء وجودهم، أو الإستيلاء على أراضيهم، لأن ذلك تحصيل حاصل ليل نهار، وصباح مساء في العلن كما في الخفاء.

 من الطبيعي ان يثير قانون الاستفزاز أصحاب التوقعات العالية والخياليّة، ومن الطبيعي أن تكون خيبة ألأمل بقدر غطرسة هذا القانون ومشرّعيه، خاصة وتوقعوا، وتعوّدوا أن يكونوا المُدلّلين، وأن تُقام لهم التماثيل على مفترقات الطرق، وأن تتحدث عنهم وسائل إلإعلام المرئيّة أو المسموعة أو المكتوبة.

 جاء قانون الاستفزاز هذا بصفعة مؤلمة فأيقظتهم من أحلامهم في اليقظة و في الغفوة ومن تخيلاتهم وأوهامهم، لتثبت أن العقارب ما كانت ولن تكون حمامات للسلام ، وإمعانا في الوهميّة ظنوا أن الأمر يُحلّ بعناق وبوعود، حتى قالها رئيس الحكومة بصراحة جارحة، القانون باقٍ، باقٍ، ولن يتغير.
ووزراؤه ليسوا أقلّ منه تحمسا وتمسّكا بالقانون.

التاريخ لا يبشر بالخير، ويعيد نفسه، التاريخ طافح بالوعود العاقرة، ولكن مّن يستخلص العٍبّر، إن مقتل رابين جاء ببيبيي، ومَن يمكنه أن يضمن أن قانون الاستفزاز هذا لن يأتي ببينت و ليبرمان بعد بيبي لرئاسة الحكومة، مَن يمكنه أن يضمن أنه لن يتي بمأفون لرئاسة الحكومة كمرزل أو أمثاله ممَن سيجعلوننا نتمنى ألف قانون استفزايى بدلا مما سيأتون به، الأقلية اليهودية التي تعارض القانون معظمها تبنّى روح هذا القانون في خمسينات القرن الماضي، كمباي ومبام وأحدوت عبودا وغيرهم مِمن لا يقلون استفزازا للعرب في هذه البلاد بدون تمييز. لا أقلل من دور الأخوة من رجال الفكر اليهود الذين يعارضون القانون من حيث الجوهر. ويناضلون لإلغائه بطرق راقية خوفا على الدولة اليهوديّة. 


ألمظاهرة التي جرت يوم 4 من آب الجاري في ميدان رابين في تل أبيب والتي أجمع عليها الجميع بأنها كانت جبّارة، لم تطرح حلا، سوى أنها عبّرت عن خيبة أمل، وعن غضب، لم تقل ما هي خطوتنا القادمة إذا لم يُلغ قانون الاستفزاز هذا.

  إن القيادة التي قادت المظاهرة – مع كل الاحترام لها - اعتقد أنه تفتقر إلى العنصر العلمي، المهني الخبير، وينقصها التيار اليساري في الطائفة. كان من الأحرى أن يذكر السيد رفيق حلبي ولو من باب التلميح بوجود تيار آخر في الطائفة له موقف يستحق الإصغاء له، تيّار يفكر بأسلوب آخر.

 ثم. من قال أن الضباط هم مَن يجب أن يقودوا حراكا كهذا، حراك في جوهره قومي، شئنا أم أبينا، وهم لا يحسّون بانتمائهم العربي بقدر إحساسهم وتعاطفهم مع الحركة الصهيونية وجيش الدفاع الإسرائيلي.

إن وجودهم في القيادة فيه نوع من الاستعطاف، بالتذكير أننا نخدم في الجيش، وأننا كنّا شركاء في كل حروب إسرائيل، ومجازرها، واحتلاها.

 إنهم مع الاحترام لهم، وأظن أنني لا أبالغ إن قلتُ إنهم يفتقرون إلى الحسّ العربي القومي، ومثلهم مُعْظم رؤساء سلطاتنا المحلية، أغلبيتهم ضباط، إذا تكلموا لا يتكلمون باللغة العربية، وهي هدف مرشح للإلغاء بموجب قانون الاستفزاز هذا، إن القيادة لهذا النضال يجب أن تكون ذات كفاءة ، يجب أن تشمل المؤرخ والعالم الاجتماعي والعالم النفسي، والأستاذ الجامعي للعلوم السياسية والمحامين القديرين والعلماء والتيار اليساري في الطائفة بالإضافة إلى إلقيادة الحالية، وان تضع يدها مع الأخوة العرب مسلمين ومسيحيين لأن المصير واحد، والقانون يهدد الجميع بنفس المقدار.

وأن تحظى هذه القيادة بمباركة الرئاسة الروحية والقيادة الدينية التي يجب أن تبقى بعيدة عن وسخ السياسة وقرفها، لأن السياسة استفزاز، استعداء، استحواذ، وهي اي القيادة الدينيّة بروحانيّتها لا يمكنها ان ترد على الاستفزاز باستفزاز ، وعلى الاستعداء والاستحواذ باستعداء واستحواذ، لا يمكنها أن تكون مفاوضا عنيدا، صلبا لتحافظ على العدل والحق أمام مَن يدوس الحق والعدل محليّا وإقليميا وعالميّا.