دولة الشريعة والأسس العنصرية لقانون القومية
د. محمد شنان
ان تاريخ الانسانية برمتها يتمثل من خلال مراحل تطور عقلاني لإرادة البشر حيث كان مفهومي الدولة والمجتمع بمثابة ذروة هذا التطور تلك الدولة التي من المفروض ان تحتكم لدستور يستمد شرعيتها فقط من الحق المؤسس لمفاهيم العدالة الاجتماعية والمساواة بين الناس بحيث ان كل شيء يناهض هذا النوع من الحق يمكن اعتباره نص غير شرعي.
من هذا المنطلق فان قانون القومية العنصري جاء لينسف من الاساس مثل هذا الحق المؤسس ويلغي بذالك أسس العدالة والمساواة بين الناس. فالمفاهيم الحديثة للعدالة تؤكد على أهمية التساوي في الواجبات والحقوق بين كل افراد المجتمع من حيث الحريات والموارد الطبيعية والاهم من ذالك كله وجوب القوانين التي تكون فوق الجميع من جهة واحده لكنها ايضاً تكون من اجل الجميع من الجهة الأخرى بمعنى ان لا يكون القانون لمصلحة فئة معينة ضد فئة أخرى كما هو الحال إزاء قانون القومية العنصري الذي يلعب مقننوه ومؤيدوه في هذه الحالة دور الجاني الغير آبه او مضطرب إزاء ضحاياه والذي يفك جنايته وجوره على الآخرين دون اضطراب او هلع او غضب بل بما يغذي كبريائه وروحه بانه هو الأكثر قوة وسيطرة. ومن هنا ردة الفعل الغاضبة والمتحمسة ازاء هذا الجور التي هي ردة فعل طبيعية دون أي نوع من التكليف او التروي.
فالإنسان في طبيعته وجوهره يأبى ان يشعر بانه اقل حظوة او احط رتبة من الآخرين خصوصاً إذا كان الآخر مقتنع تمام الاقتناع انه بطبيعته أفضل من الآخرين ينظر اليهم بنظرة استعلائية وشوفينية وكأن أفضليته هذه مستمدة بأساسها من الله عز وجل وهذا هو الخطر العظيم إزاء هذا القانون العنصري كونه برأيي مستمد من فكرة دينية تعصبية مؤسسة على نظرية شعب الله المختار بعيدة كل البعد عن مفاهيم الدولة الحديثة والحريات والمواطنة وحقوق الانسان.
وكما هو معلوم فان الأشخاص الذين يقفون وراء هذه القانون والذين قاموا بوضع بنوده الكاملة ينتمون لواحد من أكثر الأحزاب السياسية تطرفاً في إسرائيل "البيت اليهودي" خصوصا وان مبادئه الحزبية مستوحاة من شريعة دينيه بعيدة كل البعد عن مفاهيم المواطنة والحقوق والحريات.
فالعنصري عادة ما ينصب نفسه شبه الها وبانه على دراية تامة بمعادن البشر فيحكم على فئة ما انها عنصر سامي وعلى فئة أخرى انها مجبولة من عنصر يشوبه الانحطاط والوضاعة.
فهذا القانون في أساسه يمنح امتيازا طبيعياً وجوهرياً "امتيازا مستلهم من السماء" لشريحة معينه من المجتمع على حساب شريحة أخرى ارتكازاً وانطلاقاً من فكرة دينية متطرفة ضاربا عرض الحائط بمفهوم الدولة من حيث حفظ كرامة الانسان وحريته وحقوقه التي تأتي في مقابل واجبات الشخص في سبيل استقرار الدولة وأمنها.
فعقيدة الانسان الدينية من المفروض ان لا تمس باي شكل من الاشكال معايير ومسلمات دولة المواطنة التي تؤكد على المساواة بين الجميع امام القانون القضائي اولاً والقانون السياسي ثانياً من حيث الحقوق والواجبات.
ما من شك ان مثل هذا القانون هو بمثابة دافع رئيسي نحو نظام عنصري بغيض كونه ينظِّر لدولة الابرتهايد التي تعتمد آليات الفصل العنصري في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، الامر الذي يشكل بالأخير مصدر قلق وخوف كبيرين بالنسبة للغالبية العظمى من الأقليات وكذالك لقوى اليسار اليهودية.
لكن ما يقلق أكثر ومن المفروض ان يقض مضاجعنا جميعا حقيقة هي انه في هذه الظروف الحاصلة والاقتراحات السافرة التي تقدم من حين الى آخر من قبل المؤسسة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو إزاء الحراك الشعبي، امكانية ان نتحول بالأخير تحت شروط قانون القومية هذا لنصبح مجرد الجلاد لنظام عنصري بغيض ومن هنا تنبع أهمية هذا الحراك الذي يعتمد جمهور هو مقتنع تمام الاقتناع بصدق وعدالة قضيته ليتم توظيف كل قواه العقلية والنفسية في سبيل خدمة القضية نفسها التي تتحول الى مصدر طاقة رهيب لا يهاب شيئا يمكن ان يعترض طريقه في سبيل إدراك ما تنص عليه قضيته العادلة.
العدل والمساواة هما شرطان اساسيان لأجل التضامن والتآلف بين الناس في أوقات السلم والحرب فلا سبيل للفرد بان يتضامن مع الآخرين إذا لازمه الشعور بالإجحاف والتنقيص من حقوقه وعدم المساواة.

04/08/2018 12:59 pm 3,022
.jpg)
.jpg)