
بالنسبة لعائلات في الضفة الغربيّة، حتى بيوتهم لم تعد حِصْنا لهم
قوّات الأمن ومعها الكلاب تهاجم عائلات خلال البحث عن مُتّهمين، وباب المنزل الملحوم تُبْقي أصحاب البيت عاجزين. حكايتان روتينيتان عن حياة غير
روتينية تحت الاحتلال الإسرائيلي
عميره هس هآرتس، 15.6.2018 ترجمة: مين خير الدين
تقوم قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي، حرس الحدود واليمام ( اليمام= قوّات اخاصّة من حرس الحدود لمكافحة الإرهاب ... - المترجم) كل ليلة باقتحام بيوت الفلسطينيين في كافة أنحاء الضفة الغربيّة، إمّا من أجل اعتقال مُتّهمين أو من أجل القبض على مزوّدي معلومات مُحْتملين. أو بهدف تدريبات عسكريّة مختلفة أو من أجل الردع. يقوم الجنود بمهامّهم كحُماة للمستوطنين يوميا ومن أجل تحديد تحرّكات الفلسطينيين: في الحواجز، أو بالتجوّل بالقرب من المستوطنات أوفي وسط مدينة الخليل. لا تصل معلومات عن ذلك إلى الإعلام الإسرائيلي إن لم تكن أحداثا فيها إصابات بين الجنود أو الإسرائيليين الآخرين، ثمة حادثتان حدثتا في المدّة الأخيرة تشكلان مثلا لهذا الروتين. في جنين وفي الخليل. بالرغم مما فيهما من غرابة: الكلاب لا تهاجم المدنيين في كل اقتحام واقتحام، والانتقال لشقّة للفلسطينيين في وسط مدينة الخليل ليس أمرا يوميّا.
في الحادثة التي جرت في مخيم جنين للاجئين في الشهر الماضي هاجمت الكلاب التي رافقت قوّات الأمن عائلتين: كان من بين الذين هوجموا امرأة في أل-40 من عمرها، مشلولة جزئيا، رجل عمره 73 سنة وفتًى عمره 13 سنة، وقد قال أبناء هذه العائلات في شهاداتهم التي أدلوا بها أمام محققي بتسيلم عن جنود بشكل عام، لكن الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي قال لجريدة "هآرتس" المقصود عمليّة لحرس الحدود، والناطق بلسان حرس الحدود قال إن من قام بالعملية فرقة اليمام.
حدث هذا في الساعة الرابعة صباحا، بتاريخ 7 مايو/أيّار. استيقظت صباح وصالح يعقوب على نباح الكلاب وأصوات اشخاص خارج باب منزلهم. عندما رأوا أن الواقفين خارج الباب ينوون تحطيم الباب الحديدي في المدخل الخارجي للبيت، استنتجوا أن المقتحمين جنود. صالح ، ابن أل 44 سنة، موظف في وزارة الزراعة الفلسطينيّة، تقدّم ليفتح الباب، قبل أن تُقْتَلَع. في اللحظة التي فتح بها الباب، كما تقول زوجته صباح، ابنة أل- 40، دخل جنود ومعهم كلاب. وفي اللحظة التي رأت كلبا يهاجم زوجها، هاجمها كلب آخر وألقى بها أرضا.
صباح مشلولة بيدها اليمنى ورجلها اليمنى بسبب سكتة دماغية أصابتها في السنة الماضية. وعندما هاجم الكلب صالح، كان همّه الوحيد سلامة زوجته، وكما يقول، استطاع صدّ الكلب وتثبيته بين رجليه. حاول الكلب تخليص نفسه من القبضة وأخذ يحرّك رأسه يمينا ويسارا، وهو يضرب بفمه المُكمّم أرجل صالح. وكما يقول صالح إنه استطاع تثبيت الكلب الثاني، بعد أن رمى الكلب الثاني زوجتة أرضا. عندئذ سيطر الجنود على الكلبَيْن، كما قال صالح لمُحقق بتسيلم عبد الكريم السعدي. شاهد صالح أحدَ الجنود يرفس زوجته المُلقاة على الأرض، ومن شِدّة الخوف لم تستطع الحركة. سحبها إلى غرفة النوم. كما أنه نقل أمّه، ابنة أل 80 عاما إلى غرفة النوم، وقد منعهما جنديان مسلّحان من الخروج. وقد فقدت صباح وعيَها نتيجة الخوف والرعْب، واستيقظت عندما قام زوجها برشّ وجهها برائحة عطرية.
دخل جنود آخرين في نفس الوقت غرف نوم أبناء صالح وصباح الثلاثة، أصغرهم ابنة 17 سنة. اعتقلوا عبد الرحمن، ابن أل- 20 سنة، وهو يعاني من إعاقة دماغيّة ومشاكل نفسانيّة بعد إصابته برأسه، خلال طفولته، من جسم ثقيل. نُقِل إلى غرفة النوم، مُقيّد اليدين خلف ظهره بقيود بلاستيكية، وقد سمح الجنود لوالديه باحتضانه ووداعه. وغم مرور شهر، لا زال في المُعْتَقَل.
نفس القوّة المصحوبة بالكلاب انتقلت إلى حيٍّ آخر في نفس المخيّم، إلى بيت عائلة سليط، حيث يقيم 11 شخصا. يسكن في الطابق اول هاشم سليط، ابن ال -73 سنة، أرمل، مع حفيديه: أبناء أل - 21 و -13 سنة. ويسكن في الطابق الثاني ابنه، وكِنَّتُه وخمسة أحفاد آخرين. سمع آذان المؤذّن، وفجأة سمع ضجّة خلف الباب، كأن مجهولا يحاول فتحه. خرج من الغرفة التي يشارك حفيديه بها ودخل الصالون. اشتدّ الضجيج. الباب من حديد، قديم وثقيل. استنتج أن مَن يحاول اقتحام البيت هم جنود، فخاف من الاقتراب. أخيرا فُتِح الباب بالقوّة، وفي نفس اللحظة هاجمه كلب وأوقعه أرضا. الكمامة على فم الكلب حمت هاشم المذعور من النهش، لكنها لم تحمه من مخالب الكلب: جرحه بذراعيه، فبدءا بالنزف.
دخل بعد الكلب حوالي عشرة جنود، هذا ما قاله لمحقق "بتسيلم". بعضهم أبعدوا عنه الكلب الذي هاجمه. شهادة مشابهة لشهادة صالح وصباح يعقوب: في البداية تهجم الكلاب، وبعد ذلك يوقفهم جنود اليمام. قاد الجنود هاشم إلى غرفة النوم وألقَوْه أرضا. دخل معهم كلب وهاجم حفيده ، ابن ال – 13 سنة، محمد.
حاول الفتى إبعاد الكلب عنه، علقت إحدى أصابعه في ثقب في شبكة كمّامة الكلب، فعضّه الكلب بها. عندئذ قام شرطيّان بتثبيت محمد، وألقوه أرضا، قيّدوا يديه بقيود خلف ظهره وتركوا الكلب يشمّ جسده. وقد غطَّوه حتى رأسه مقيّدا، بملاءات، لم يعد يرى شيئا. فقط كان يسمع أصواتا. سمعهم وهم يقبضون على أخيه الأكبر، اسمه كاسم الجدّ، هاشم، ويخرجونه من الغرفة، بينما تُرِك الجد مُلْقى على الأرض لا يستطيع النهوض. وقد رأى حفيده هاشم، أبن أل -21 سنة، وهم يقودونه إلى الطابق الثاني، بعد حوالي رُبْع ساعة عاد جنود شرطة اليمام ومعهم هاشم ووالده، سمير سليط.
سمير سليط، تاجر طيور عمره 46 سنة، شاهد أباه مُلْقًى على الأرض ويداه تنزف. ساعد أباه على الجلوس وسأل الجنود لماذا أعتدوا عليه. لم يجيبوا، هذا ما قاله لمحققق "بتسيلم". خرج سمير من البيت بإذن من الجنود: كانوا قد طلبوا بطاقة هوية الإبن هاشم وجهاز محموله. أخذوا الجهاز، لكن بطاقة الهويّة كانت في سيّارة سمير. خرج ليحضرها، بينما كان الجنود يقودون ابنه إلى الخارج: يداه مُقيّدتان خلف ظهره ورأسه مُغطّى. في تلك اللحظة انتبه إلى ان ابنه الأصغر محمد مُغَطًى بالملاءات وبالبطانيّات، وعندما أزاح الغطاء اكتشف أنه مقيّد اليدين، وينزف من إصبعه ومن أنفه.
سألت جريدة "هآرتس" الناطق بلسان حرس الحدود إن كانت هذه تعليمات لاستخدام الكلاب، وهل من ضمن مسؤوليّاتهم مهاجمة الصغار والكبار. كان رد شرطة إسرائيل أن "الادِّعاءات مليئة بالمغالطات بشكل بعيد عن الحقيقة وتهرب مُطْلق من حقيقة أنه كان في البيت في تلك الساعة مَن هو مُتّهم بعمليّة إرهابيّة". وحسب ادِّعاءات الشرطة، "خلال مهام قوى الأمن في المنطقة، ضُبِط في البيت مخرب متهم بعملية إرهابية جرت مؤخّرا وتضمّنت إطلاق نار على قوّاتنا".
وأضافوا أيضا أنه "في عمليّات عسكريّة من هذا النوع ضدّ أهداف إرهابيّة ثمّة خطر على حياة الجنود، لذلك تستخدم الكلاب بشكل قابل للسيطرة من أجل تفتيش المباني وتحديد أماكن المُتّهمين، أكثر من مرّة أنقذت الكلاب حياة الجنود خلال قيامهم بمهامهم. بدلا من إعابة وإثارة اسئلة حول المهام الهامّة التي تؤدّيها الكلاب، يجدر إلقاء الضوء على الظاهرة السلبيّة في تغلغل المخربين بين السكان المدنيين، يسيئون لهم ويعرّضونهم للخطر. ستستمر قوّات الأمن باستعمال كل الوسائل المتاحة لها، للمحافظة على أمن مواطني دولة إسرائيل والقبض على كل مَن يحاول المسّ بهم".
وفي اقتحام آخر جرى في مدينة الخليل وانتهى بلَحْم الباب لحما معدنيّا والعائلة داخل البيت. سامي وياسمين زاهده زوجان شابان: أبناء 27 و-26، عندهما ابنان أبناء أربع وثلاث سنوات. سكن الأربعة في غرفة واحدة لدى عائلة سامي في أحد أحياء مدينة الخليل. كان الازدحام صعبا على الجميع، كما يقول سامي، وهو يعمل حارسا في مطعم وراتبه ضئيل لا يمكِّنه من استئجار شقّة في المدينة. وبناء على نصيحة أخيه، المقيم في شارع الشهداء في مدينة الخليل القديمة، حيث فتّش هناك عن بيت خالٍ، للأجرة. في ال -20 سنة الأخيرة خلت أحياء كاملة من سكانها ، بسبب تعدّيات المستوطنين وبسبب إجراءات عسكريّة مختلفة كإغلاق شوارع وإغلاق السوق، ومنع تحركات المركبات الفلسطينية والمشاة، وبسبب اقتحامات للبيوت واعتقالات دوريّة.
تشجّع اللجنة الفلسطينيّة لإعمار مدينة الخليل العودة إلى البيوت، أو تأجيرها للفقراء بإيجار بسيط، بعد أن يتعهد المستأجر بالترميم. بفضل شهر رمضان سمح الجنود لسامي بالعبور من حاجز الزاوية في الطرف الغربي من شارع الشهداء. منذ ثلاث سنوات تقريبا والفلسطينيون الذين لا يسكنون منطقة الشهدا وتل الرميده ممنوعون من الدخول إليهما. سكان هذين الحيين مسجلون لدي الحواجز هناك، وبهذا يعرف الجنود لمَن يسمحون بالعبور ولمَن لا يسمحون. في شهر رمضان يُسْمَح لأقارب سكان المنطقتين بالدخول، وبهذه الطريقة دخل سامي. فتش عن شقّة ملائمة، التقى مع مالكها المقيم في تل الرميده، وبدأ ينقل أمتعته: نقل بعضها عن طريق الحاجز المأهول بالجنود 24 ساعة في اليوم وبعضها عن طريق أزقّة خلفيّة. وقد نجحت العائلة بالانتقال للسكن في الشقة بتاريخ 25 مايو/ أيار. أو كما اعتقدت.
في الأول من يونيو/ حزيران جاء الجنود وطلبوا من سامي إغلاق المدخل الخلفي المُطلّ على الزقاق بحائط إسمنتي. وأمهلوه ساعتين. اشترى الحجارة الإسمنتية، ولبّى طلبهم وهم يشرفون عليه. في 2 يونيو/حزيران زاره والداه. في ساعات المساء المتأخرة، تقريبا في العاشرة والنصف، فجاء يهود إسرائيليون، متدينون، ووقفوا في مدخل البيت، وأخذوا يصرخون. كان هذا بعد الفطور الذي ينهي الصوم وقبل الصلاة بعد الإفطار، وبينما كان والدا سامي يستعدان للعودة إلى بيتهما. لكن الضيوف غير المرغوب بهم الواقفين في الباب منعوهم. وقد أدى التراشق بالكلام إلى التضارب بالأيدي. جاءت الشرطة الإسرائيلية، وفصلت بين المتنازعين، ومكّنوا والدي سامي من العودة إلى بيتهما وأمروه بالبقاء مع عائلته في البيت، وبإقفال الباب جيّدا وإغلاق النوافذ المُطلّة على الشارع. كانت الساعة قد جاوزت الثانية والنصف ليلا.
في 6 يونيو/حزيران، في الساعة الثامنة والنصف صباحا، اقتحم جنود البيت. صادروا التلفونات المحمولة الخاصّة بسامي وزوجته ياسمين، وحبسوهما مع ابنيهما في غرفة واحدة، يحرسهما جنديان. من ناحية هدموا الحائط الذي طلبوا من سامي بناءه قبل أيّام؛ ومن ناحية أخري لحموا الباب الرئيسي المؤدي إلى شارع الشهداء. وقد أبرز الجنود أمرا بإلحام الباب، لكنهم لم يعطوه نسخة من الأمر. وبنفس الوقت كانت البوابة المهجورة،خلف بيت عائلة زاهده، مقفلة. أصبح أبناء العائلة محبوسين داخل البيت. استغاثوا بالجيران القلائل الذين لا يزالون يسكنون في منطقة الشارع. فجاء الجيران وتظاهروا أمام الباب الملحوم. وبعد مرور قليل من الوقت جاء ممثلو الإدارة المدنيّة، كسروا الباب الملحوم وطلبوا من سامي أن يبني مرة أخرى الحائط الإسمنتي الذي هدمه الجنود في صباح نفس اليوم. اشترى ثانية حجارة إسمنتيّة، وبنى الحائط الحاجز ثانية.
في 8 يونيو/حزيران،في العاشرة والنصف صباحا، جاء حوالي عشرة جنود وطلبوا من عائلة زاهده مغادرة البيت. وأمهلوهم أربع ساعات للقيام بذلك. وقد اقترحوا ان يسمحوا لسيارة شحن بالدخول حتى الباب الخلفي لنقل الأثاث. رفضت العائلة المغادَرَة، وبعد سبع ساعات حضر ممثلو الإدارة المدنية ثانية وأبلغوا العائلة أن كلّ شيء على ما يُرام، وبإمكانهم البقاء في بيتهم.
في 9 يونيو/حزيران حوالي الساعة الحادية عشر صباحا، جاءت مجموعة من الجنود وأبلغوا العائلة بوجوب لحم باب المدخل الرئيسي معدنيّا مرة أخرى. حاولت العائلة الاعتراض، لكن الجنود هدموا الحائط الحاجز الخلفي، وكان سامي قد بناه للمرة الثانية قبل ثلاثة أيّام. وبعد ذلك قام الجنود بلحم باب المدخل مرة ثانية. الآن حُذِف اسم سامي وأسماء أبناء عائلته من قائمة الأسماء المسموح لهم بالدخول من حاجز الزاوية. والآن ممنوع من زيارة أخيه، المقيم في شارع الشهداء. "نحن نتحدث عن طريق النافذة"، كما يقول.
وقد توجهت جريدة "هآرتس" بسؤال للناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي لماذا تصرّف الجنود بمثل هذا الاعوجاج وهل هم ينفّذون تعليمات المستوطنين. وقد ردّ الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي: "دخل في المدة الأخيرة عدد من الفلسطينيين لمبنى في شارع الملك داود (الشهدا) في مدينة الخليل، كان هذا المبنى مهجورا طوال سنين عديدة. وقد اقتحم الفلسطينيون المبنى بدون تنسيق،سواء كان من محور الملك داود الآهل بالسكان اليهود في مدينة الخليل، أو من الجانب الفلسطيني في القَصَبَة الشرقيّة. قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي أغلقت المخرج نحو محور الملك داود، حيث يمنع الفلسطينون من التجوّل لأسباب أمنيّة. بعد أن اتضح أن الفلسطينيين قد أغلقوا المخارج من المبنى إلى القصبة الشرقيّة وأبلغوا أنهم أقفلوا المداخل على أنفسهم في المبنى، وقد قامت قوّات الأمن بفتح المخرج الذي أُغْلِق مؤقتا.
ونؤكد على أنه بعد أن قام الفلسطينيون بإغلاق المخرج نحو القصبة الشرقيّة، بقي مخرج واحد يمكنهم الخروج إليها. وفي مساء يوم السبت 9 يونيو/حزيران 2018، أُغْلِق المَخْرج إلى محور داود وفُتِح من جديد الممر إلى القصبة الشرقيّة الذي اغلقه الفلسطينيون، بشكل يسمح بمرور مريح إلى الجانب الفلسطيني. وقد تمّ الإغلاق لأسباب منيّة، على ضوء المنع الأمني لتجوّل الفلسطينيين في المحور الذي يطلّ عليه المخرج المُقْفَل. يُبْحَث دخول ومكوث الفلسطينيين من الناحية القانونيّة. وسيكون التعامل معهم وفقا لنتائج هذا البحث".
20.6.2018
20/06/2018 02:51 pm 3,106
.jpg)
.jpg)