"نحن بشر، وهم جراثيم"
إسحق لئور هآرتس، 3.6.2018 ترجمة أمين خير الدين
في 24 أيار 1948، قبل الغزو المصري، وبينما جموع لاجئي نيسان تتدفق من يافا، أُسِر مُسْتعربان من البلماح وهما يحاولان تسميم آبار غزة بجراثيم حُمّى التيفوس والدوسنطاريا، وأُعْدِما بدون أي احتجاج إسرائيلي. وقد قامت ساره لايفوفيتش - دار ببحث هذا الصمت ("جراثيم في خدمة الدولة"، مُلْحق جريدة "حدشوت"، 13.8.1993): كيف لم تُنْقَل جثتيهما إلى إسرائيل، خلال احتلال عام 1956، وخلال السنوات الطويلة بعد احتلال 1967.
عملية التسميم التي فشلت (بعكس عمليّة التسميم بجراثيم حُمّى التيفوس التي ."نجحت" في عكا)، بقيت قابلة للتكذيب، واستعدادا للتصفية الجماعيّة. حاليا وصل آلاف من اللاجئين، نتيجة لبدء قصف سلاح الجو وقصف المدافع الميدانيّة (عملية "يوآب"، خريف 48)، ولغاية التهجير القسري لسكان المجدل، اشكلون، لمَن تبقى بعد النكبة: في بداية 1950، أبلغ الحاكم العسكري المسؤول عنهم، يهوشع وِرْبين، أنه خلال وقت قصير "سيُنْقَلون". لكنهم طُرِدوا في حزيران، على ما يبدو إلى الرملة، لكن موشي ديان دفع بهم إلى قطاع غزة. وفي "العمليات الانتقامية" وفي احتلال 1956 أُحِيكَت أفكار مترددة بالنسبة للطرد، بينما لم يتوقف القتل الجماعي.
يميل اليسار إلى اقتباس الرثاء الذي ألقاه ديّان على قبر روتبرغ. هذا الرثاء هو لبّ "التعاسة الصهيونية": نحن نَطرد، نجوّع، وأنتم تحاولون الردّ، وعندئذ علينا أن ندافع، ضد "المتسللين"، "الفدائيين"، "المخربين" وباقي "الأغراب". الآن "الحماسنيكم" يقفون عند جدار الغيتو،حيث مصير المتظاهرين الموت. هذا هو التفكير الاستعماري: "نحن بشر، أنتم جراثيم".
خلال كل السنوات الماضية، طُرِحَت برامج لتفريغ قطاع غزّة (أشكول وعاده سيرني *) ونَقْل سكان القطاع إلى سينا، لتخفيف القطاع من السكان، وفي المقابل كان جيش الدفاع الإسرائيلي يعمل. بقيادة أريئيل شارون ومئير دغان، خطفوا سيارات جيب من مخيمات اللاجئين عام 1971، وخطفوا جثث "مخربين" من المواجهات الأماميّة. كلّ شيء مسموح لنا، ماذا سنعمل مع القطاع في بلادنا، في سنة 2004 قبل أل"الانفصال"، عدا عن الدمار ومحو البيّارات، دخل الجيش إلى حيّ الزيتون، وابتدع مواجهة مع ناشطين. وقتل القناصة خمسة مواطنين محليين. وضمنت عمليّةُ جيش الدفاع الإسرائيلي إطلاقَ النار على سديروت. "غضب الجمهور" ضروري ليمكِّن من عمليات ومن تجنيد دعم عام وقانوني لهدم مئات البيوت في رفح (حي "فيلادلفيا").
من سبتمبر/أيلول 2005 لغاية مارس/آذار 2006 قتل جيش الدفاع الإسرائيلي في قطاع غزّة 64 فلسطينيّا، منهم 15 قاصرا. وبهذا اكتملت الغيتوئيّة. بهذا تحوّلت مستوطنات "حاضن غزّة" لضحيّة، كعبة حجّ لزعماء العالم وعامل موحد للمجتمع السياسي، بدءا من موشي راز وحتى أييلت شاكيد. عالِم الاجتماع الفرنسي ليفين فاكان شبه الغيتو بكل مراحله لواق ذكري؛ "حاضن غزّة" هو واقٍ منيع.
من "أجله" تُشنُّ "العمليات العسكريّة": ليتها لا تكون.
منذ عمليّة "الرصاص المسكوب" يتحدّث المعتدلون، ميرس وجمعيّاتها عن "كارثة إنسانيّة". وأيضا الجيش "يحذّر"، لكن الكارثة تتفاقم. قالت تمار زندبيرغ في مؤتمر هرتسليا: "في المسائل الكبرى الموجودة على بساط البحث ، ميرتس الآن أقرب من إي حزب لإجماع جهاز الأمن" (10.502018). باختصار، أمنية الجناح "المعتدل" في قطاع غزّة، هي القضاء على الحكم الذاتي في القطاع، وانفصاله عن الضفّة الغربيّة، وتسليمه "لقوّة دوليّة"، صديقة لنا. وعند ئذ: : قُل ماذا تقترح". قولوا لي أنتم، ماذا اقترحتم مرّة؟
إنّها حرب استعمارية، ليس هناك شيء فعلي أكثر، حرب بين قوّة عسكرية عُظْمى بدعم غربي واسع، وبين شعب مصرٍّ على البقاء بظروف لا إنسانيّة. يسار بالجانب الاستعماري لا يحقّ له أن يختار للمضطهدين زعماءهم، ليس أمامه إلا التضامن مع نضالهم. هم الذين اختاروا حماس. فضيحة مايو /أيار تعلّمنا: إمّا تعاطف أو بربريّة.
----------
*بعد 1967 كان هناك إجماع سياسي على ضمّ قطاع غزة إلى إسرائيل، ووضعت البرامج السرية للتخلص من مليون عربي سكان القطاع ، وضعت البرامج في زمن رئيس الحكومة ليفي أشكول وكانت رئيسة البرامج عاده سيرني منقذة اليهود من الكارثة - المترجم
03/06/2018 05:51 pm 3,343
.jpg)
.jpg)