.png)
أمين خير الدين
لم تعد الظروف السائدة في قطاع غزة، تخفى حتى على الذين لا يرون من الغربال، قطاع غزة مُحاصر منذ 2006 ، إثر فوز حركة حماس بالانتخابات، وازداد ضيقا في 2007 بعد سيطرة حركة حماس على القطاع، حتى اصبح لا يُطاق كما تقول تقارير هيئة الأمم المتحدة، وقد ورد في احد هذه التقارير أن قطاع غزة سوف يكون غير صالح للحياة البشرية عام 2020. وعام 2020 ليس بعيدا، أي أن قطاع غزّة الآن على حافّة الهاوية.
من التقارير المحايدة التي يُقدّمها الإعلاميون التقدميّون تطل صور مؤلمة عن الوضع في القطاع، ومنها يمكن استخلاص الجواب على السؤال: لماذا شباب غزة وفتيانها وأطفالها يفضّلون الموت على الحياة؟ لماذا يتسابقون إلى الجدار حيث عشرات القنّاصة الإسرائيليين مع بنادقهم والتعليمات التي يتلقَوْنها من الأعلى، بانتظارهم لتحصدهم كالعصافير البريئة. وهم يعرفون، ونحن نعرف مثلهم أيضا، مدى شراهة الجندي الإسرائيلي لقتل الفلسطيني خاصّة والعربي عامّة.
مع أنّ كلّ قنّاص، وكل جندي، وكل مواطن إسرائيلي، سواء كان قريبا من الجدار أو في أقصى شمال البلاد، يعرف أن هؤلاء الشباب أو الفتيان أو الأطفال لا ولن يشكلوا خطرا على الجدار أو على المستوطنات أو على أحد، ومع أنهم لا يمكنهم – وهم يدركون ذلك – أن يحتلوا مترا واحدا من إسرائيل. وكثيرون أيضا في الجانب الإسرائيلي بدأوا يشككون في الادعاء أن حركة حماس هي التي تدفعهم، أو تخرجهم من بيوتهم إلى المظاهرات، وهم - أي سكان القطاع - بأنفسهم يحتجون على هذا الادعاء المشكوك فيه، كما تقول عميره هس على لسان أصدقائها: "أصدقائي من قطاع غزّة، حيث سكنتُ، يحتجّون على الادّعاء، بأنّ حماس تسيطر عليهم، فيقولون: "أنتم الإسرائيليون تسخرون منّا". من الصعب عليكم استيعاب أن كلّ واحد منّا يخرج للمظاهرة بدافع شخصيّ" (جريدة "هآرتس" 18.5.2018).
أيّ أن هذا الادّعاء ما هو إلاّ كذبة يراد بها تبرير لزيادة القتل والإصابات وإشباع لغريزة مريضة، وتهرّبا من الاعتراف بالحقّ التاريخي للشعب الفلسطيني، على أرضه.
إذن ما الذي يدفعهم إلى الموت؟
كل مواطن عادي، غير مضروب بتفكيره أو بعقله، يتمتّع بقليل من الذكاء يدرك ان اليأس قاتل، وهو الذي يدفع بهؤلاء الشباب، خاصة حين يكون اليأس شاملا مرهونا بظروف حياتية تنمّيه وتزيده شراسة. الوضع الاقتصادي المخيف، وفقدان الغد المشرق، والظروف الصحيّة والسياسيّة، كلها تتحد لتكوّن اليأس، فيبدو الموت أجمل من الحياة وأفضل.
من وجهة نظرهم موتهم أفضل من حياتهم!!
عندما تقع العين البريئة التي تنشد الحياة، للآخرين ايضا، على صور لأطفال يجرون عَرَبَة تحمل أوانٍ بلاستيكية كبيرة، يتّجهون بها نحو حنفيّة ماء ، ليملأوا أوانيهم بالماء، وعندما يصلون لا يجدون ماء في الحنفيّة، فينظرون إلى كاميرات الإعلاميين مشدوهين، وفي نظراتهم عجز، كيف سيعودون إلى بيوتهم بدون ماء، كيف سيعودون إلى إخوتهم الصغار الذين يطلبون الماء بدل الدواء غير المتوفّر، إلى الأمّ المريضة التي تنتظر جرعة الماء علّها تخفف من ألمها، هذا مع علمهم أن الماء عندهم ملوث بنسبة عالية.
أو عندما تسمع ربّة منزل تقول: إن انقطاع الكهرباء لا يقل صعوبة عن انقطاع الماء. تصلهم الكهرباء اربع ساعات في اليوم. وباقي اليوم بدون كهرباء، يتلف الطعام، وتشتد الحرارة، وتتوقف مرافق حياتيّة كثيرة، فيسيطر الملل.
ليتخيّل كلّ امرء نفسه، عائلته، أطفاله في وضع كهذا. هذا عدا عن صور للأولاد يلعبون حفاة في مياه الصرف الصحيّ في الشوارع، بين البيوت، "نحن نعيش على مزبلة" هذا ما قاله حد السكان هناك، "عندنا مُحمع لكل الأمراض في العالم" المستشفيات تقف عاجزة، لكثرة المرضى، ولعدم توفّر الدواء.
إن مَنْ لا يجد عملا، العاطل عن العمل، ويعيل زوجته وأبناءه، وقد يعيل أباه وأمّه وإخوة له، لا يجد معنى للحياة في ظل ظروف كهذه، يتملّكه اليأس ويفقده عقله ويومه وغده.
أُجرة العامل في اليوم 30 شيكلا، وراتبه الشهري لا يصل الى- 1000 شيكل، مثل هذا يُعْتَبر محظوظا. إذ أن نسبة البطالة بشكل عام 45%، وبين الشباب تتجاوز أل 65% . من أعلى نسب البطالة في العالم.
الوضع الصحيّ سيء، والاقتصادي أسوأ، والحصار يزيدهما سوءا، مُعظم السكان يعتمدون على وكالة الغوث"الأونروا" ويهدد ترامب وذيوله في الشرق الأوسط بقطع دعم وكالة الغوث.
ويزيد الحصار الإسرائيلي الوضع تفاقما، بمنع إسرائيل من دخول البضائع وخروجها من القطاع، ومنعها من بناء بُنْيّة تحتيّة، وبناء مصانع، وأماكن عمل وتحديد التنقلات، ومن عبور المرضي إلى مستشفيات الضفّة الغربيّة.
وهل مَن يعيش في ظروف كهذه بحاجة لحماس أو غير حماس ليذكره بحقه الضائع او بواقعه المر، هل يحتاج إلى مَن يدفعه للخروج في مظاهرة.
وقد قال أبو ذر الغفاري: "عجبت لمَن لا يجد القوت في بيته، ألا يخرج على الناس شاهرا سيفه" .
الياس، الفقر، الحصار، الجوع، العطش، الظلام، عدم توفّرالدواء وحقّ العودة .. وألف سبب وسبب هي التي تُخْرِج الناس من بيوتهم إلى الجدار ، رغم تربّص الموت لهم.
وليس حماس وحدها.
إنّها حجة كاذبة يُراد بها تبرير لأعمال القتل واستمرار الحصار وإبقاء القطاع في أكبر سجن عرفه القرن ال 21.
27.5.2018
27/05/2018 01:19 pm 3,138
.jpg)
.jpg)