
يرقد إبراهيم المصري في المستشفى، أب لطفلتَيْن، أُصيب بجروح خطيرة في المظاهرة في قطاع غزّة. دُمّر بيته من قِبَل جيش الدفاع الإسرائيلي خلال عملية "الجرف الصامد"، ليس لدى عائلته أيّ دَخْل وقد حاول أخوه إضرام النار بنفسه من شدّة اليأس. لهذا السبب خرج للمظاهرة بالقرب من الشريط الحدودي
جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 3.5.2018 ترجمة: أمين خير الدين
في الغرفة 217، من قسم الجراحة في الطابق الثالث من المستشفى الأهلي في الخليل، يرقد شخص يجسِّد اليأس في غزّة. ضامرا، جريحا بجروح خطيرة من رصاصتَيْن أطلقها جنود جيش الدفاع الإسرائيلي، أعضاؤه الداخليّة ممزّقة ورجله اليُمنى مُحطّمة.
فقط أمّه بجانبه في غرفة لا يوجد بها شيء، باستثناء سرير قديم للمستشفى وكنَبَة قديمة، أكثر رثاثة. ليس في الغرفة جهاز تلفزيون، أو راديو، لا أحد يأتي لزيارته، لا يمكنه أن يتحرك، ليس لديه نقود ليشتري قهوة من الكافيتريا. هكذا يرقد إبراهيم المصري، واحد من مئات الجرحى الذين أصيبوا بجروح خطيرة في مظاهرات غزّة، وواحد من القلائل الذين سُمِح لهم بالعبور لتلقي العلاج في الضفّة الغربيّة، الغزّاوي الوحيد الذي يتلقى العلاج في الخليل. وحيد، يائس، لا يملك نقودا، والآن أصبح عاجزا. اليأس في الخليل ليس أكثر راحة، وتنتظره العودة إلى غزّة، وهو لا ينتظرها. زيارة المصري كزيارة لجهنم.
عمره 23 سنة، متزوّج من فايزه وأب لطفلة عمرها ثلاث سنوات، لُما، ورضيع عمره تسعة أشهر، سامي. زوجان شابان مع طفلَيْن في غزة 2018، بدون بيت وبدون عمل، والآن ربّ العائلة عاجز. أمّه رحاب، الوحيدة التي سُمِح لها بالخروج من القفص الذي يحاصر غزّة وكلاهما الآن مُحاصر في هذه الغرفة، لا أحد يأتي لزيارتهما ولمساعدتهما.
يقول إبراهيم إنه تقريبا لا يتكلّم مع أولاده تلفونيّا، الصغير رضيع وابنة الثلاث سنوات لا تعرف ما تقوله. "ماذا سأقول لها؟ هل أقول لها إن حياتنا قد دُمّرَت؟ عندما رأته يرقد في حالة صعبة في المستشفى الإندونيسي في حيّ الشيخ زايد في غزّة، حيث جيء بها إلى هناك في البداية،ارتعبت من منظره، وجرت إلى حضن أمّها وظلّت تبكي حتى انصرفوا من هناك.
وجبة من الفراخ والأرز
يقيمون في بلدة بيت حانون شمالي القطاع – موقع دمار يحبه جيش الدفاع الإسرائيلي، في كلّ عمليّاته. دُمّر بيتهم تماما في عمليّة "الجرف الصامد" سنة 2014، ومن حينه لم يتمكّنا من بنائه ثانية. في هذا البيت المكوّن من طابق واحد وفي هيكل مبنًى آخر من طابق لم ولن يكتمل بناؤه، يسكن والدا إبراهيم وبعض من أخواته أل – 11 وأخوه مع أولادهم. لكل زوج مع أولاده غرفة واحدة صغيرة من البيت، وكل هذا قد دُمِر.
في السنوات الأربع الماضية حين كانت العائلة مشغولة في محاولاتها للحصول على تعويضات من منظمة الأونروا. أصيب ابوه بسكتة دماغيّة، ربّما بسبب الضغط. والمبلغ الذي حصلوا عليه لم يكف لبناء البيت من جديد. يسكن أبناء العائلة في بيوت مُسْتأجرة قريبة من بيتهم الواقف بأنقاضه. يفكر بعض من إخوته بالانتقال للسكن في خيام، بعد أن عجزوا عن بناء البيت.
يتحتّم على العائلة أن تدفع مبلغ 1100 شيكل شهريا أيجارا للسَكنٍ. في المنزل الذي يسكن به الان مع والديه، غرفة صغيرة له، لأمرأته ولأولاده. ولمّا لم يتمكنوا من دفع المبلغ مؤخّرا هدّدَهم صاحب البيت بالطرد، ونظرا لأنهم لم يدفعوا طوال عدّة شهور تدخّلت الشرطة أيضا .
المصري عامل بناء عاطل عن العمل، في مكان ليس به مواد بناء ولا حتى بناء. آخر مرّة عمل بها عِدّة أيّام، كانت قبل ثمانية اشهر. من حينه لم ينجح بإيجاد عمل، مثل جميع أبناء جيله في غزّة، حيث تجاوزت نسبة البطالة أل – 60%. وأخوه في وضع مماثل– فقط واحد منهما يعمل. حالة أخيه الأكبر، ماهر، أصعب من حالته. عمره 32 سنة وأب لثلاثة أبناء هدده صاحب المنزل الذي يسكن فيه بالطرد، ذهب قبل شهرَيْن إلى مكاتب الأونروا، وسكب على جسمه وقودا وأراد أن يشعل نفسه. أدركوه في اللحظة الأخيرة ومنعوا منه ذلك. وقد أوقفته الشرطة المحلية ثم أطلقت سراحه بعد مضي ساعات.
يرقد المصري في سريره، وجهه شاحب، أغبر اللون. بجانبه بطّانيّة، وجهاز مُجَبّر للعظام معدني مُثبّت بمسامير على امتداد رِجْلِه اليُمْنى، بطنه مضمّدة على امتدادها. جوّ من العجز يخيم على الغرفة الضيّقة. لا أحد لهما في الخليل، لا عائلة، ولا معارف، ولا أحد سمع في الخليل عن اسم الجريح من غزّة. لهذا لا أحد يهتمّ بهما. وقد وصلنا إليهما بالصدفة، بعد زيارة، محقق منظمة بتسيلم، موسى أبو هشهش، لجرحى آخرين في هذا المستشفى فعرف عن جريح غزّة.
يوم الإثنين من هذا الأسبوع سُمِح للمصري لأوّل مرة بأن يتناول طعاما جامدا وقد أحضرت الممرضة لغرفته وجبة من الفراخ والأرز في صحن يُسْتعمل لمرة واحدة. وأيضا ذهب للمظاهرة التي جرت يوم الجمعة الذي جُرِح فيه بعد أن قالوا له إنهم يوزّعون هناك طعاما بالمجّان. لكن لم يكن هذا السبب الوحيد لذهابه. ذهب المصري للمظاهرة لأنه يائس ولا أمل له في حياته.
نَفَذَت النقود
يوم الجمعة، 6 أبريل/نيسان، قرر أن يشترك في مظاهرة ما سُمّي فيما بعد ب"مظاهرة الكوتشوك". كانت المظاهرة الثانية من مظاهرات أيام الجمعة بالقرب من الجدار الحدودي. لماذا لم يشترك في الأولى؟ "لا أشترك في المظاهرات أبدا، أنا لا أهتمّ بالمظاهرات" ، هذا ما يقوله. ورغم ذلك، عندما اقترح عليه أصدقاؤه بالاشتراك بالمظاهرة استجاب لهم- ماذا سيخسر؟ خرج من بيته حوالي الواحدة والنصف ظهرا وذهب سيرا على الأقدام مع أصدقائه إلى منطقة أبي سفيع، على بُعْد ساعة سير على الأقدام عن بيته، وهي موقع من مواقع المظاهرات بالقرب من الجدار الحدودي.
جلسوا يأكلون حبوبا حلوة المذاق وزّعها أحدهم. وقدّم له صديق آخر سيجارة. كانوا على بعد أقلّ من مائة متر عن الجدار الحدودي. ويبدوان أنه لا يعرف أن إسرائيل قد منعت الاقتراب من الجدار أقل من 300 متر وأنها هدّدت كل مَن يتجاوز هذا الخطّ الأحمر. بدأت العجلات اتحترق من حولهم، لكنهم جلسوا خارج دائرة الدخان الأسود واللزج، هذا ما يرويه.
حوالي الساعة الثالثة رأى اثنين من الشباب قد جُرِحوا. حاول الاقتراب منهم كي يبعِدَهم، وعندها أطلق جندي النار عليه فأصابته رصاصة في خاصرته من الخلف. وقع المصري على الرمل وحاول الزحف، كي يبتعد عن مرمى النار وينجو بنفسه. يقول إنه استطاع الزحف لأمتار قليلة – لمدّة دقيقتين حسب تقديره - وعندها أطلقوا عليه رصاصة خرى، أصابته برِجْلِه اليمنى من الخلف، فوق الركبة، بينما كان يزحف على الأرض.
" لم يخطر ببالي أن هذا سيحدث لي"، يقول هذا وهو في سريره، ولا يستطيع النزول عنه بسبب رِجْلِه المُصابة. لم يجرؤ سائق سيارة الإسعاف الذي كان في الموقع من الاقتراب بسبب إطلاق النار والقُرْيب من الجدار، حمله أصدقاؤه إلى سيارة الإسعاف. أُخِذ المصري إلى المستشفى الأندونيسي في الشيخ زايد. وها هي صورته في محموله وهم يُدْخِلونه إلى غرفة الطوارئ في المستشفى على حمّالة. كان أبوه ينتظره هناك، في طريقه إلى المستشفى تشوّش وعيه، استيقظ لكنه عاد وفقد وعيه.
رأى الأطباء في المستشفى أن الرصاصة الأولى قد فتكت ببطنه، أصابت الكبد، والأمعاء الرفيعة والغليظة. كان الجرح الناتج عن خروج الرصاصة واسعا جدا، كما تفعل الذخيرة التي يستعملها جيش الدفاع الإسرائيلي ضدّ المتظاهرين في غزّة. استؤصل قسم من أمعائه. وعانى كثيرا خلال الأيام بعد الإصابة ولم يأكل شيئا. وخضعت رِجْلُه للعملية ايضا في المستشفى الأندونيسي، لم يضعوا فيها بلاتينا فقط رُبِطَت عند الجهاز المعدني من الخارج. ويعتقد أن ذلك بسبب الضغط على المستشفيات في غزة والناتج عن كثرة الجرحى.
وبعد الالتماس من منظمتي عداله والميزان أجبرت محكمة العدل العُليا الدولة بالسماح بنقل عدد من جرحى المظاهرات إلى مستشفى في رام الله، وقد كان المصري من الذين نُقِلوا، لأنه حالته بدأت تسوء في المستشفى الأندونيسي في الشيخ زايد. ونتيجة لتدخّل السلطة الفلسطينية، وصحفي محلي في غزّة، تمكنوا من نقله للمستشفى الأهلي في الخليل. لا يعرف لماذا نُقِل لهذا المستشفى، حيث لا يوجد أيّ شبه بينه وبين الفخامة والراحة المتوفّرة في المستشفى الاستشاري في رام الله، وقد زرنا ذلك المستشفى في رام الله الأسبوع المااضي. نُقِل المصري بتاريخ 18 أبريل/نيسان ومنذ ذلك التاريخ هو هنا، مع أمّه في هذه الغرفة الصغيرة.
يقول إن وضعه قد تحسّن. ويقول له الأطباء إنه سيبقى اسبوعا تقريبا وبعد ذلك سيعود إلى غزة. أين سيمضي فترة التأهيل؟ لا أحد يعرف. وقالوا له أيضا إنه سيمرّ وقت طويل حتى يتمكّن من المشي ومن القيام بمهامه. يرغب في العودة إلى غزّة لأيام قليلة، لأن النقود معهم قد نفذت وليس معه ملابس للبدل وكل شيء في الخليل غالٍ.
من غير المؤكّد ان تسمح له إسرائيل بالعودة إلى الضفّة الغربية بعد عودته إلى غزّة. جاؤوا إلى هنا وكان معهم 250 شيكل اقترضوها من الجيران وقد نفذ هذا المبلغ. المصري نادم لأنه خرج للمظاهرة. تقول أمّه إنه قام بذلك ليعبّر عن غضبه، يقاطعها فيقول: "ما الفائدة؟ كثيرون من الشباب تحوّلوا لعاجزين ولا أحد يهتم".
06/05/2018 08:58 am 3,195
.jpg)
.jpg)