اسرائيل و شبكة العلاقات الخليجية .. العلاقات السرية .
بقلم ... الدكتور حسن مرهج
لم تكن اسرائيل منذ نشوؤها كدولة بعيدة عن مجريات الاحداث في الشرق الاوسط ، و لعل نظرية الامن الاسرائيلي هي المنبع الذي تستقي منه اسرائيل توجهاتها و سياساتها الخارجية ، بل و تستفيد من الأزمات العربية لتدير الصراع بحسب مصالحها الوجودية ، ما يعني أن نظرية الأمن الإسرائيلي هي المفاهيم التي تنتهجها إسرائيل لضمان أمنها، أو هي مجموعة القواعد والمبادئ والأساليب، التي يتم في إطارها تحديد التهديدات التي تتعرض لها إسرائيل، طبقا لأسبقياتها وطرق مواجهتها ، مع الوضع في الاعتبار الاستغلال الأمثل لمعطيات القوة الإسرائيلية، في مقابل تحجيم معطيات القوة العربية .
قال دان ديكر، رئيس مشروع الحرب المضادة للحرب السياسية في مركز القدس للشؤون العامة، " إن تهديدات إيران النووية و وكلائها في الشرق الأوسط يثير القلق بشكل خاص لدول الخليج " ، ويقول ديكر " إن هذه الظروف الجيوسياسية في الشرق الأوسط تجعل التواصل الإسرائيلي والقبول العربي أكثر مما كان عليه من قبل" .
على الرغم من القلق المشترك الذي يجمع دول الخليج مجتمعة وإسرائيل من برنامج إيران النووي وطموحات طهران في المنطقة ، من هنا و بالعودة إلى نظرية الأمن الإسرائيلي ، فقد سعت اسرائيل إلى نسج علاقات مع دول الخليج ، بغية التصدي للمشروع الايراني في المنطقة بحسب زعمهم ، إضافة إلى تغييب القضية الفلسطينية ، عبر الضغط على حلفاء الفلسطينيين من الدول الخليجية و اجبارهم عبر المصالح الاقتصادية و السياسية و التهويل من ايران ، بغية الخروج من القضية الفلسطينية برؤية تناسب اسرائيل ، و لعل المصالحة بين فتح و حماس ما كانت لتتم بدون الضغط من دول اقليمية ، و علقت اسرائيل على هذه المصالحة بالقول أن هناك شروطا يجب أن يلبيها أي اتفاق بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس أهمها تفكيك البنية العسكرية لحماس ونزع أسلحتها .
لكن العلاقات الخليجية الاسرائيلية ليست وليدة الظروف الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط ، فقد أكدت الكثير من التسريبات و التقارير حول التقارب بين اسرائيل و أكثر من دولة خليجية ، فقد أشار تقرير صحيفة "هافينغتون بوست" إلى تصريحات سفير الامارات في واشنطن حول مدى التوافق الذي يجمع بين الامارات و اسرائيل فيما يتعلق بإيران ، كما وصف التقرير نفسه علاقة "العتيبة" بالسفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة "رون ديرمر" بالعلاقة القوية والقريبة جداً وأنهم متفقون على كل شيء ، ويستمر المقال في وصف طبيعة العلاقة ، حيث أكد مسؤول رفيع في السفارة الإسرائيلية على أهمية هذا التحالف الاستراتيجي لإسرائيل ، فعلى حد قول المسؤول في السفارة: إسرائيل والعرب يقبعون سوياً في نفس المكان والتحديات، و بالتالي لا يمكن تصور عملية اغتيال الموساد للقيادي في حركة حماس ”محمود المبحوح” في دبي عام 2010 قد مرت مرور الكرام دون أي تنسيق بين اسرائيل و الامارات لا سيما أن المبحوح كان من المفترض أن يكون في حماية دولة الامارات و تحت أعين مخابراتها .
لعل أحد أبرز الأحداث خلال الصيف الماضي كان الانفراج في العلاقات السعودية الإسرائيلية من خلال مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن ، وكان دوري غولد وهو أحد المقربين من نتنياهو الذي كان مرشحاً لمنصب مدير عام في وزارة الخارجية الإسرائيلية ، قد شارك في لقاء لهذا المجلس جمعه مع الجنرال السعودي أنور عشقي والذي يعد أحد أهم مستشاري الملك السعودي ورئيس مركز دراسات استخباراتي في جدة ، وعقب الاجتماع تبادل الرجلان أطراف الحديث وتبادلا وجهات النظر حول الشرق الأوسط والأحداث الدائرة فيه.
ويبدو أن الإدارة الأمريكية قد أيقنت في هذه الظروف أن إسرائيل و السعودية تملكان مصالح مشتركة فيما يتعلق بإيران والتطورات الأخيرة في الشرق الاوسط ، وعلى الرغم من أن “دوري غولد” يحظى بدور أكبر في إسرائيل من الدور الذي يمثله “عشقي” في السعودية ، إلا أن “عشقي” لا يمكن أن يتحدث علانية مع شخصية سياسية إسرائيلية دون موافقة دوائر الحكم في السعودية وتحديداً الملك نفسه ، و للتذكير فإن بداية الاتصالات السعودية الإسرائيلية الحقيقية تعود إلى فترة السبعينات، حيث كان مدير المخابرات السعودية العامة كمال أدهم (1965 حتى 1979)، في تلك الفترة قام بترتيب بعض الاتصالات الدبلوماسية بين الطرفين بعد الضغط الأمريكي على السعودية، وشملت المحادثات في تلك الفترة نقاشاً عاماً حول مستقبل المنطقة والسياسات الخاصة بكل منقطة فيها ، ولعل تعاظم العلاقة هذا هو الذي قاد أحد المسؤولين الإسرائيليين ذات مرة لزيارة الرياض بهدف الاجتماع مع القيادات السعودية هناك .
في ما يتعلق بالعلاقات الاسرائيلية و العمانية و القطرية ، فقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق رابين قد قام بزيارة سلطنة عمان عام 1994 والتقى هناك بالسلطان قابوس ، وبعد اغتيال رابين، قام وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي بزيارة القدس ، والتقى هناك بالقائم بأعمال رئيس الوزراء، بعد اغتيال رابين، وفي 1996 وقعت الدولتان اتفاقاً لفتح مكاتب تمثيل تجارية مفتوحة. وفي العام نفسه وافقت قطر على فعل نفس الشيء مع إسرائيل.
من جهة أخرى، يواصل الفنيون الإسرائيليون التعاون مع مسقط في مجال تحلية المياه، أما الدوحة كانت قد بدأت علاقتها مع إسرائيل كوسيلة لتحسين علاقتها بواشنطن، عبر التماس الدعم من الكونغرس الأمريكي. أما الآن فيبدو أن معالم السياسة القطرية شهدت تغييراً في ذات الموقف خاصة بعد ثورات الربيع العربي ومواقف قطر الأخيرة.
ووفقاً لتقارير إسرائيلية أكدها أحد المسؤولين الأمريكيين فإن العلاقات المتنامية بين اسرائيل و الدول الخليجية تثير العديد من التساؤلات والشكوك خاصة وأن الدول الخليجية هذه رغم علاقتها مع إسرائيل لم تقم بتبادل الاعتراف معها علانية حتى الآن، وهو ما يعني أن ما يمر تحت الطاولة ودون علم المجتمع الدولي أو وسائل الإعلام أكبر بكثير من مجرد ما يظهر بين الحين والآخر.
لا يمكن وصف العلاقات الإسرائيلية الخليجية بالبسيطة، بل يتمتع الطرفان بعلاقات قوية على مختلف الأصعدة سواء في الجانب الدبلوماسي أو العسكري أو الاقتصادي وربما حتى في الجانب الاستخباراتي والأمني، وجميع المؤشرات تتحدث عن نمو مضطرد في هذه العلاقة التي تجمع بين الطرفين ولعل السنوات القادمة ستكشف لنا مزيداً من الحقائق عن طبيعة العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج .

05/11/2017 09:59 am 2,746
.jpg)
.jpg)