فلسطين بين وعد بلفور ومجزرة كفر قاسم
بقلم : الشيخ حمَّاد أبو دعابس رئيس الحركة الإسلامية
يتذكر شعبنا الفلسطيني هذا الأسبوع حدثين كبيرين في تاريخه الحافل بالمرارات والنكبات ، الأول : الذكرى المئوية لوعد بلفور المشئوم ، والذي وقَّعه وزير المستعمرات البريطاني بلفور في ١٩١٧/١١/٢ ، أي قبل مئة عام تماماً . وفيه وعدٌ من الحكومة البريطانيَّة بمنح اليهود وطناً قوميَّاً في فلسطين . وهو الوعد الذي أسَّس رسميَّاً لنكبة فلسطين ، وتهجير أهلها ، وتدمير قراها ، وإقامة دولة إسرائيل على أنقاضها . وقد أسماه المنصفون : وعد من لا يملك لمن لا يستحق .
أمَّا الحدث الآخر ، فقد جاء بعده بقرابة أربعة عقود ، في مجزرةٍ مروِّعةٍ شهدتها قرية كفر قاسم الوادعة في ١٩٥٦/١٠/٢٩ ، والتي ودَّعت خلالها ٤٩ شهيداً وشهيدةً من رجالها ونسائها وأطفالها العزَّل . وكانت تلك المجزرة من فعل حرس الحدود الإسرائيلي آنذاك .
إنَّ العلاقة بين الحدثين الكبيرين وثيقةٌ وواضحة المعالم . فبريطانيا كانت وما تزال أكبر من أجرم بحق الشعب الفلسطيني ، يوم أن حرمته من حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته ، وساندت العصابات اليهودية يومئذٍ والتي لم تكن تملك من فلسطين إلا ٦٪ من مساحتها ، ويقطنها ( من اليهود ) أقل من ١٠٪ من سكانها .
كان وعد بلفور الممهد الأكبر للنكبة الفلسطينيَّة ، ومن أجل إنجاز ذلك الوعد المشئوم ، كان الإنتداب البريطاني على فلسطين ، وفتح أبواب الهجرة اليهوديَّة إليها ، ثم تسليحهم ، ومنحهم الإمتيازات المختلفة . وبالمقابل تولِّي البريطانيين قيادة الجيوش العربيَّة ، وتقزيمها وإفقارها بالسلاح ، ثم خذلانها أثناء حرب ١٩٤٨ ، وخديعتها الكبرى بالهدنة القاتلة ، التي غيَّرت مسار الحرب لصالح العصابات الصهيونيَّة .
أمَّا مجزرة كفر قاسم ، فكانت واحدةً من سلسلةٍ طويلةٍ من المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونيَّة ، كوسيلةٍ لترهيب الفلسطينيِّين وتهجيرهم عن أرضهم . ولكنها تميَّزت بأنها أول وأبرز مجزرة إسرائيليَّة بحق الفلسطينيِّين بعد نكبة عام ٤٨ ، وبأنَّ أهالي كفر قاسم لم يرحلوا على إثر المجزرة ، وبذلك فقد أوقفوا مسلسل التهجير عبر المجازر الذي اعتمدته إسرائيل في طريق بناء دولتهم الفتيَّة .
إنَّ وعد بلفور لليهود بإقامة دولةٍ لهم في فلسطين على حساب شعبها ، وتنفيذ ذلك الوعد بعد المحرقة النَّازيَّة ليهود أوروبا ، كان فيها من الظلم التاريخيِّ ما لا يمكن وصفه والوقوف على فظاعته . فالذين أجرموا بحقِّ اليهود في أوروبا كانوا هم النَّازيِّين الألمان الأوروبيين ، وليسو الفلسطينيِّين ولا العرب ولا المسلمين . ثمَّ يدفع الفلسطينيّون والعرب والمسلمون فاتورة الجرائم النَّازيَّة بحق اليهود ، وفاتورة التواطؤ الغربي من دول الحلفاء مع الشعب اليهودي . كما وإنَّ شعباً خرج لتوِّه من مجازر مروِّعةٍ في أوروبا ، فإنَّ المتوقَّع أنَّه إذا أوتي الفرصة التَّاريخيَّة للقوَّة والسيطرة ، فإنَّه سيبطش بلا رحمةٍ ولا هوادةٍ بكل من يعيقه في تحقيق أهدافه وأحلامه ، وهذا ما فعلته العصابات الصهيونيّة فعلاً بحق الشعب الفلسطيني منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا .
فلا غفران ولا عفو ولا صفح عن جريمة الوعد البريطاني المشئوم ، والذي تصرُّ بريطانيا عليه حتى اليوم وتفاخر به . ولا غفران كذلك ، لمرتكبي مجزرة كفر قاسم ، وحكومات إسرائيل المتعاقبة ، التي لم تعترف بمسئوليتها ، ولم تعتذر عن فعلتها ، ولم تتحمل المسئولية التاريخية وتبعاتها المنوطة بها .
لا عفو ولا غفران لأصحاب الوعد المشئوم ، ولا لصنَّاع المجازر الدمويَّة الفظيعة ، ولا لعالمٍ يسكت عن إحقاق الحق لشعبنا الفلسطيني المظلوم .
والله غالبٌ على أمره

27/10/2017 10:06 am 2,535
.jpg)
.jpg)