قالوا في حليلاتهم ..!!

بقلم : شاكر فريد حسن

الدارس والمطلع على أدبنا وتراثنا العربي على مر العصور والأزمان يلحظ أن الشعراء والمبدعين اعتادوا على التغزل وذكر عشيقاتهم وحبيباتهم ، دون زوجاتهم وحليلاتهم فيما ندر ، مثلما فعل حاتم الطائي شيخ الكرم في قصيدة ردد أكثر ابياتها بأسم زوجته " ماوية " التي قال فيها :

اماوي ان المال غاد ورائح
               ويبقى من المال الأحاديث والذكر
ولكن كانوا اكثر ذكراً لزوجاتهم في المراثي ، كما فعل جرير الذي رثى زوجته بقصيدة رائعة تنطق عن ذاته ، ومطلعها :
لولا الحياء لهاجني استعبار
             ولزرت قبرك والحبيب يزار

ويزخر الادب العربي بالكثير من المراثي لشريكات العمر والحياة ، فيها من التعبير الجميل الصافي المؤثر .

وفي الشعر الحديث المعاصر نجد نزار قباني الذي رثى زوجته العراقية " بلقيس " التي أحبها حتى العبادة ، بعد مصرعها ،ومما قاله :

بلقيس
كانت أطول النخلات في ارض العراق
كانت اذا تمشي ...
ترافقها طواويس ...
وتتبعها ايائل ...
بلقيس ...يا وجعي ..
ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل
هل ترى ..
بعد شعرك سوى ترتفع السنابل ؟
يا نينوى الخضراء
يا غجزيتي الشقراء ...
يا امواج دجلة ...
تلبس في الربيع بساقها
اجمل الخلاخل ...
قتلوك يا بلقيس
أية أمة عربية
تلك التي
تغتال اصوات البلابل ؟

ومن قصائد الرثاء التي راقتني قصيدة للشاعر عبد الفتاح صبيحات من قرية سالم ، من قرى طلعة عارة ، رثى فيها زوجته ، وهي قصيدة باكية مؤثرة وموجعة ، وفيها شجن والم ولحن حزين :

شبح رهيب دب في جسمي العنا
                  فيخونني عزمي وكم اتعثر
شلت يميني والبشائر ادبرت
                 فتهزني رعباً وكم اتقهقر
الله كم كابدت قسوة وحدتي
               وندبت كسراً هائلاً لا يجبر
لم يبق لي حال فحالي مرهق
              ضاقت بي الدنيا وكد مهدر
فيشدني الماضي الى تاريخها
              عهد الصبا فيفوح منه العنبر

اصبحت في عيشي بدون بصيرة
             فأضل ما أبغي ولا أتذكر
تمتمت أين أنا وماذا ابتغي
           فالركب سافر والممكان لمقفر
قد غاب طيف ما له من عودة
           وبكل يوم مهجتي تتفجر
فالشمس غاصت في خضم زاخر
           والبدر غاب والسما والأبحر
وأعود للماضي الى صفحاته
           أبكي فتجري دموعي الأنهر
واذا ذكرت وثاق عهد صمنا
           فيهب ريح من شذاها عاطر
فالكل من حولي يعيش بلوعتي
         ويشيل قسطاً في البلاد ويشاطر
اني لتواق لخبز طبونها
         وكوجهها وجه الرغيف مقمر
وفصيلة الألبان صنعة كفها
        والزيت صاف والفطور الزعتر
الى ان يقول في خاتمة المرثية :
ستظل في قلبي وروحي والحشا
       فلعلني في ظلها اتدبر
سأظل كالجندي احمل رايتي
       رمز الوفاء وثابت متسمر

ولكن شاعرنا الفلسطيني البهي ابن باقة الغربية ا.د فاروق مواسي فأبى الا ان يكون مختلفاً عن مجايليه ، فقد خص زوجته ورفيقة عمره عفاف ( ام السيد ) بقصيدة اختار لها عنوان " رفيقتي " فكان سباقاً الى اظهار مدى تقديره لشريكة عمره وحياته ورفيقة دربه التي قاسمته المر والحلو ، وشاركته الهموم والعذابات والافراح والمواسم السعيدة ، ولعل هذه القصيدة تكون بادرة في ادبنا العربي تدون لحسابها - كما يقول .

وهذه القصيدة مفعمة وزاخرة بالاحاسيس الصادقة والعاطفة الجياشة وبكل معاني الحب والصدق والوفاء .. فيقول :

لأنني آنست في عينيك طير الحب والوفاء
مغرداً ببهجة الرضا
مطوقاً بلونه البهي في مسارب البهاء
في دمعة ترقرقت
برقة كأنها منارة الرجاء
في هدأة الطيب الذي نما بخاطري
أعلنتها :
يا أم أبنائي لك الولاء !
لأنها مرت سنين كنت انت الشاهدة
في دربي الذي ضوأته رغم العداء
على عقوقهم ، على مكابدة عجاف
الله يجعلون القول في دوائر ادعاء

هذا غيض من فيض ما قيل من شعر في الحليلات والزوجات ، في الحياة والممات ، انه الشعر الوجداني الانساني العفيف النظيف الحيي ، الذي يشدنا بوضوحه وصدقه وروحه الدافئة وعفويته ودقة الوصف وجمال الاحساس.