خالد سعيد باحث دكتوراه في الشؤون الصهيونية والترجمة من العبرية

الحروب الخفية بين العلمانيين والمتدينين في "إسرائيل"



ثمة مظاهرات اندلعت لمئات الآلاف من الحريديم الصهاينة لإعلان رفضهم لقانون التجنيد في الجيش " الإسرائيلي "، تزامنت مع مجموعة من الإجراءات والأخبار التي تشير، وبقوة، إلى احتمالية اندلاع مواجهات بين الحريديم والقوات الشرطية الصهيونية، بل وصعود نجمهم، أيضاً!
 

 لم يشهد الكيان الصهيوني تظاهر مئات الآلاف وخروجهم عن المألوف ضد الحكومة " الإسرائيلية "، بمثل ما شهدته مدينة القدس الأحد الماضي، اعتراضاً على إجبارهم على التجنيد، وهي تظاهرات لم يكن الغرض الوحيد منها معارضة قانون " المساواة في العبء "، والخاص بتجنيد الحريديم، ولكن للاعتراض على القوانين العلمانية للحكومة " الإسرائيلية " الحالية، فقد علقت صحيفة " معاريف " الصهيونية على ذلك بقولها إن الحكومة العلمانية أعلنت الحرب على المتدينين، غير مرة، وأجبرتهم على التجنيد، رغم أنهم يتعلمون التوراة، وكذا لاستعراض القوة فيما بينهما، وللتعريف بأن المتدينين لا يمكن إجبارهم على شيء، في إشارة واضحة إلى قانون " شكيد " الخاص بالتجنيد!
 

الواضح إن حكومة نتانياهو مستمرة في عمليات تهويد الأراضي الفلسطينية، وصهينتها، لكنها في الوقت نفسه أطلقت " بعبع " الحريديم من قبوه، ولم تتمكن من كبح جماحه الطامح إلى إعادة تشكيل " فلسطين " وفقاً لمخططاتهم الصهيونية الدينية، وليست بحسب الصهيونية العلمانية الحالية، لإعلاء شأن سياسة " يهودية الحاخامات " التي يكون للحاخام القول الفصل في الأمور الدينية والدنيوية، والدليل الأكثر وضوحاً هو تجمع أكثر من 300 ألف حريدي في أقل من 24 ساعة فقط، بعد دعوات حاخامية بضرورة التظاهر لاستعراض قوتهم أمام العلمانيين، وليتبين مستقبل الكيان الصهيوني بوضوح في ظل تصاعد دورهم القوي في الداخل " الإسرائيلي "!
 

 خروج الحريديم بمئات الآلاف من المتظاهرين ـ اختلفت الصحف الصهيونية حول تقديرهم الحقيقي، ما بين نصف مليون وربع المليون متظاهر ـ يعني أنه بمقدور الحاخامات الصهاينة استدعاء الحريديم في أي لحظة، سواء لأمور دينية أو دنيوية، وليس هناك أخطر من تجنيدهم بالإجبار في الجيش " الإسرائيلي " للتظاهر ضده، رغم أن صحيفة " يديعوت أحرونوت " اعترفت بأن عددهم، ليس بالقليل، خرجوا في المظاهرات دون معرفة الأسباب الحقيقية لاستدعائهم، وهو ما يؤكد بأن الكيان الصهيوني في طور أو إرهاصات حروب داخلية، بين العلمانيين والمتدينين، وأن قطار الحريديم انطلق، وبقوة، وسيدهس من يقف في طريقه، ومحطاته معروفة مسبقاً، من بينها معارضة القوانين العلمانية التي تقود تل أبيب حالياً، وتكوين بلدات خاصة بالحريديم بعيداً عن غيرهم من العلمانيين، والإسراع في قيادة البلاد!
 


فلا نندهش حينما نقرأ بين الفينة والأخرى مصادقة الحكومة على بناء آلاف الوحدات السكنية للحريديم، أخرها كانت في بلدة " كسيف " بالنقب، لتستوعب ما يزيد عن 80 ألف نسمة من المتدينين المتطرفين، وسبق أن وافقت الحكومة على بناء وحدات مماثلة في الجليل الأعلى شمال فلسطين المحتلة، لستوعب ما يزيد عن 150 ألف حريدي، وهو ما يعني أن تل أبيب لم تتمكن من السيطرة على " بعبع الحريديم المتطرفين الذي خرج من القمقم "، فتحاول عزل المتدينين في بلدات خاصة بهم بعيداً عن العلمانيين للفصل بينهم، وكأننا أمام دويلات صهيونية تتناحر فيما بينها!

لم يكتف الحريديم بالتظاهر، وإنما دنس المئات منهم الحرم القدسي الشريف بالمسجد الأقصى قبل عدة أيام، لتتزامن تلك الوقاحات الصهيونية مع خروج مئات المتظاهرين من الحريديم المتطرفين لـ " مسيرة الأبواب " أمام بوابات المسجد الأقصى، للإسراع ببناء الهيكل المزعوم. وهو ما تزامن، أيضاً، مع مناقشة الكنيست الصهيوني سحب الوصاية الأردنية عن المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس المحتلة، الأسبوع الماضي، وكذا فرض بلدات مقدسية بعينها لتكون العاصمة المجزأة لدولة فلسطين القادمة؛ وهي كلها تحركات صهيونية تسير بالتوازي مع بعضها البعض، وببطء اعتدنا عليه من الحكومات " الإسرائيلية " المعاقبة، دون لفت أنظار المجتمعين، العربي والإسلامي، اللهم إلا البرلمان الأردني الذي صوَّت، في أمر محمود، بالإجماع على طرد السفير الصهيوني من بلاده، في قرار تاريخي وجريء، بل سعى أكثر من 47 نائب أردني للمطالبة بإلغاء اتفاقية السلام مع الصهاينة، والمعروفة بـ " وادي عربة "!
 

المؤكد أن الكيان الصهيوني يستغل إنشغال دول الربيع العربي بترتيب البيت الداخلي، وإصلاح ذات البّين كفقة أولويات، عن ضياع المسجد الأقصى، وهي فرصة لن تسنح للكيان الصهيوني كثيراً، في وقت يتصاعد دور الحريديم المتطرفين في " إسرائيل "، ومن المحتمل نشوء مواجهات علمانية ـ دينية فيها!
 

فهل يمكننا تأجيج الخلافات الصهيونية الداخلية كما ينجح الصهاينة دوماً في بث الفرقة بيننا، وتأجيج خلافاتنا، أيضاً، وإلى متى يتنازل العرب والمسلمون عن أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين؟!
 
خالد سعيد باحث دكتوراه في الشؤون الصهيونية والترجمة من العبرية