
كنوز نت - بقلم: سلام حمامدة
خريف الديمقراطية الإسرائيلية: حين تبتلع الصناديق نفسها
- بقلم: سلام حمامدة
حين تُفتح صناديق الاقتراع، يفترض أن تكون هي الكلمة الفصل في إنتاج الاستقرار وطي صفحة الصراع، لكنها في المشهد السياسي الراهن تحولت إلى مرآة عاكسة لعمق التآكل البنيوي والانقسام المجتمعي المستحكم. لم يعد السؤال في الكنيست يدور حول: من يفوز بالحكم؟، بل أصبح: كيف يمكن لحكومة أن تعيش شهراً إضافياً دون أن تبتلعها متناقضاتها؟
إن الانتخابات الأخيرة لم تفرز أغلبية، بل أفرزت "أسرى" في قبضة تحالفات أيديولوجية متطرفة، وأحزاب صغيرة تحولت إلى بيضة قبان تتحكم في مصير الدولة بأكملها.
أولاً: تشريح المأزق
- أرقام بلا أفق
عندما نتأمل تباينات الخريطة الحزبية الجديدة، نكتشف أننا أمام برلمان مصاب بـ "التشظي المزمن"
*الكتلة الكبرى بلا مخالب حقيقية: صحيح أن حزب "الليكود" حافظ على تصدره للقائمة بنحو 27 مقعداً، لكنه يقف عاجزاً عن الحركة دون الرضوخ لمطالب الشركاء. الرقم هنا مجرد وهم للأفضلية، فكل مقعد يحمله ثقيل ومحكوم بشروط تعجيزية من اليمين القومي والحريديم.
*كتل الوسط والمقاعد الرخوة: تكتلات مثل حزب "يشار" (21 مقعداً) وحلف "معاً" (12 مقعداً) نجحت في نصب حواجز أمام استفراد اليمين، لكنها عجزت في المقابل عن تقديم بديل حكومي متماسك، لتتحول الخريطة إلى ساحة تعادل سلبي
- ابتزاز الهوية وقانون التجنيد:
لم تعد المساومات تجري على حقائب وزارية، بل على أسس بقاء الدولة ذاتها، فعقدة إعفاء طلاب المدارس الدينية وتجنيد الحريديم تقف كصخرة سيزيف أمام أي محاولة لتشكيل ائتلاف مستقر، وكأن كل طرف مستعد لحرق المعبد إن لم يحصل على حصته الحصرية.
ثانياً: معركة الهوية التي تسبق السياسة
الخلاف اليوم لم يعد اقتصادياً ولا حتى أمنياً بالمعنى التقليدي، بل هو صراع وجود على هوية الدولة:
* تيار ديني قومي يرى في السلطة فرصة تاريخية لفرض رؤيته التوراتية وإعادة هندسة القضاء ومؤسسات الدولة.
* تيار علماني ليبرالي يشعر أن البساط يسحب من تحت أقدام دولة القانون لمصلحة دولة الشريعة الحزبية.
* ورقة ثقل عربي وازنة (تقترب من 20 مقعداً) تقف على السور، إما لتلعب دور الموازن الفاعل، أو لتكون الشماعة التي يعلق عليها الفاشلون فشلهم في بناء شراكات حقيقية.
ثالثاً: إلى أين؟ سيناريوهات الدمار المتقابل
أمام طريق مسدود برلمانياً يفتقد للأغلبية، يدور النظام السياسي في حلقة مفرغة لا تقود إلا لثلاثة مسارات رئيسية:
* مسار الحكومة الضعيفة: رضوخ تام للحريديم واليمين المتطرف، مما ينتج حكومة هشة تعيش على حافة الهاوية وتسقط مع أول تصويت تشريعي حقيقي.
* مسار الشراكة المستحيلة (الوحدة): محاولة ترقيع ائتلاف يجمع الضدين، وهو سيناريو محكوم بالشلل التام نتيجة التناقض الجذري بين برامج أقطابه.
* مسار الانسداد الشامل: الرفض المتبادل ورفض التنازل، والعودة الحتمية إلى الشارع عبر جولة انتخابات جديدة تعيد إنتاج الأزمة ذاتها بصيغة أكثر دموية سياسياً.
خلاصة القول
إن ما يجري ليس مجرد تنافس بين مرشحين، بل هو أزمة نظام برلماني عجز عن مواكبة التحولات. إن أي رئيس حكومة قادم سيحمل على كاهله حكومة ورقية، مهزوزة، ومحكومة بالانهيار عند أول هزة أمنية أو سياسية. والشارع الإسرائيلي، بدوره، لم يعد ينتظر من صناديق الاقتراع حلولاً، بل ينتظر متى تنفجر الأزمة الكبرى في وجه الجميع.
03/11/2026 07:24 pm 94
.jpg)
.jpg)