كنوز نت - نوال عايد الفاعوري


أحتاج إلى أمّ لا تشبه أمّي

في ذلك اليوم، كانت متعبة، ضائقة الصدر، تشعر بأن كل شيء أثقل من قدرتها على الاحتمال. لم يكن ضيقها حزنًا عابرًا، بل ذلك الثقل الذي يجعل اليوم يمر ببطء، كأنه يجر نفسه جرا
قالت لي، وصوتها ثقيل، كأنها تحمل اليوم كله على كتف واحدة:
"أمي قاسية جدًا، حازمة جدًا، لا تعرف كيف تربت على كتف، ولا كيف تحتوي انكسارًا بكلمة حانية" 
ربما كانت تحب بطريقتها، لكن بعض الحب، مهما كان صادقًا، لا يشبه الحنان الذي نحتاج إليه حين تثقل الحياة على قلوبنا
صمتت قليلًا، ثم قالت بصوت بدا كأنه يخرج من مكان بعيد في روحها:
ـ احزري شو نفسي؟
قلت لها: ـ شو؟
قالت: ـ بتعرفي هذول الأيام التقال؟ اللي بتكوني بحاجة فيهم لأم؟
أنا بدي أم!
مش أمي اللي عندي، أنا بحاجة لأم ثانية.
بتعرفي هاي الأم اللي بنسمع عنها بالحكايات، واللي بنشوفها بالمسلسلات؟
الأم اللي بتطبطب، اللي بتعرف إنك تعبانة من عيونك، وبتفهم إن في شي بيوجعك من نبرة صوتك
الأم اللي بتعمل لك شوربة لما تمرضي، واللي ما بتخافي تغلطي قدامها، ولا بتضطري تبرري لها حزنك، ولا تخبي ضعفك عنها
الأم اللي بتحسي معها إنك مهما تعبتي ومهما أخطأتي لسه إلك مكان آمن بقلبها
ثم سكتت لحظة وأضافت:
ـ نفسي بهاي الأم، خصوصًا في الأيام الثقيلة.
أربكتني كلماتها، ليس لأنها قالت شيئًا غريبًا، بل لأنها قالت شيئًا نخجل أحيانًا من الاعتراف به، حتى لأنفسنا
هناك أيام تكون ثقيلة جدًا، إلى درجة أن القوة لا تنفع فيها. لا ينفع فيها أن تكوني شاطرة، أو مرتبة، أو قوية، أو قادرة على تحمل المسؤولية.
أيام لا تحتاجين فيها إلى من يقول لكِ: "شدي حالك" ، بل إلى من يقول لكِ: "تعالي ارتاحي" .
في بعض الأيام، نحن لا نحتاج إلى أمّ تربي، بل إلى أمّ تلمّ شتاتنا.
لا نحتاج إلى أمّ تحاسب، بل إلى أمّ تطمئن.
لا نحتاج إلى أمّ تعلمنا كيف نكون على صواب، بل إلى أمّ تحبنا حتى حين نخطئ.
نحتاج إلى تلك النسخة من الأمهات التي لا تشبه إلا الحنان تلك التي لا تعرف منطقًا سوى المحبة الخالصة غير المشروطة.

التي لا تقول: "أنا قلت لك" بل تقول: "كل مرّ سيمرّ".
التي لا تقول: "بتستاهلي" ، بل تقول: "لا تخافي، أنا معك" .
التي إذا خذلك أحد، لا تلومك، بل تقول لكِ: "هو الخسران، مش إنتِ" .
التي تعيد إليكِ صورتك الجميلة عن نفسك حين تكرهينها، وتذكرك بقيمتك حين تنسينها.
هذه هي الأم التي نحتاج إليها في هذا الزمن الصعب.
كم من إنسان يكبر وهو يحمل في داخله جوعًا قديمًا إلى الحنان؟
وكم من قلب يتعلم الصلابة مبكرًا، لأنه لم يجد من يسمح له بأن يكون هشّا دون خوف؟
نحن لا نحتاج إلى الأم في طفولتنا وحدها فهناك أعمار كاملة نعيشها ونحن بحاجة إلى تلك اليد التي تمسح عن أرواحنا غبار الأيام، وإلى ذلك الصوت الذي يقول لنا إننا، رغم قسوة العالم، لسنا مضطرين إلى مواجهة كل شيء وحدنا.
نحتاج إلى أمّ تعيد إلينا ثقتنا بأنفسنا حين تتبعثر، وتمنحنا الطمأنينة دون أن تطلب مقابلًا، وتحبنا دون أن تجعل الحب مكافأة على الطاعة، أو امتيازًا نحصل عليه حين نكون كما تريد لنا أن نكون.
ولعل أكثر ما يؤلم في الحكاية ليس قسوة الأم وحدها، بل اضطرار الابنة إلى أن تبحث في خيالها عن أمّ أخرى أمّ تتمناها وتفتقدها، وتستدعي صورتها كلما ضاقت بها الحياة.
فليس كل أمّ تعرف كيف تمنح الحنان، وليس كل حب يجيد الوصول إلى القلب.
قد تحبنا أمهاتنا بصدق، لكننا نظل محتاجين إلى أشياء لم نتلقها، وإلى كلمات لم تقل، وإلى أحضان كان ينبغي أن تكون ملاذًا، فإذا بنا نتعلم كيف نواجه العالم من دونها.
وهنا تكمن المأساة الصغيرة التي لا يراها أحد: أن يكبر الإنسان وهو يعرف كيف يواجه الحياة، لكنه لا يعرف أين يذهب حين يعجز عن مواجهتها.
تخيلي أن تقول لك ابنتكِ في يوم أثقلته الخيبات:
"أنا اليوم متضايقة كثير... محتاجة لأم، بس مش أمي. محتاجة لأم ما بتشبه أمي" .
أي وجع يمكن أن تختصره هذه الجملة؟
إنها ليست بالضرورة جملة كراهية، ولا حكمًا نهائيًا على أمّ ربما بذلت كل ما تعرفه من حب إنها في جوهرها اعتراف بالحاجة وصرخة قلب لم يجد في المكان الذي يفترض أن يكون الأكثر أمانًا ما يحتاج إليه من طمأنينة.
لذلك نحن بحاجة إلى أن نتعلم الحنان لا أن نفترض أنه يأتي بالفطرة
وأن نتعلم الإصغاء إلى أبنائنا وألا نكتفي بتوفير احتياجاتهم المادية.
فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى من يطعمهم ويحميهم ويعلمهم الصواب 
إنهم يحتاجون أيضًا إلى من يحتمل أخطاءهم، ويحتضن خوفهم، ويمنحهم الحق في أن يحزنوا دون أن يشعروا بالذنب.
فالأمومة ليست سلطة تمارس، ولا أوامر تطاع، ولا خوفًا يفرض لضبط السلوك.
الأمومة في أعمق معانيها، أن يكون قلبك مكانًا يستطيع أبناؤك العودة إليه حين تضيق بهم الأمكنة كلها.
واسألي نفسك:
في الأيام الثقيلة لابنتك، هل ستكونين أنتِ الأم التي تبحث عنها، أم ستضطر إلى البحث عنكِ في حكايات المسلسلات؟

نوال عايد الفاعوري