.png)
كنوز نت - حسن عبادي/ حيفا
أعطني فنّاً أعطِك شعبًا (43)
- حسن عبادي/ حيفا
في لقاء السبت مع صديقي الفنان ظافر شوربجي اقترح عليّ زيارة معرض "شخص غير مرغوب فيه II" للفنان أشرف فواخري (فنان تشكيلي من بلدة البصة المهجّرة/ قضاء عكا) الذي نظّمته جاليري سند في مبنى جمعية بروفا (معهد تربوي إنتاجي للفنون الأدائية، يقيم ورشات تفتح مساحة للإبداع والإثراء الغنائي المسرحي والرقص في حيّ وادي الصليب الحيفاوي).
تواصلت مع قيّم المعرض الفنان زياد حمود لترتيب موعد زيارة المعرض، واستقبلني الفنان عنان زريق وقمت بجولة فنيّة فرديّة بين لوحات المعرض.
أخذني عنوان المعرض لديوان الشاعر الراحل سميح القاسم (شخص غير مرغوب فيه) (Persona non grata)، ولمعرض آخر لأشرف قبل حوالي عشر سنوات، على ما أذكر، يحمل ذات العنوان.
استخدم أشرف تقنيّة الطباعة الرقمية على القماش في غالبية اللوحات (تقنية حديثة تعتمد على نقل التصاميم الرقمية مباشرة من الحاسوب إلى الأقمشة باستخدام طابعات متخصصة، مما يوفر دقة عالية ومرونة في الإنتاج)، وتقنيّة الطباعة الرقمية على ديبوند في قسم من اللوحات (طباعة رقمية بالأشعة فوق البنفسجية على لوح الألمنيوم المركب).
تزيّن الدعوة للمعرض لوحة "ازدحام" (طباعة رقمية على قماش).
اختار الفنان شخصية الحمار بطلاً وموتيفاً رئيسياً في لوحاته كونه يتقبل الواقع كما هو بأسلوب سوداوي ساخر ليظهر الصراع اليومي الذي نعيشه، فيتحوّل الحمار إلى شخصية ثقافية محوريّة صاحب رؤية ورؤيا، ويتمحور المعرض حول الحمار بين الهويّة والذاكرة والآخر.
يحاول الكل أن يعطي الحمار هويته وينسبه إلى ثقافته، وها هو أشرف يختار شخصية الحمار من باب الانتماء؛ فالحمار حيوان أليف رمز التحمل والصبر، وصار مصدر إلهام وصاحب مشاعر وأحاسيس ومواقف. تحوّل الحمار عبر لوحات الفنان إلى محارب ذكي مرتبط بالأرض.
يتناول الفنّان حالة البلبلة في لوحة "سَلطة فلسطينيّة"؛ وحاة التأمل المتوتّر في لوحة "جيروزاليم بوست"، حالة التوتّر والتيه في لوحتي "العالق 1،2"، حالة الحصار المقيت الآسر في لوحتي "خلف القضبان 1،2"، ويبقى الحمار متمسكاً بالجمر وبتراب الوطن في لوحتي "ابن هذه الأرض 1،2" ، ويُبقي "القدس في البال"، رغم الفوضى العارمة والضياع في لوحتي "فوضى/ مقاطع من الجيرنيكا" و"فوضى"، والانتفاضة على واقع مرير في لوحة "فوسفور أبيض"، و"انفجار"، ويبقى الحمار محذّراً ومنبّهاً في لوحة "صفارة إنذار" والمنارة التي يحتذى بها في لوحة "البوصلة".
نعم؛ الحمار "حرس الحدود" و"حامي شجرة الزيتون" من الاعتداء المتكرّرة ومحاولات اقتلاعها واجتثاثها من جذورها في "أرض الصبار".
يعيّشنا الفنّان وحماره الأمل بمستقبل أفضل عبر لوحة "نقطة ضوء".
لفتت انتباهي بشكل خاص لوحة "عن إنسان" والمتاهة التي تصوّرها في دوّامة تحكي الحكاية من ألفها إلى يائها.
برز حضور الهويّة الدينيّة المسيحيّة في خلفية المعرض، حيث ارتبط الحمار بدخول المسيح إلى أورشليم.
من خلال التجوال بين اللوحات يبقى السؤال عالقاً؛ من هو الحمار عند الفنّان؟ هل هو الإنسان الفلسطيني الذي حمل أعباء الحياة والتهجير والعمل. أم هو الفنان نفسه الذي يحمل ذاكرته وهويته وتناقضاته؟ أم هو "الآخر" الذي يقف على الهامش ويراقب المجتمع؟ أم أنه صورة للإنسان عموماً، حين يجد نفسه مطالباً بتحمل ما يفوق طاقته؟ هل ما زال ثمة مكان للحمار؟
كلّ و"حماره".
حين تجوّلت بين اللوحات عدت إلى ما كتبه صديقي الكاتب فراس حج محمد تحت عنوان "محاذير ترقيتي إلى رتبة "حمار"! (من كتاب يوميات كاتب يدعى (X) حين كتب: "ماذا لو أصبحتُ حماراً أو كلباً أو أي حيوان آخر، مستبعداً أمنية أن أكون حصانا أو أسداً أو حتى ثعلبا أو ذئبا؟ هبْ أنني أصبحت حماراً، عليّ أن أفكر ماذا سيحصل لعالم الحمير الطيّب، وكيف ستستقبل عضواً جديداً في نسيجها الحيويّ، لربما حصل أزمة سكان؛ فكل شيء في عالم الحمير منظم بعناية، ومحسوب بدقة، ما يجعل زيادة عدد الحمير، ولو حمارا واحداً، ليسَ بالأمر الهين... عليّ أن أخطو الخطوة الأولى لإجراء الانضمام لعالم الحمير، فثمة امتيازات سيحصل عليها الحمار، وخصوصا من ترقى حديثا وحاز هذه المرتبة، لعل أولها وأهمها أنه سيجرب شعورا مختلفا، ومختلفا جدا عن عالمه القديم، وهذا الشعور وحده كفيل بجعل التجربة ذات نكهة خاصة، عدا أن الحمار -أبو صابر- خدوم، يتحمل المشاق العمل والسفر، لا يئنّ ولا يشكو، يرضى بالقليل، ولا يطمع بالنجوم العالية، يعيش على (قدر أحلام الحمير)، ليس صاحب أنفة زائفة، واقعيّ جدا، وهذا بالضبط لخياليّ مثلي مفيد للغاية ويستحق المجازفة، بالإضافة إلى أنه أكثر شهرة من الكلب، وكان بطلا في العديد من الأعمال".
رافق المعرض مطويّة (كتالوج) مهنيّة وفخمة، بالعربيّة والعبريّة، وحبّذا يحذو فنّانونا حذوه، فهذا قيمة مضافة لا تُعوّض بثمن.
عُدت ثانيةً لزيارة المعرض والتقيت بالفنان خلال تجوالي بين اللوحات.
كتب الفنان زياد حمود- مشرف/ قيّم/ كانز المعرض: "يحمل الحمار دلالات متناقضة؛ فهو يرتبط بالعمل والصبر والكدّ والتواضع، لكنه يرتبط أيضاً بالضعف والخضوع والسخرية. يحوّل فواخري هذا التوتّر إلى فضاء نقدي، يستطيع فيه الحمار أن يكون، في الوقت نفسه، ضعيفاً وقويّاً، خاضعاً ومقاوماً، صامتاً ومتحدّثاً يتناول الفنان بواسطته قضايا ترتبط بالتجربة الفلسطينية، ذاكرة المكان، الاقتلاع، العيش داخل واقع اجتماعي وسياسي معقّد. غير أن الحمار لا يمثل هوية واحدة فقط؛ فهو يتحرك بين "الأنا" و"الآخر"، وبين الانتماء والاغتراب، بين الداخل والخارج، وبهذا يتيح لفواري أن ينظر إلى الواقع من داخله، ومن موقع الهامش في الوقت نفسه".
ملاحظة لا بدّ منها؛ هناك بعض اللوحات غابت عن المعرض رغم ذكرها في المطويّة (لوحة موطني، ولوحة "شرق أوسط جديد" على سبيل المثال).
نعم؛ أقولها مرّة أخرى: "أعطني فنًّا أعطِك شعباً"!!
حيفا 19-20 أكتوبر 2026






22/10/2026 05:34 pm 18
.jpg)
.jpg)