.png)
كنوز نت - علي هيبي*
كوّة نور على أُمامةَ بنتِ الحارثِ الشّيبانيّة* ووصيّتها
(من النّثر الجاهليّ)
- علي هيبي*
النّصّ:
أيْ بنيّة إنّ الوصيّةَ لو تُرِكت لِفَضلِ أدبٍ تُرِكت لذلك منك. ولكنّها تذكرة للغافل، ومَعُونة للعاقل. ولو أنّ امرأة استغنتْ عنِ الزوج لِغِنَى أبويْها وشدَّة حاجتِهما إليْها؛ كنتِ أغنى النّاسِ عنْهُ. ولكنّ النساءَ للرجالِ خُلقْنَ ولهنَّ خُلقَ الرجالُ.
أيْ بنية إنّكِ فَارقْتِ الجوَّ الّذي منهُ خَرَجْتِ، وخَلَّفْتِ العُشَّ الّذي فيه دَرَجْتِ إلى وَكْرٍ لمْ تعرفيهْ، وقَرِينٍ لمْ تألفيهْ. فأصبحَ بملكِهِ عليكِ رقيباً ومليكا. فكونِي لهُ أمَةً يكُنْ لكِ عبداً وَشِيكا.
يا بنيّة احْمِلِي عنّي عَشْرَ خِصَالٍ تكنْ لكِ ذُخْراً وذِكْراً: الصّحبةُ بالقناعةِ، والمعاشرةُ بحسنِ السّمعِ والطّاعةِ.
والتعهُّد لموقعِ عينِهِ، والتّفقُّدُ لموضعِ أنفِهِ. فلاَ تَقَعُ عينُهُ منكِ على قبيحْ، ولاَ يشمُّ منكِ إلّاَ أطيبَ ريحْ، والكحلُ أحسنُ الحُسنِ، والماءُ أطيبُ الطّيبِ المفقودِ.
والتّعهّدُ لوقتِ طعامِهِ والتّفقّدُ لهُ عندَ منامِهِ، فإنّ حَرَارةَ الجوعِ مَلْهبةٌ وتنغيصُ النّومِ مَبْغَضَةٌ.
والاحتفاظُ ببيتِهِ ومالِهِ. والإرعاءُ على نفسِهِ وحشمِهِ وعيالِهِ، فإنّ الاحتفاظَ بالمالِ حسنُ التّقديرِ، والإرعاءَ على العيالِ والحشمِ جميلُ حسنِ التّدبيرِ.
ولاَ تُفْشِي له سرّاً. ولاَ تعصي لهُ أمراً، فإنّكِ إنْ أفشيتِ سِرَّهُ لمْ تأمني غَدْرَهُ، وإنْ عصيتِ أمرَهُ أوْغَرْتِ صَدْرَهُ. ثمّ اتَّقِي معْ ذلكَ الفرحَ إنْ كانَ تَرِحَا، والاكتئابَ عندَهُ إنْ كانَ فَرِحَا. فإنّ الخصلةَ الأولى منَ التّقصيرِ والثّانيةَ منَ التّكديرِ.
وكوني أشَدَّ ما تكونينَ لهُ إعظاماً يكنْ أشدَّ ما يكونُ لكِ إكراماً، وأشدّ ما تكونينَ لهُ موافقةً يكنْ أطولَ ما تكونينَ لهُ مرافقةً واعلمي أنّكِ لاَ تَصْلِين إلى ما تحبّينَ حتّى تُؤْثِرِي رضاهُ على رضاكِ وهواهُ على هواكِ فيما أحببْتِ وكرهْتِ. واللهُ يَخِيرُ لكِ.
الوصايا في العصر الجاهليّ:
الوصيّة نوع فنيّ من أنواع النّثر الجاهليّ، وقد وصلنا منه القليل قياسًا للكمّ الكبير من الشّعر الجاهليّ الّذي وصلنا، "ألسنا أمّة شعر"! وقد وصل قليل من الخطب وسجع الكهّان والوصايا أيضًا، وعلى قلّتها كمّيًّا تعدّدت الوصايا في العصر الجاهليّ وتنوّعت أغراضها وفقًا للحدث المرتبط بها. واختلفت عن غيرها من صنوف الأدب، لأنّها كانت نابعة من تجارب الإنسان وخبرته في الحياة. فالموصي يضع في وصيّته عصارة فكره وخلاصة تجاربه في الحياة، فنراه يأتي في وصيّته بجمل قصيرة مركّزة، تحمل أبلغ المعاني وأسمى القيم، ليضعها نصب عين الموصى إليه بشكل خاصّ، فهو الأعزّ لديْه، والأقرب إلى قلبه، والأحبّ إلى نفسه، والوصيّة وإن كانت تخرج لشخص واحد، فهي يمكن أن تفيد مجتمعًا كاملًا، ويمكن اعتبارها مرجعًا يفيد كلّ من يحتاج إلى النّصح والإرشاد. ومن خلال استقراء الوصايا في العصر الجاهليّ نجد أنّها تقسم إلى ستّة أنواع حسب موضوعها وهي: وصايا الملوك إلى أبنائهم وأقوامهم. وصايا الحكماء إلى أبنائهم وعشائرهم. وصايا الآباء للأبناء والأحفاد. وصايا الزّواج. وصايا السّفر والمسافرين ووصايا الحرب. وتعدّ وصايا الزّواج من أشهر الأنواع، لما يقدّمه الأب الحكيم أو الأمّ البليغة لابنتهما عند الزّواج. فالفتاة تربّى في بيت أبيها على طبائع معيّنة وعادات وتقاليد وقيَم تختلف باختلاف البيئة، وتتباين من بيت إلى آخر، فحين تنتقل الفتاة إلى بيت زوجها من المؤكّد أنّها ستجد طبائع وقيمًا وعادات تختلف اختلافًا قد يكون جذريًّا عن الذي تربّت عليه. وهنا نجد دور الأب والأمّ إذ يضعا أمام ابنتهما الخطوط العريضة لبناء زواج سعيد وأسرة كريمة وحياة هانئة.
*أُمامة بنت الحارث الشّيبانيّة:
هي جمرة بنت الحارث بن عوف، المعروفة ب "البرصاء" لشدّة برصها، أي بياضها، ويقال اسْمها "قرصافة" وهي امرأة جاهليّة، نبيلة، عاقلة، مجرّبة، حريصة على مستقبل ابنتها، بارعة في التّعبير عن طبيعة المرأة، خبيرة بنفسيّة الرّجل في مجتمعها.
وذات بلاغة وفصاحة كبيرة تعتبر من فضليات النّساء في الجاهليّة. يروى أنّ النّبيّ (ص) قد خطبها من أبيها، فلم يعطِها له لبرصها، قال له: "لا أرضاها لك" وزوّجها لابْن عمّ لها، هو عوف بن محلّم الشّيبانيّ لابْن عمٍّ لها، يقال عنه إنّه كان من أوفياء العرب، ومات سنة 40 ق. ه. وأنجبا شبيبًا وأمّ أياس وأمّ إياس هي البنت الّتي أوصتها أمامة ليلة زفافها.
أمّا قصّة زواجها من الحارث بن عمرو، ملك كنْدة، فيقال: لمّا بلغ الحارث خبر جَمَال أمّ إياس، ابنة عَوْف بن مُحَلِّم الشَّيْبَاني وكمَالُها وقوة عَقْلها أرسل إليها امرأة من كنْدة، يقال لها عصام لتنظر في شكلها. وكانت عصام ذات عقل ولسان، وأدب وبيان، وقال لها: "اذهبي حتّى تعلمي لي علم ابنة عوف. فمضت حتّى انتهت إلى أمّها، وهي أُمامة بنت الحارث، فأعلمتها بما قَدمَتْ له. فأرسلت أُمامة إلى ابنتها، وقالت: "أي بنية! هذه خالتك، أتتك لتنظر إليك، فلا تستري عنها شيئًا إن أرادت النظر من وجه أو خلق، وناطقيها إن استنطقتك". فدخلت إليها، فنظرت إلى ما لم ترَ قط مثله! فخرجت مِن عندها وهي تقول: "ترك الخِداع مَنْ كَشَفَ القناع"، فأرسلتها مثلًا. ثمّ انطلقت إلى الحارث، فلمّا رآها مقبلة قال لها: "ما وراءك يا عصام"؟ قالت: "صَرَّح المَحْضُ عن الزبد". رأيت جبهة كالمرآة المصقولة، يزينها شعر حالك كأذناب الخيل، إن أَرْسَلَتْه خِلْتَه السّلاسل، وإن مشطته قلتَ عناقيد جَلاَها الوابل، وحاجبين كأنّما خُطَّا بقلم، أو سُوِّدا بِحُمَم، تقوّسا عليّ مثل عين ظَبْيَةٍ عَبْهَرَة، بينهما أنف كحَدِّ السّيف الصَّنيع، حَفَّتْ به وَجْنَتَان كالأرجُوان، في بياض كالجُمَان، شُقّ فيه فم كالخاتم، لذيذة المبتسم، فيه ثنايا غرّ ذات أشَر، تَقَلَّب فيه لسان، ذو فصاحة وبيان، بعقل وافر، وجواب حاضر، تلتقي فيه شفتان حَمْراوان، تجلبان ريقًا كالشّهد إذا دلك، في رقبة بيضاء كالفضّة، رُكّبت في صدر كصدر تمثال دُمْية، وعَضُدان مُدْمَجَان، يتّصل بهما ذراعان، ليس فيهما عظم يُمَسُّ، ولا عرق يُجَسُّ، رُكّبت فيهما كفّان دقيقان قصبهما ليّنَ عصبَهما، تعقد إن شئتَ منهما الأنامل.
ولمّا أخبرته بما يسرّه، أرسل الملك إلى أبيها فخطبها فزوّجها إيّاه وبعث بصداقها فجُهِّزت، فلمّا أراد أن يحملوها إلى زوجها قَالَت لها أمّها وصيّتها. فحُملت وسُلِّمَت إليه فعَظُم مَوْقِعُها منه وولدت له الملوك السّبعة الّذين ملكوا بعده اليمن.
قبل أن أقدّم تحليلًا مقتضبًا للوصيّة أجدني مجبرًا على التّعليق على وصف المرأة الكنْديّة، عصام للفتاة، أمّ إياس بنت أُمامة، وللتّعليق على طلب أُمامة من ابنتها أن تناطق المرأة إذا استنطقتها، وأن تكشف أمامها ما خفي من خلق وما ظهر من وجه، فوالله لن تجد هذا الانفتاح العقليّ والتّحرّر الاجتماعيّ عند نساء عربيّات في هذا العصر، ولننظر إلى وصف المرأة، عصام للفتاة، أمّ إياس فسنجد عندها من القدرة على الوصف الجسديّ والتّغزّل بمحاسن المرأة ما لم نجده عند أقدر الشّعراء الغزِلينَ الّذين تغنّوا بمحاسن المرأة ومفاتن جسدها المشتهاة، وهو ما سرّ الملك الكنْديّ.
تحليل الوصيّة:
من جملة ما قيل في امتداح هذه الوصيّة من ناحية مضامينها الإنسانيّة ومبناها المنطقيّ المنهجيّ وأساليبها المتنوّعة ورسائلها الوافرة أخلاقيًّا وسلوكيًّا واجتماعيًّا وأثرها على القرّاء: "هي وصيّة تطرب السّامع وتشنّف المسامع، ينبغي لكلّ أمّ لَبَّة، حصيفة أن تتلوها على مسامع ابنتها عند الزّفاف". وقيل أيضًا: "هذه وصيّة عظيمة من امرأة عربيّة صقلتْها التّجربة وحنّكتْها الحياة في صورة وصيّة لابنتها ليلة زواجها، بما يصلح منهجٍا لكلّ امرأة إنّ هي سارت عليه هنأت في عيشها وأسعدت زوجها وأرضت ربّها وخرّجت للمجتمع ذريّة طيّبة تربّت في كنف بيت تحوطه المحبّة والوفاق". ويبهرك ما لدى أُمامة من قدرة على الفصاحة والبلاغة والتّعبير الجميل المنسجم مع التّفكير المنطقيّ السّليم، فتبني وصيّتها كنصّ أدبيّ يعتمد العقلانيّة ويبغي توصيل الرّسالة والإقناع بتفاصيل مضمونها وترك الأثر للسّلوك وفق مواعظها والعمل على تنفيذها عمليًّا.
وتقوم الوصيّة على ثلاثة أفكار رئيسيّة، باقتضاب شديد تذكر الأولى والثّانية في سطريْن اثنيْن، الأولى هي ضرورة الوصيّة للجميع: للعاقل والغافل، لذي الأدب وغيره، لأنّ أُمامة تعرف ابنتها وما تربّت عليه، والثّانية ضرورة الزّواج، والزّواج ليس لقلّة مال أو لاحتياج الأب والأمّ لمعونة الأولاد، إنّما الزّواج عند أُمامة ضرورة بشريّة جسديّة وإنسانيّة عاطفيّة للرّجال والنّساء، وقد ترمي أُمامة من خلال ضرورة الزّواج إلى موقف فلسفيّ فكريّ واجتماعيّ حول التّزاوج والتّناسل والتّكاثر لحفظ النّوع البشريّ وبناء الأسرة السّويّة والمجتمع السّليم. وفي وصيّتها عادة ما تقرن أمامة الوعظ المباشر بالتّعليل العقليّ بهدف الإقناع، فضرورة سماع الوصيّة له تفسير ومنطق وضرورة الزّواج له تفسير ومنطق. وتستخدم أُمامة في تأكيد منطقها وشرعيّة وصيّتها باستخدام أسلوب المقارنة بين ما تعوّدت عليه البنت في بيت أبيها الّذي شبّهت عيشها في بالعشّ السّعيد المعروف والمألوف وبين بيت زوجها الجديد الّذي شبّهته بالوكر الّذي لا تعرفه ولمّ تألفه. وشتّان ما بين أنس العشّ ووحشة الوكر. فقد بدأت أُمامة بتهيئة نفسيّة ابنتها للسّماع والقبول والاقتناع والتّنفيذ.
أمّا الفقرة الثّالثة فهي الوصايا العشر المفصّلة، ولماذا عشر وصايا دائمًا، فهل اطّلعت أُمامة على وصايا موسى (ع. س) أو وصايا حمورابي البابليّ القديم. وهنا تميّز بين نوعيْن منن الوصايا، نوع لا حاجة لتعليله، وكأنّها تقول يجب تقبّل ذلك بلا نقاش، مثل "الصّحبة بالقناعة" أو "المعاشرة بحسن السّمع والطّاعة". وثمّة نوع آخر توصي أُمامة به وبعد الطّلب يأتي متبوعًا بالتّعليل، ولذلك يختلف الأسلوب المستخدم بين النّوعيْن، فبينما جاء الأوّل بالجملة الاسْميّة جاء الثّاني بأسلوب الأمر "افعلْ" أو النّهي "لا تفعلْ"، وهي الفقرة الّتي تفصّل فيها أُمامة عشر خصال بالوعظ المباشر المشفوع بالتّعليل المنطقيّ، الهادف إلى الإقناع العقليّ والاتّباع العمليّ للوصايا النّظريّة والفكريّة.
واللهِ لتلائمنَّ هذه الوصايا الّتي قيلت قبل حوالي القرن ونصف القرن من امرأة جاهليّة أيّ امرأة في هذا القرن، وفي كلّ زمان ومكان، فيه تبغي الزّوجة حفظ الأسرة السّويّة وتنشئتها تنشئة قويمة وبناء المجتمع السّليم على أسس أخلاقيّة وسلوكيّة واجتماعيّة صحيحة، إذا أرادت الزّواج السّعيد والمديد والعيش الرّغيد.
امرأة جاهليّة، يا لعمق التّجربة! توصي ابنتها منذ البداية بالاهتمام بمظهرها الجميل والرّائحة الطّيبة، وقد يقال اليوم إنّها شكليّات لا أكثر! ولكنّها ليست كذلك، وكذلك مثلها الاهتمام بمواعيد الطّعام والمنام، وهذه لا تقلّ عن الحفاظ على المال والعيال والأهل والحشم وكتمان سرّ البيت وعدم عصيان الأمر، ومثلها إبعاد الكآبة وقت الفرح وإبعاد الفرح وقت الأحزان، وكلّ ذلك مقترن بالاحترام الدّائم والإعظام لضمان حسن الموافقة ودوام المرافقة. في الحقيقة تبني أُمامة وصاياها على معادلة على ابنتها أن تفقه حدَّّيْها "أعطي أوّلًا لتأخذي ثانيًَا". وإلّا اختلّ ميزان الحياة وانهار منوالها العظيم. وقد يكون ذلك معاكسًا للمفهوم الحديث للمساواة بين الرّجل والمرأة، ولكنّه في مجتمعنا العربيّ ووفقًا لتربيتنا الإسلاميّة أسلم لنا ولأبنائنا وبيوتنا وأسرنا ورجالنا ونسائنا.
ومن أبرز الأنواع البلاغيّة والأساليب الّتي استخدمتها أُمامة الأسلوب الإنشائيّ الطّلبيّ بالأمر والنّهي والجمل القصيرة للتّأكيد والإقناع، وأسلوب الخبر، من قسم المعاني في البلاغة العربيّة، كما استخدمت من البديع: الجناس والطّباق والمقابلة والسّجع لإحداث إيقاع موسيقيّ مؤثّر على السّامع، ومن البيان والصّور الخياليّة استخدمت التّشبيه والاستعارة والكناية لإضفاء جمال فنّيّ على النّصّ، ومع ذلك جاءت الأفكار مترابطة وواضحة، قويّة العبارة، صادقة العاطفة. وستجد أمثلة كثيرة في النّصّ على كلّ تلك الأنواع والأساليب. وجاء النّصّ متأثّرًا ببيئته معبّرًا عنها، يعكس مكانة المرأة وشيئًا من النّظام الطّبقيّ.
*الكاتب هو الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين
19/10/2026 07:59 am 22
.jpg)
.jpg)