
كنوز نت - بقلم الأستاذ: أباد خطّار - يركا
حين تصبح اليد وطنًا..
قراءة نقديّة لكتاب «لا تترك يدي» للكاتبة: شهربان معدّي
- بقلم الأستاذ: أباد خطّار - يركا
حين نقرأ عنوان كتاب «لا تترك يدي» للكاتبة شهربان معدّي، نشعر منذ اللحظة الأولى أننا أمام أكثر من عنوان لكتاب؛ فنحن أمام نداء إنساني عميق، وأمام رجاء يخرج من قلب يخشى الفقد، ويؤمن بأن الإنسان لا يستطيع أن يعبر عواصف الحياة وحيدًا.
«لا تترك يدي» ليست مجرد عبارة عابرة، بل هي صرخة أم، ورجاء زوجة، وحنين طفل، ووصية جدّة، وحاجة
إنسان إلى إنسان. إنها اليد التي نبحث عنها حين تضيق بنا الدنيا، واليد التي نحتاج إليها حين تتعثر خطواتنا، واليد التي تقول لنا: أنا هنا... لن تواجه الحياة وحدك.
ومن هذه العبارة البسيطة تنسج شهربان معدّي كتابها، بلغة أدبية رقيقة، وبقلب مشغول بالأسرة والإنسان والمجتمع،
لتضع أمام القارئ مجموعة من الأسئلة التي تبدو قديمة، لكنها في زمننا أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: ماذا حلّ
بالأسرة؟ أين ذهبت حرارة البيوت؟ لماذا ابتعد الإنسان عن الإنسان؟ وكيف نستطيع أن نحافظ على ما هو جميل
في موروثنا، دون أن نغلق الأبواب في وجه العصر؟
الكاتبة لا تدخل إلى هذه القضايا من باب الواعظ الذي يقف فوق المنبر، وإنما تدخل إليها من باب الإنسان الذي يحب
مجتمعه ويخاف عليه. وهي تصرّح بأنها أرادت أن تخاطب الشباب باحترام، بعيدًا عن الترهيب والوعظ المباشر، وأن تقدم لهم تجربة فكرية وإنسانية تستند إلى البحث والمطالعة والأمثال الشعبية والمواقف الحياتية. وقد استغرق إعداد
الكتاب نحو سنتين ونصف.
ولعل أجمل ما في الكتاب أن الكاتبة لا تنظر إلى الأسرة باعتبارها جدرانًا وسقفًا وأثاثًا، بل باعتبارها روحًا.
فالبيت، في رؤيتها، ليس المكان الذي ننام فيه فحسب، وإنما المكان الذي ينبغي أن نجد فيه الأمان والرحمة
والحنان. ولذلك يصبح خراب البيت أكثر من انفصال بين شخصين؛ إنه في كثير من الأحيان شرخ يمتد إلى أرواح
الأبناء، وإلى ذاكرة العائلة، وإلى نسيج المجتمع.
ومن هنا يأتي حديثها عن الزواج. فالزواج في الكتاب ليس مجرد عقد، ولا مجرد مناسبة اجتماعية، بل شراكة
ومسؤولية والتزام ومودة ورحمة. ولهذا تضع الكاتبة الحب في قلب العلاقة الزوجية، ولكنها لا تقصد الحب بوصفه
كلمة رومانسية جميلة فحسب؛ وإنما بوصفه سلوكًا يوميًا: احترامًا، وصبرًا، وإصغاءً، وتسامحًا، وتحملًا للمسؤولية.
وتتوقف الكاتبة عند قضية الطلاق، وهي من أكثر القضايا حساسية في المجتمعات، محاولةً النظر إليها من زاوية إنسانية واجتماعية، ومؤكدة أهمية التروي وإعطاء مساحة للتفكير والإصلاح قبل الوصول إلى القرار النهائي. وقد تناولت كذلك بعض الخصوصيات المرتبطة بالطلاق في المجتمع التوحيديّ.
لكن الكتاب لا يحمل الرجل وحده مسؤولية الأسرة، ولا يضع المرأة وحدها في موضع الضحية؛ بل ينظر إلى
العلاقة باعتبارها مسؤولية مشتركة، مع تركيز واضح من الكاتبة على دور الرجل في حماية البيت من الانهيار.
وفي نهاية الكتاب تقريبًا، يتحول خطابها إلى الرجل بصورة مباشرة، وكأنها تضع بين يديه مفتاحًا صغيرًا قد
يفتح به بابًا واسعًا من المحبة. تقول له، بمعنى رسالتها: أعطِ المرأة حبًا صادقًا، وستجدها تبذل من أجلك
الكثير، واجعل من الحب قوة تحمي البيت من الرياح والعواصف. ثم تأتي العبارة التي تختصر روح الكتاب كله:
«أرجوك يا عزيزي الرجل، لا تترك يدها»
وهنا نفهم العنوان بصورة أعمق. فهي لا تطلب من الرجل أن يمسك يد زوجته في لحظة فرح فقط، بل أن
يمسكها حين تتعب، حين تختلف معه، حين تضيق بها الحياة، وحين تحتاج إلى كلمة طيبة أكثر مما تحتاج إلى
انتصار في جدال. وكأن الكاتبة تقول لنا جميعًا: لا تجعلوا الحياة الزوجية ساحة ينتصر فيها أحدكما على الآخر؛ اجعلوها مكانًا ينتصر فيه الاثنان معًا.
ومن أجمل المساحات في الكتاب تلك التي تتصل بـ الطفولة والتربية. فالطفل، في رؤية الكاتبة، لا يحتاج إلى
الطعام والملابس والتعليم فقط، وإنما يحتاج قبل ذلك إلى حضن، وإلى كلمة، وإلى أذن تسمعه، وإلى يد تمسح على
رأسه، وإلى بيت يشعر فيه بأنه محبوب. إنها دعوة إلى إعادة اكتشاف الأبناء. فالطفل الذي يعيش بين أبوين
مشغولين عنه قد يمتلك كل شيء، لكنه يفتقد أهم الأشياء: الاهتمام. والطفل الذي يسمع الصراخ أكثر مما
يسمع الكلمات الحانية قد يتعلم الخوف بدل الحوار. والطفل الذي لا يجد في البيت كتابًا ولا حوارًا ولا قدوة، قد يبحث عن عالم آخر يصنع منه شخصيته. ولهذا تربط الكاتبة بين التربية والقراءة، وبين تغذية الجسد وتغذية العقل،
وتدعو إلى الحنان والإصغاء والابتعاد عن العنف والإهمال. وهنا يتحول الكتاب من حديث عن الزوج والزوجة إلى حديث عن المجتمع كله.
وللكتاب أيضًا حوار جميل مع الماضي.تستعيد شهربان معدّي الأمثال والحكايات وذكريات الجدّات، وتستحضر عالمًا كان فيه للجيرِة معنى، ولصِلة الرحم مكانة، وللمّة العائلة دفء، وللقّمة العيش طعم مختلف. لكنها لا تدعو إلى العودة العمياء للماضي. وهذه نقطة مهمة.
إنها تحاول أن تأخذ من الماضي أجمله، ومن الحاضر أنفعه؛ أن تضع التراث في مواجهة العصر، لا في حرب معه.
أن نحتفظ بما هو أصيل وجميل، وأن نترك ما لم يعد صالحًا للحياة.
فالتراث، في نظرها، ليس متحفًا نضع فيه الأشياء القديمة ونغلق عليه الباب؛ بل هو جذور تمنح الشجرة قدرتها على
الوقوف، بينما تظل أغصانها قادرة على الوصول إلى السماء. ومن هنا تأتي قيمة الأمثال الشعبية في الكتاب؛ فهي ليست مجرد عبارات قديمة، بل ذاكرة مجتمع، وتجارب أجيال، ومحاولات لفهم الإنسان والحياة. وقد اعتمدت الكاتبة
على موروثها الشعبي، وعلى أمثال وحكايات استقتها أيضًا من ذاكرة جدّتها، تجعل الماضي حاضرًا في حوار مع الحاضر.
وفي خلفية كل ذلك تقف قضية أكبر: ماذا فعلت بنا الحياة الحديثة؟ تتأمل الكاتبة أثر العولمة والتكنولوجيا
في العلاقات الإنسانية، وترى أن الإنسان الحديث، رغم امتلاكه وسائل اتصال لا حصر لها، قد أصبح في أحيان كثيرة أكثر ابتعادًا عن الآخرين.
نستطيع اليوم أن نتحدث إلى شخص يبعد عنا آلاف الكيلومترات، لكننا قد نعجز عن الحديث مع من يجلس إلى جانبنا. نملك الهواتف، لكننا نفتقد أحيانًا الدفء. نملك وسائل التواصل، لكننا نفتقد التواصل الحقيقي. نعرف أخبار العالم، ولا نعرف أحيانًا ما الذي يؤلم أقرب الناس إلينا. وهنا تأتي رسالة الكتاب ببساطة شديدة:
لنعد إلى الإنسان الإنسان.
لنعد إلى الأسرة المتكافلة.
إلى الجيرة الحسنة.
إلى صلة الرحم.
إلى الكتاب.
إلى الحوار البنّاء.
إلى الكلمة الطيّبة.
إلى اليد التي تمتد لا لتأخذ، بل لتساند.
إن «لا تترك يدي» كتاب عن الأسرة،
نعم، لكنه في جوهره كتاب عن الإنسان.
عن خوف الإنسان من الوحدة.
عن حاجته إلى الحب.
عن رغبته في أن يجد من يسمعه.
عن حاجته إلى جذور ينتمي إليها، وإلى مستقبل يستطيع أن يحلم به. ولهذا لا أراه كتابًا يخص الزوجين وحدهما؛ بل يمكن أن يقرأه الأب والأم، والشاب والفتاة، والمربي والمعلم، وكل إنسان يريد أن يفهم شيئًا من تعقيدات العلاقات الإنسانية.
وقد وُصف الكتاب في قراءة نقدية بأنه يجمع بين التربية القديمة والحديثة، ويحاول أن يأخذ من كل منهما أجمل ما
فيه، وأن يربط الموروث الشعبي بقضايا الحياة المعاصرة.
ربما يكون أجمل ما في هذا الكتاب أن الكاتبة لا ترفع إصبعها في وجه القارئ لتقول له: أنت مخطئ. بل تمد يدها إليه وتقول: تعال لنتحدث.
تعال نبحث معًا عن بيت أكثر دفئًا. عن زوجين يعرف كل منهما قيمة الآخر. عن طفل لا يخاف من أبيه وأمه، بل
يركض إليهما حين يخاف. عن مجتمع لا تقتل فيه التكنولوجيا دفء البيوت. عن تراث لا يتحول إلى قيد، ولا يتحول
في الوقت نفسه إلى ذكرى منسية. عن إنسان يعرف أن القوة ليست في أن تكسر الآخر، وإنما في أن تساعده على
الوقوف. ولذلك فإن «لا تترك يدي» في جوهرها ليست دعوة إلى الإمساك باليد فحسب؛ إنها دعوة إلى عدم التخلي. لا تتخلَّ عن أمك حين تكبر. لا تتخلَّ عن أبيك حين يضعف. لا تتخلَّ عن زوجتك حين تختلف معك. لا تتخلَّ عن زوجك حين تمر الحياة بمنعطفاتها. لا تتخلَّ عن طفلك حين يصعب عليك فهمه. ولا تتخلَّ عن مجتمعك حين ترى فيه عيوبًا؛ حاول أن تصلح ما تستطيع.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتركه الكتاب في قلوبنا:
كم يدًا تركناها في منتصف الطريق؟
وكم يدًا كانت تحتاج منّا كلمة واحدة فقط؟
وكم إنسانًا كان يريد أن يقول لنا: لا أطلب منك أن تحل مشكلتي... فقط ابقَ جانبي؟
من هنا يصبح عنوان الكتاب أوسع من الزوجة وزوجها، وأوسع من الأسرة والمجتمع.
إنه نداء الإنسان إلى الإنسان:
حين تعصف الريح، لا تتركني.
حين أضعف، لا تتركني.
حين أخطئ، ساعدني على النهوض.
حين أخاف، كنْ إلى جانبي.
وحين تضيق بي الحياة، أمسك يدي.
وهكذا تنتهي شهربان معدّي إلى الرسالة التي بدأت منها: أن البيت لا تحميه الجدران وحدها، وإنما تحميه القلوب.
وأن الأسرة لا تبقى لأن أفرادها لم يختلفوا يومًا، وإنما تبقى لأنهم، رغم الاختلاف، عرفوا كيف يعودون إلى
بعضهم. وأن الحبّ الحقيقيّ ليس أن تقول لمن تحب: أنا معك في الأيام الجميلة...
بل أن تقول له:
أنا معك عندما تهبّ الريح. فلا تترك يدي.

09/10/2026 06:21 pm 16
.jpg)
.jpg)