كنوز نت - خبر للصحافة | أيلول 2026

«جيرَة» تناقش التربية البديلة والهويّة الأصلانيّة مع يوسف جبارين
  • حاوره علي قادري وعقّبت على الحوار دالية حلبي

نظّم «فتّوش» ضمن الحلقة الخامسة مِن السلسلة الثقافيّة «جيرَة»، أمسية بعنوان «هويّة أصلانيّة... نحو تعلّمٍ بديل»، حيث استضاف السياسيّ وأستاذ القانون يوسف جبارين، في حوار مع الشاعر والتربويّ علي قادري، تلاه تعقيب للباحثة والمحاضرة في القيادة والسياسات التربويّة دالية حلبي.
بحثت الأمسية أسئلة تتعلّق بمعنى التعليم البديل والمستقلّ، وصلته بالهويّة، وبحقّ المجتمع في تحديد ما يريد أن يعرفه ويعلّمه وينقله إلى أجياله، وبمكانة اللغة والمعرفة الفلسطينيّة في العمليّة التربويّة.

افتتح الحدث القيّم على «جيرَة»، الشاعر والباحث علي مواسي، ملقيًا قصيدة «أحبّكم لو تعرفون كم» للشاعر والتربويّ شكيب جهشان، قائلًا إنّها كانت النصّ الأدبيّ الأوّل الّذي درسه في المرحلة الثانويّة في «الكلّيّة الأرثوذكسيّة العربيّة» بمدينة حيفا لدى التربويّ فتحي فوراني، مشيرًا إلى أنّ ما فيها تكثيف لما تريده «جيرَة» مِن معرفة أصلانيّة، أهليّة وذات أُلْفَة، تؤمن بالناس وتجعلهم في مركز اهتمامها، معتبرًا أنّ دراستها مِن النماذج الممكنة للتربية البديلة والأصلانيّة، حتّى ضمن النظام القائم في جهاز التربية والتعليم في السياق الإسرائيليّ. مِن القصيدة: 

"أحبّكم
لو تعرفون... كم يحبّ والدٌ بنيه

وصيّتي لكم
تستوطنون دارةَ القمر
وتضربون الجذر في الأعماقِ، في الأعماقِ
مثلَ أعرَقِ الشجر

علّمني، علّمتكم...
الموت بين الناس يا أحبّتي، نعاس
علّمني، علّمتكم
علّمني الزمان، والرهان، والمِراس،
الجنّةُ النّعيمُ لا تُداسُ يا أحبّتي
بغير ناس".
الجيرَة والمجاورَة

في مداخلته الافتتاحيّة للحوار، تناول علي قادري مفهوم ’الجيرَة‘ و’المجاورة‘ بوصفهما أكثر مِن قرب مكانيّ، رابطًا بينهما وبين تصوّرات التربويّ الفلسطينيّ منير فاشة حول التعلّم بوصفه تجربة حيّة تتشكّل فيها المعرفة مِن خلال العلاقة والاقتراب مِن الذات والآخر. ورأى أنّ المجاورة تفتح حيّزًا لتكوّن الأسئلة والمعاني خارج الصيغ التعليميّة المغلقة، وأنّ البحث عن بدائل تربويّة يقتضي، أيضًا، استعادة موارد مِن التراث العربيّ والإسلاميّ ومِن أشكال التعلّم الّتي لا تختزل المعرفة في المؤسّسة المدرسيّة.
وتوقّف قادري عند فكرة ’المثنّى‘ عند فاشة، بما هي علاقة لا تذيب طرفًا في آخر، بل تتيح معرفة تتشكّل بين اثنين، كما أشار إلى إمكان قراءة بعض تقاليد العلاقة بين المعلّم والمتعلّم في التصوّف ضمن هذا الأفق. ومِن هذا المدخل، قدّم الحوار باعتباره بحثًا في روافد التعليم البديل مِن منظور أصلانيّ فلسطينيّ، وفي صلة هذا البديل بالسرديّة الفلسطينيّة وتجربتها التاريخيّة في إنتاج المعرفة والتعليم.


  • معلّم بديل وحصانة مجتمعيّة
وفي الحوار، عاد يوسف جبارين إلى تجربته الشخصيّة مع التعليم منذ المرحلة الثانويّة في «مدرسة المطران»، ولا سيّما خلال فترة إدارة الأب إميل شوفاني، مستعيدًا أثر بعض المعلّمين الّذين مثّلوا بالنسبة إليه نموذجًا مبكرًا للمعلّم المختلف، ومنهم الشاعر شكيب جهشان والأستاذ عايد علي الصالح. وأشار إلى لقاءات كان يعقدها طلّاب المدرسة، خارج ساعات الدوام، مع جهشان لقراءة شعره ودراسة الأدب الرفضويّ، معتبرًا أنّ مثل هذه التجارب الصغيرة أظهرت إمكان أن تنشأ داخل المؤسّسة التعليميّة نفسها مساحات أكثر حرّيّة ومبادرةً واتّصالًا بالهويّة والمعرفة الفلسطينيّة. 
وانطلاقًا مِن ذلك، شدّد جبارين على أنّ استقلاليّة نظام التعليم العربيّ ينبغي ألّا تُخْتَزَل في تغيير المضامين، بل تقوم على ثلاثة أبعاد متكاملة: العدالة في الموارد المادّيّة، والاستقلال في المضامين التربويّة، والإدارة الذاتيّة. كما استعاد المبادرات المجتمعيّة الّتي ظهرت في نهاية التسعينيّات وأسهمت في تأسيس نماذج مبكرة للمدارس العربيّة البديلة، وفي مقدّمتها مدرستا «مسار» في الناصرة و«حوار» في حيفا. ورأى أنّ محدوديّة انتشار هذه التجارب ترتبط، مِن بين عوامل أخرى، بالرقابة المفروضة على المناهج والمضامين والمعلّمين، مؤكّدًا أنّ التعليم البديل لا يتحقّق بمجرد إنشاء مدرسة مختلفة أو كتابة منهاج آخر، بل يحتاج، في صلبه، إلى ’معلّم بديل‘ قادر على تجاوز الدور التقليديّ للمعلّم وفتح آفاق نقديّة وإبداعيّة أمام طلّابه.
وتطرّق جبارين كذلك إلى مفهوم ’الحصانة المجتمعيّة‘ لدى الجماعة الأصلانيّة، مشدّدًا على أنّ تعزيزها لا يقع على عاتق المؤسّسات التربويّة وحدها، بل يتطلّب تكاملًا بين دوائر العمل المختلفة في المجتمع، مِن الأحزاب والسلطات المحلّيّة إلى مؤسّسات المجتمع المدنيّ. ورأى أنّ بناء القدرة الجماعيّة على مواجهة التحدّيات يستدعي الانتقال مِن العمل المتفرّق إلى علاقة تكامليّة بين هذه المكوّنات.
  • الاعتراف بلغة الطالب وخبرته
وفي تعقيبها، انطلقت دالية حلبي مِن سؤال: أيّ خرّيج نريد؟ وقد طرحت مفارقة بين طالب ينجح أكاديميًّا ومهنيًّا لكنّه يبتعد عن تاريخ مكانه ولغته، وآخر يمتلك وعيًا قويًّا بهويّته لكنّ المدرسة لا تمنحه الأدوات اللازمة للدراسة والعمل. ومِن هنا رأت أنّ النقاش في التعليم البديل ينبغي أن يبدأ مِن تعريف غاية التعليم، والإنسان الّذي نريد أن تسهم المدرسة في تكوينه، لا مِن تغيير الكتب والمناهج وحدها.
وشدّدت حلبي على أنّ المدرسة لا تنقل موادّ دراسيّة فقط، بل تعلّم أيضًا ما الّذي يستحقّ أن يُعْرَف، ومَن يستحقّ الإصغاء، وأيّ لغة تُمْنَح المكانة. لذلك، فإنّ سؤال التعليم الأصلانيّ يتّصل بالاعتراف بلغة الطالب وخبرته، وبإشراك جماعته في القرارات المتعلّقة بتعليمه، مِن دون إغفال النقد الداخليّ للتراتبات الطبقيّة والمكانيّة والجندريّة داخل المجتمع نفسه. واستعانت بمفهوم رأس المال الثقافيّ عند بيير بورديو لتفسير كيف قد تتحوّل ثقافة الفئات الأقوى إلى معيار طبيعيّ للكفاءة، وبمفهوم ’أرصدة المعرفة‘ لدى لويس مول وزملائه للتأكيد أنّ الأُسَر والمجتمعات تحمل معارف متراكمة مِن العمل والحياة والخبرة اليوميّة يمكن للمدرسة أن تبني عليها.
كما عرضت حلبي مفهوم ’الثروة الثقافيّة المجتمعيّة‘ عند تارا يوسو، بما يشمله مِن موارد طموحيّة ولغويّة وعائليّة واجتماعيّة ومقاومة وقدرة على التنقّل داخل المؤسّسات. ورأت أنّ الاعتراف بهذه الموارد لا يعني تمجيدها أو إعفاءها مِن النقد، ولا يجوز أن يتحوّل إلى ذريعة للتخلّي عن المطالبة بعدالة الموارد. ولفتت إلى أنّ العربيّة لا ينبغي أن تكون لغة التدريس فحسب، بل لغة يستطيع الطالب مِن خلالها تسمية خبرته وطرح أسئلته وإنتاج تفسير لواقعه، بالتوازي مع إتقان لغات أخرى وفهم شروط الجامعة والعمل.









صور مِن الحدث