كنوز نت - علي هيبي


كوّة نور على الشّاعر الفارس قطريّ بن الفجاءة*
وقصيدته "أقول لها"من الشّعر السّياسيّ في فترة مُلك بني أميّة

أقولُ لها وقدْ طارتْ شعاعًا منَ الأبطالِ ويحَكِ لنْ تُراعي
فإنّكِ لو سألتِ بقاء يومٍ على الأجلِ الّذي لكِ لنْ تطاعي
فصبرًا في مجالِ الموتِ صبرًا فما نيلُ الخلودِ بمستطاعِ
ولا ثوبُ البقاءِ بثوبِ عزٍّ فيُطوى عنْ أخي الخنعِ اليراعِ
سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حيٍّ فداعيهِ لأهلِ الأرضِ داعي
ومَنْ لا يعتبطْ يسأمْ ويهرمْ وتسلمْهُ المنونُ إلى انقطاعِ
وما للمرءِ خيرٌ في حياةٍ إذا ما عُدَّ منْ سقْطِ المتاعِ

*قطريّ بن الفجاءة شاعر وخطيب وفارس لأحدى فرق حزب "الخوارج"، الذين عُرفوا بالأزارقة، وكان من رؤسائهم، واسْمه جعونة بن مازن التميميّ، ويقال أنّه توفّي سنة 78 ه، وقد وصل غاية نشاطه واستفحل أمره في زمن مصعب بن الزبير لمّا ولي العراق نيابة عن أخيه عبد الله بن الزبير.
أمّا نسبه فيعود إلى مازن بن مالك بن عمرو بن تميم، وكانت له كنيتان، كنية في السلم وهي "أبو محمّد"، وكنية في الحرب وهي "أبو نعامة"، ونعامة اسْم لفرسه، وأمّا "الفجاءة" فهو لقب لأبيه، لأنّه غاب في اليمن زمنًا ثم أتى قومه فجأة، وقد ولد قطريّ في البادية عام 30هـ، بين البحرين وعُمان.
أمّا نشأته فلا يُعرف عن ظروف النشأة الأولى لقطريّ بن الفجاءة شيء كثير، ذلك أن كُتب التاريخ لم تلتفت إليه إلّا بعد أن ذاع صيته وصار رأسًا من رؤوس "الخوارج" وواحدًا من أبرز فرسانهم وشعرائهم، في حقبة متقدّمة من حياته. فقد كان كما يقول ابْن كثير: "من الفرسان الشجعان المذكورين المشهورين"، وقال صاحب كتاب "سنا المهتدي" في وصفه: كان طامَّة كبرى، وصاعقة من صواعق الدنيا في الشجاعة والقوّة، وله مع المهالبة وقائع مدهشة، وكان عربيًّا مقيمًا وسيّدًا عزيزًا وشعره في الحماسة كثير. وكان قطريّ فارسًا شجاعًا، وخطيبًا فصيحًا بليغًا، وشاعرًا مفلقًا، وكان من أوائل أصحاب نافع بن الأزرق، الذي نسبت إليه طائفة "الأزارقة" من الخوارج الذين خرجوا على الإمام عليّ، بعد واقعة "التحكيم" الشهيرة. ولما قُتل نافع بن الأزرق بايع أتباعُه الذين عرفوا بالخوارج "الأزارقة" قطريَّ بن الفجاءة أميرًا عليهم، ولقّبوه أمير المؤمنين وخليفة المسلمين.
وسيرته تحكي أنّه بقي ثلاث عشرة سنة يقاتل ويُسلّم عليه بالخلافة وإمارة المؤمنين، والحجّاج بن يوسف يسيّر إليه جيشًا بعد جيش وهو يردهم ويغلبهم. ولم يزل الحال بينهم كذلك حتّى توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبّي فظفر به وقتله في سنة 78 هـ، وقيل أن قتله كان في طبرستان، وقيل عثر به فرسه فاندقّت فخذه فمات، وأخذ رأسه فجيء به إلى الحجّاج. وللدّلالة على شجاعة قطريّ وعدم خوفه أمام الحجّاج القائد الأمويّ العنيف، فقد أرسل الحجّاج له رسالة يهدّده، قال فيها: "سلام عليك. أمّا بعد فإنّك مرقت من الدين مروق السهم من الرميّة، وقد علمتُ حيث تجرثمت، ذاك إنّك عاصٍ لله ولولاة أمره، غير إنّك أعرابيّ جلف أمّيّ، تستطعم الكسرة وتستشفي بالتّمرة، والأمور عليك حسرة، خرجت لتنال شبعة فلحق بك طعام، صلّوا بمثل ما صلّيت به من العيش، فهم يهزّون الرماح ويستنشؤون الرياح، على خوف وجهد من أمورهم. وما أصبحوا ينتظرون أعظم مما جهلوا معرفته، ثمّ أهلكهم الله بترحتيْن. والسلام".
فردّ عليه قطريّ قائلًا: "من قطريّ بن الفجاءة إلى الحجّاج بن يوسف. سلام على الهداة من الولاة، الذين يرعون حريم الله ويرهبون نقمه. فالحمد لله على ما أظهر من دينه، وأظلع به أهل السّفال، وهدى به من الضّلال، ونصر به، عند استخفافك بحقّه. كتبت إليّ تذكّر إنّي أعرابيّ جلف أمّيّ، استطعم الكسرة واستشفي بالتمرة. ولعمري يا ابن أمّ الحجّاج إنّك لمتيه في جبلتك، مطلخم في طريقتك، واهٍ في وثيقتك، لا تعرف الله ولا تجزع من خطيئتك، يئست واستيأست من ربّك، فالشيطان قرينك، لا تجاذبه وثاقك، ولا تنازعه خناقك. فالحمد لله الذي لو شاء أبرز لي صفحتك، وأوضح لي صلعتك. فوالذي نفس قطريّ بيده، لعرفت أن مقارعة الأبطال، ليس كتصدير المقال مع إنّي أرجو أن يدحض الله حجّتك، وأن يمنحني مهجتك".
وقطريّ من خطباء العرب المفوّهين اشتهر بالبلاغة وفصاحة اللسان وبالشجاعة وقوة النفس وله خطبة تدلّ على إنسان صاحب إيمان عميق زاهد بالدنيا وخائف من عاقبة الآخرة. وكان قطريّ ناسكًا متعبّدًا، ومعظم أشعاره وخطبه توحي بزهده في الحياة ورغبته عنها.
وقد خطب في أصحابه خطبة قصيرة، دعاهم فيها إلى النضال والجهاد، وحذّرهم من الانسياق إلى الدنيا وبريقها الزائف، والنصّ مأخوذ من كتاب "البيان والتبيين للجاحظ". 
"أمّا بعد، فإنّي أحذّركم الدنيا، فإنها حلوة خَضِرة، حُفَّت بالشهوات، وراقت بالقليل، وحليت بالآمال، وتزيّنت بالغرور، غرَّارة، ضرَّارة، خوَّانة، غدَّارة، لا تعدو إذا هي تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال الله تعالى: "كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا".
إنّ ردّ قطريّ على الحجّاج وهذه الخطبة يعكس إيمانه وثباته وثبات الخوارج على مواقفهم كحزب معارض ومقاتل للأمويّين الذين اغتصبوا حكم المسلمين اغتصابًا، ونصّبوا أنفسهم ولاة على المسلمين، بعد مقتل عليّ وانتهاء الخلافة الراشديّة، وتحويل الخلافة والشّورى إلى مُلك وولاية عهد. ومعروف أن الخوارج كان لهم موقف كحزب سياسيّ من الخلافة، التي كانت محور الخلاف بين الأحزاب السياسيّة التي تكوّنت بعد تولّي الأمويّين كحزب حاكم، وقد انعكست تلك المواقف من خلال الشعر السياسيّ.    
الشّعر السّياسيّ:
نما هذا المضمون السياسيّ بعد بروز الأحزاب السياسيّة، وذلك بعد اغتصاب الأمويّين للحكم، وقد تحوّلت طريقة الحكم من "شورى بينهم" إلى حكم ملكيّ، صار فيه معاوية بن أبي سفيان ملكًا ومن ثمّ صار ابْنه يزيد وليًّا للعهد، فكان الخلاف على الخلافة الموضوع الأساسيّ، ومن أهمّ أسباب ظهور الشعر السياسيّ في العصر الأمويّ نشوء عدد من الأحزاب السياسيّة واندلاع الصراعات حول الحكم بين الأحزاب الناشئة. وقد أشعل الأمويّون شرارة العصبيّة القبليّة التي دعا الإسلام إلى القضاء عليها، لأنّها خروج عن روح الإسلام ومبادئه. ولنموّ الشّعر السياسيّ في هذه الفترة أسباب تعود إلى الفترة الجاهليّة، حيث العصبيّة القبليّة والتناحر والاقتتال بين القبائل، وهو ما سعى بنو أميّة إلى تأجيجه وفق سياسة "فرّق تسد" لإضعاف خصومهم السياسيّين من الشيعة والزبيريّين والخوارج. وأبرز الأحزاب المعارضة للحزب الأمويّ الحاكم: حزب العلويّين وحزب الزبيريّين. وحزب الخوارج، وكان لكلّ حزب شعراء يدافعون عن حقّه بالخلافة وفقًا لمبادئه العقائديّة، ويهاجم الأعداء من الأحزاب الأخرى وينكر عليهم هذا الحقّ. ولم يكن العداء بين الأحزاب سياسيًّا بل كان تناحرًا حربيًّا دمويًّا، فقد اعتمد الأمويّون كسلطة على سياسة البطش بأعدائهم والنيل من قادتهم، وصل حدّ قطع الرؤوس كما فعلوا بساديّة فظيعة مع الحسين بن عليّ في "كربلاء"، ومع عبد الله بن الزبير في "مكّة"، ومع زعماء الخوارج في كثير من المواقع، وكان قطريّ بن الفجاءة زعيم الخوارج "الأزارقة" أبرزهم.    
حزب العلويّين: وهو حزب أنصار عليّ بن أبي طالب، رابع الخلفاء الراشدين، وآخر الخلفاء قاطبة، وقد آمن أنصار عليّ بأنّه ظُلم واغتيل وانتزعت الخلافة منه، وهو أبرز "آل البيت الأطهار"، وهو من والاه الرسول، ولذلك رأوْا أنّ الخلافة يجب أن تكون في "آل البيت"، وعليّ وأولاده وأحفاده أحقّ بها، ولذلك يتوجّب عليهم قتال الأمويّين الغاصبين حتّى تعود الخلافة لأصحابها الشّرعيّين، وقد كان للحزب شعراء من أشهرهم: الكُميت الأسديّ والفرزدق. ومشهورة قصيدة الفرزدق في مدح عليّ بن الحسين، الملقّب بزين العابدين، وقال في مطلعها:
"هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ
هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَلَمُ
هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ بِجَدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا"
أمّا الكُميت الأسديّ فهو الشّاعر الّذي كان لسان الحزب الأمين له والأكثر عداء للأمويّين، فقال: 
"أهوَى عَلِياً أمِيرَ المُؤمِنِينَ وَلاَ أرضَى بِشِتمِ أَبِي بَكرٍ وَلاَ عُمَرَا
ولا أَقُولُ وإن لَم يُعطِيَا فَدَكاً أنتَ الرَّسُولِ ولا مِيراثَهُ كَفَرَا
إنَّ الرَّسُولَ رَسُولَ اللهِ قَالَ لَنَا إنَّ الوَلِيَّ عليٌّ غَيرَ ما هَجَرَا"
وقال مخاطبًا وهاجيًا لبني أميّة ولحكمهم المغتصب والجائر:
"ألا أفٍ لدهر كنت فيه هدانا طائعا لكم مطيعا
أجاع الله من أشبعتموه وأشبع من بجوركم أجيعا
ويلعن فذّ أمّته جهارا إذا ساس البرية والخليعا
بمرضيّ السياسة هاشميّ يكون حيا لأمّته ربيعا"
       
حزب الزبيريّن: ويسمّى الحزب القرشيّ، وهم أتباع عبد الله بن الزبير الّذي حكم مكّة والعراق وولّى نفسه على مكّة وولّى أخاه مصعب على العراق، واستطاع الأمويّون بواسطة واليهم المستبدّ أن يتخلّص من مصعب في العراق وقتله، وقتل عبد الله زعيم الحزب في مكّة بالطّريقة الشّنيعة، إذ عُلّق على عود المشنقة لثلاثة أيّام، بلا وازع من ضمير ولا دين، وظلّ على تلك الحال حتّى مرّت أمّه، أسماء بنت أبي بكر الصّدّيق، وقالت مقولتها الشهيرة: "أما آن لهذا الفارس أن يترجّل"، فأنزلت جثّته ووري في التراب.
ويؤمن أنصار هذا الحزب بوحدة قريش، وبأنّ خلافة المسلمين يجب أن تكون لقريش، وهم الأحقّ بها، وكانوا في حالة عداء وقتال مع الخوارج ولكنّ عداءهم الأساسيّ كان موجّهًا للسلطة الأمويّة. وكان من أشهر شعرائهم، والذي ذاد مؤمنًا بوحدة قريش الشاعر عبد الله بن قيس الرقيّات، فقال:                  
"حبّذا العيش حين قومي جميع لم تفرّق أمورها الأهواءُ

قبل أن تطمع القبائل في مُل‍ … كِ قريش وتشمت الأعداءُ"
ودعا ابْن قيس إلى الثورة العارمة على بني أميّة بعد مقتل الحسين بن عليّ وقال:
"كيف نومي على الفراش ولمّا تشمل الشام غارة شعواءُ
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي عن براها العقلية العذراءُ
أنا عنكم بني أميّة مزور وأنتم في نفسي الأعداءُ"
حزب الخوارج: وقد سمّوا بهذا الاسْم لخروجهم على عليّ بعد أن قبل بقضيّة "التحكيم" وفق رغبتهم بينه وبين الأمويّين وعادوا ورأوْا فيها خدعة وتآمر على خلافته ومحاولة لاغتصاب الحكم، وقد عادوْا عليًّا ولم يقبلوا بخلافته، فحاربهم حتّى أخضع فرقًا منهم في معركة "النهروان". ولكن العدوّ اللدود لهم فكان الأمويّين، لاستبدادهم وبطشهم وحكمهم الجائر، وقد وصل بهم الأمر إلى تكفيرهم، وكان الخوارج على فرق كثيرة بلغت سبع فرق، أشهرها "الأزارقة" والأباضيّة.
وقد يكون رأيهم بالخلافة هو الأكثر تقدّميّة، فقد رأوْا أنّ أمام المسلمين، أي خليفتهم يُختار اختيارًا حرًّا، من كافّة المسلمين بحيث يكون أشدّهم إيمانًا وورعًا وأصلبهم عقيدة بالإسلام وتقوى، ولا ينحصر هذا الاختيار في بيت كآل البيت أو في قبيلة كقريش ولا يُغتصب حقّ كلّ مسلم كما فعل الأمويّون، حتّى لو كان هذا المسلم التقيّ والورع عبدًا حبشيًّا. وكان قادة الخوارج هم شعراءهم، وأشهرهم قطريّ بن الفجاءة، ولعلّ القصيدة التي نحن بصددها هي أشهر قصائده والمعبّرة عن إيمانه وإيمان الخوارج بضرورة قتال الأعداء الكافرين برأيهم، حتّى الانتصار أو الموت. وقد قال في قصيدة أخرى له ما يؤكّد ضرورة القتال حتّى الموت:
"لا يركننْ أحدٌ إلى الإحجامِ يوم الوغى مُتخوّفًا لحمامِ
فلقد أراني للرماح دريئةً من عن يميني تارةً وأمامي
حتّى خضبت بما تحدَّر من دمي أكناف سرجي أو عنان لِجامِ"
والبهلول بن بشر الشيبانيّ شاعر من شعرائهم وله قول في الموت يشبه في معانيه كثيرًا معانيَ قطريّ بن الفجاءة وسائر شعراء الخوارج
"مَن كان يكره مَن يلقى منيّته فالموت أشهى إلى قلبي من العسلِ
فلا التقدُّم في الهجاء يجعلني ولا الحِذارُ يُنجّيني من الأجلِ"
حزب الأمويّين: في حين كانت الأحزاب الثلاثة السابقة أحزاب معارضة، كان حزب الأمويّين هو حزب السلطة الحاكم، وقد رأت الأحزاب فيه غاصبًا للسلطة بلا أيّ وجه حقّ، فهم الذين قاتلوا الرسول في بداياته، وعذّبوه وأصحابه وهجّروه وحاولوا قتله، وآذوْا أبا بكر وقتلوا عمر بيد فيروز الفارسيّ، وتسبّبوا بمقتل عثمان وقتلوا عليًّا بيد عبد الرحمن بن ملجم، ولا تحقّ لهم الخلافة، فلا هم من قريش، ولا من آل البيت، ولا ممّن يؤمنون بالشورى والاختيار، ولذلك يتوجّب قتالهم ككفّار مارقين على الإسلام. أمّا الأمويّون فرغم أنّهم استولوا على الحكم بالحيلة والخديعة ومن ثمّ بالسلطة والقوّة فقد آمنوا بحقّهم بالخلافة رغم كلّ ما تسبّبوا به من أذى وقتل بحقّ معارضيهم، ورغم تحويلهم الشورى والخلافة إلى ملك وولاية عهد. ورأوا في كونهم أسلموا وأخلصوا في إسلامهم وفي كونهم من أعمام الرسول هم الأحقّ بها. ومن أشهر شعرائهم جرير الّذي مدح عمر بن عبد العزيز والأمويّين في قصيدة مشهورة أكّد فيها أحقّيّة بني أميّة في الخلافة عن قدرة واستحقاق، كما عهد الله لموسى بالنبوّة، فقال فيها:       
"إنــا لنرجـو إذا مـا الغيـث أخلفنـا مـن الخليفـة مـا نرجـو مـن المطرِ
نــال الخلافـة إذ كـانت لـه قـدرا كمـا أتـى ربّـه موسـى على قدر"
ومن أشهر شعراء الأمويّين الأخطل، وله قصيدة مشهورة في مدح عبد الملك بن مروان والأمويّين والتي قال في مطلعها:   
"خَـفَّ الْقَطِينُ فَرَاحُوا مِنْكَ أَوْ بَكَرُوا وَأَزْعَجَتْهُـمْ نَـوىً فِـي صـَرْفِها غِيَـرُ
إِلــى امْــرِئٍ لا تُعَدّينـا نَـوَافِلُهُ أَظْفَـرَهُ اللـهُ فَلْيَهْنَِأْ لَـهُ الظَّفَرُ"
ويقصد الشاعر بالظفر هو الانتصار على المعارضين بعد نيل الخلافة، ويتابع قائلا في مدحه ومدح بني أميّة وحقّهم في الخلافة:
"الخـائِضِ الْغَمْـرَ وَالْمَيْمُـونِ طائِرُهُ خَلِيفَـةِ اللـهِ يُسْتَسـْقَى بِـهِ الْمَطَرُ
حُشـْدٌ عَلَـى الْحَقِّ عَيّافو الْخَنا أُنُفٌ إِذَا أَلَمَّــتْ بِهِـمْ مَكْرُوهَـةٌ صـَبَرُوا
بَنِـــي أُمَيَّــةَ نُعْمَــاكُمْ مُجَلِّلَــةٌ تَمَّــتْ فَلَا مِنَّــةٌ فِيهــا وَلَا كَــدَرُ
بَنِــي أُمَيَّــةَ قَـدْ ناضـَلْتُ دُونَكُـمُ أبْنـاءَ قَـوْمٍ هُـمُ آوَوْا وَهُمْ نَصَرُوا"
مروان بن أبي حفصة شاعر أمويّ عباسيّ، كان جدّه أبو حفصة مولًى لمروان بن الحكم وأعتقه يوم الداريْن، ونشأ مروان في العصر الأمويّ باليمامة، وظلّ شاعرًا حتّى الفترة العبّاسيّة، وله قصيدة في مدح العباسيّين، ولكنّ المضمون يدلّ دلالة قاطعة على أنّ للأمويّين حقًّا في الخلافة كما للعبّاسيّين والاثنان أبناء عمّ للرسول، على أساس ما يقوله مروان في قصيدته، أنّ وراثة الخلافة للرّجال والأعمام، أمّا النساء والبنات وأبناء البنات فلا يحقّ لهم الخلافة شرعًا، ويدعم رأيه بما ورد في سورة "الأنعام"، وهو غير مثبت إطلاقًا وفقًا للتفسير. وهذا مطلعها وأبيات منها:   
"طافَ الخَيالُ وَحَيِّهِ بِسلامِ أَنّى أَلَمَّ وَلَيسَ حينَ لِمامِ
يا اِبنَ الَّذي وَرِث النّبِيَّ مُحَمَّدًا دونَ الأَقارِبِ مِن ذَوي الأَرحامِ
الوَحيُ بِينَ بَني البَناتِ وَبَينَكُم قَطَعَ الخِصامَ فَلاتَ حينَ خِصامِ
ما لِلنِّساءِ مَعَ الرِجالِ فَريضَةٌ نَزَلَت بِذلِكِ سورَةُ الأَنعامِ
أَنّى يَكونُ وَلَيسَ ذاكَ بِكائِنٍ لِبَني البَناتِ وِراثَةُ الأَعمامِ"
أمّا بخصوص قصيدة قطريّ بن الفجاءة والتي نحن بصدد تناولها كنموذج من الشعر القديم، العموديّ والتّقليديّ، فهي قصيدة تعتبر من أشهر قصائده، لكنّه فيها لا يبدو شاعرًا خارجيًّا، إلّا إذا اعتبرنا تقديس الموت المشرّف في ميدان القتال من أجل الحقّ هو محور موضوعيّ عند شعراء الخوارج، حيث يمتاز شعرهم بالتمسّك بالعقيدة التي يؤمنون بها في الكفاح ضدّ المغتصب وسالب الحقّ، وكذلك ضدّ المتقاعسين عن القتال، وكذلك يمتاز شعرهم بالزهد بالدنيا وشهواتها المادّيّة، فينصرفون عنها إلى الإيمان والورع والتقوى، ولديهم حماسة للقتال حدّ تمجيد الموت من أجل الهدف السامي، وقد برز في أشعارهم استخدام غريب اللغة وخلوّه من المحسنات والصور الجماليّة، ويعزى ذلك إلى أنّهم كانوا يكتبون قصائدهم في ساحات الوغى وميدان القتال.     
وقصيدة قطريّ من سبعة أبيات مشهورة، فقد برز في شعرهم أنّهم يكتبون القصائد القصيرة والمكثّفة بالمعاني، تبدو فيها الفروسيّة في أوج تألّقها وعنفوانها في وصفها، وهي تهجو أجبن خلق الله، وما صدرت إلّا عن نفس أبيّة وشهامة عربيّة، تجاربها الشخصيّة الطويلة في ميدان القتال ما ينفي الشبهة العالقة في أذهان الجبناء وضعفاء الإيمان.
لقد تناول قطريّ موضوع الموت المنبثق من صورة الفروسيّة، وقد أكثر من ذكره واستحضاره، فاصطبغ شعره بنغمة رومانسيّة حزينة ولكنّها غير يائسة، وفيها كلّ معاني الثورة على الجبن والخوف من الموت. وقد بالغ الخوارج جميعًا في عشق الموت، ولا سيّما حين يكون في ميدان القتال. فكان الأمر عندهم وجهًا معكوسًا لما اعتاد عليه الآخرون. يشرع الشاعر بقصيدته القصيرة مخاطباً النفس، مبالغًا في فزعه الهائج المتطاير، المنتشر في كلّ حدب وصوب كالشعاع الذي لا يُلملم، ويزيد نفسه عزيمة وحنقًا على الأبطال المبهورين الخائفين منه، ويقول لها ويحك لا تراعيهم، ولا تفزعي منهم، بل تشجّعي واصبري. إذن يبدأ الشّاعر قصيدته بِ "أقول لها" يخاطب نفسه محذّرًا من الخوف، عندما أحسّ بجبنها وتحسّبها من الموت أمام الأبطال في ساح الوغى، لذلك هو يحرّضها على الصمود ويحثّها على الثبات، فالقتال والمواجهة لا تقصّر العمر والقعود والتخاذل لا يطيل الأعمار، فلو سألت الله على يوم واحد يهبه لك في عمرك أكثر ممّا كتب لك من عمر فلن يكون لك، ولذلك لا مناص من الصبر في ميدان القتال، فلا خلود في هذه الحياة لمخلوق، فاصبري يا نفس في رحى القتال وأمام الأبطال، لأنّك لو تخاذلت فلن يكون لك عمر أطول، ولو بيوم واحد، فكم بالحريّ الخلود. والعزّة والمجد للإنسان ليس بالبقاء في الحياة، وإلّا لعاش الإنسان الجبان الخنوع طويلًا، ولكن لا يحظى بمجد أو كرامة أو مكانة، فالموت في النهاية هو السبيل لكلّ الأحياء، فعندما يدعو الداعي إلى الموت فلا يستأخر الإنسان ولا يستقدم، سواء قاتل أم جبن عن القتال، سواء سلك في طريق الموت المشرّف أم سلك في طريق الحياة الذليلة.             
وفي قصّة تعكس شجاعة قطريّ وصيته، حُكيَ عنه أنّه خرج في بعض حروبه فرأى فارسًا أعجف وبيده عمود خشب، فدعاه إلى المبارزة، فبرز إليه رجل، فحسر له قطريّ عن وجهه، فلمّا رآه الرجل ولّى عنه، فقال له قطريّ: "إلى أين"؟ فقال: "لا يستحيي الإنسان أن يفرّ منك".
ثمّ يواصل شاعرنا المستميت الشجاع شعره، ويتطرّق إلى حقيقة مرّة أنّ مَن يطلب الحياة بالتوسّل وسمّاه بـأَخي الخنع، ويعني الذَّلِيل، ونعته بـاليراع أيّ الجبان الذي لَا قلب له، فيلبس ثوب الْبقاء والحياة، وهو ليس بثوب عزّ وشرف، فينزع عنه الثوب والعزّ ويطوى، وفي البيت الخامس يأتي الحقّ، والحقّ إنّ الموت غاية كلّ حيّ. هذه معادلة الحياة، لولا مجيء الموت، لما انبثقت ولادة الحياة.
جميل هذا الطباق بين الموت والحيّ، والجناس الناقص بين داعيه وداعٍ في البيت الخامس، ويختم شاعرنا أبياته السبعة، بالإنسان الذي لا يعتبط بأي فضيلة يحملها، لا علم ينتفع به، ولا يموت لأيّ علّة، حتّى يصل إلى السأم والهرم، فتكون حياته رذيلة وتوصله في النهاية إلى أرذل العمر، كأنّه لم يعش ولم يكن. وفي البيت الأخير يختم الشاعر بالخلاصة والحكمة النهائيّة، ما هي قيمة حياة الإنسان وما الخير فيها وما الفائدة منها إذا اعتبر شيئًا تافهًا وساقطًا.
أمّا الخصائص الأسلوبيّة فلا تختلف بوجه عامّ عن شعر شعراء الخوارج، لكنّ قصيدة قطريّ هذه تميّزن بالمحسّنات البيانيّة من تشبيه واستعارة وكناية، مع أنّها ذات لغة سهلة لتنسجم مع حديث النفس، فالشاعر وجّه كلّ ما قاله من معانٍ إلى نفسها بأساليب الإنشاء الطلبيّ، من أمر ونهيّ واستفهام، ومن تحذير يصل في حدّته أحيانًا إلى حدّ التهديد.     

  •  علي هيبي