كنوز نت - د. فاطمة أبوواصل إغبارية



ام هجري جديد… فهل نسينا تاريخنا؟
د. فاطمة أبوواصل إغبارية

مع إشراقة عام هجري جديد، يتسلل إلى القلب سؤال مؤلم:

لماذا يحتفي كثير من المسلمين برأس السنة الميلادية بحماس ظاهر، بينما تمرّ بداية العام الهجري في صمت يكاد لا يُسمع؟

ولست أطرح هذا السؤال بدافع التعصب أو رفض الآخر، فالتقويم الميلادي اليوم أصبح لغة عالمية لتنظيم الحياة والعمل والعلم والتواصل بين الأمم. لكنني أتساءل عن أمر آخر: أين مكان تاريخنا في وجداننا؟ وأين موقع أعظم حدث غيّر مسار الأمة الإسلامية؟

إن بداية العام الهجري ليست مجرد انتقال من رقم إلى رقم، وليست مناسبة شكلية تُضاف إلى قائمة المناسبات السنوية. إنها تذكير بحدث عظيم اختاره الصحابة الكرام ليكون مبدأ تاريخ الأمة كلها: هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.

لم يختاروا يوم مولده، ولا يوم بعثته، ولا يوم فتح مكة، بل اختاروا الهجرة لأنها كانت نقطة التحول الكبرى؛ الانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة، ومن الألم إلى الأمل، ومن الاضطهاد إلى صناعة الحضارة.


الهجرة ليست رحلة جغرافية فحسب، بل مدرسة كاملة في الإيمان والتخطيط والصبر والتضحية والثقة بالله.

ومع ذلك، نجد أن كثيراً من أبنائنا يحفظون تواريخ المناسبات العالمية بدقة، ويستعدون لها قبل أشهر، بينما يجهل بعضهم حتى رقم السنة الهجرية التي نعيشها اليوم.

لقد اعتمدت معظم الدول الإسلامية التقويم الميلادي في شؤون الإدارة والاقتصاد والتعاملات الدولية، وهذا أمر فرضته طبيعة العصر والعلاقات العالمية، لكن المشكلة لا تكمن في استخدام التقويم الميلادي، بل في أن يتحول استخدامه إلى نسيان للتقويم الهجري وإهمال لمعانيه ورسالته.

فليس المطلوب أن نلغي التقويم الميلادي، بل أن نحافظ على هويتنا الزمنية إلى جانبه، وأن يبقى التقويم الهجري حاضراً في مدارسنا وبيوتنا ومؤسساتنا ووعينا الجمعي.

الأمم لا تُقاس فقط بما تملك من قوة واقتصاد، بل أيضاً بقدرتها على حفظ ذاكرتها التاريخية. وحين تضعف صلتنا بمحطاتنا الكبرى، يضعف شعورنا بالانتماء إلى الرسالة التي صنعت وجودنا.

في بداية هذا العام الهجري الجديد، لنتذكر أن الهجرة كانت درساً في أن التغيير ممكن، وأن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن المستقبل يُبنى بالإيمان والعمل معاً.

فلنجعل من العام الهجري مناسبة للمراجعة والتجديد، لا مجرد تاريخ يمر في التقويم.

كل عام وأنتم بخير، وعام هجري مبارك، جعله الله عاماً مفعماً بالإيمان والطمأنينة والبركة، وكتب لنا فيه صلاح الأحوال، وتحقيق الآمال، والثبات على الحق، وجمع القلوب على الخير والمحبة. اللهم اجعله عاماً تُفتح فيه أبواب الرحمة، وتُرفع فيه الكربات، وتُحفظ فيه أوطاننا وأهلنا وأمتنا الإسلامية جمعاء.

عام هجري سعيد، وكل عام وأنتم إلى الله أقرب.