كنوز نت -  سمية زكي البطاط


حين تتحول الكاميرا إلى ضمير
  •  سمية زكي البطاط
كاتبة | عراقية


 
في خضم الفوضى البصرية وكثرة السرديات المتناقضة، يبرز الفيلم التسجيلي للمخرجة العراقية إيمان خضير بوصفه شهادة بصرية نزيهة عن ثورة الأول من تشرين 2019، تلك اللحظة التي خرج فيها الشباب العراقي، ليطالبوا بوطنٍ يليق بتضحياتهم. 
عملٌ سينمائي تسجيلي جريء، لا يكتفي برصد الحدث، بل يضعه في سياقه الإنساني والأخلاقي، بعيدًا عن التزييف أو الانتقائية.
اعتمدت المخرجة إيمان خضير في فيلمها على كاميرا حاضرة في قلب الحدث، كاميرا لم تختبئ خلف المسافات الآمنة، بل اقتربت من الشارع، من الساحات، ومن الوجوه التي صنعت الثورة ودفع كثير منها حياته ثمنًا لها. وقد سلّط الفيلم الضوء، بجرأة مؤلمة، على الضحايا في لحظاتهم الأخيرة، موثقًا مشاهد لا يمكن فصلها عن الذاكرة الجمعية، ولا عن سؤال العدالة الذي ما زال مفتوحًا حتى اليوم.

ولم يتجاهل العمل فعل العنف الذي وُوجه به المتظاهرون منذ الأيام الأولى للحراك، إذ وثّق استخدام الرصاص الحي عبر قناصة استهدفوا المحتجين بشكل مباشر، إلى جانب الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه التي استُخدمت بكثافة وبأساليب قاتلة تجاوزت هدف تفريق التظاهرات إلى إيقاع أذى جسدي بالغ. 
كما كشف الفيلم عن حالات الاختطاف والاعتقال القسري التي طالت عددًا من المتظاهرين والناشطين، حيث اختفى بعضهم قسرًا ولا تزال مصائرهم مجهولة حتى هذه اللحظة. 
 يعكس العمل عمق الانتهاكات التي رافقت الثورة ويضع المجتمع أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية لا يمكن إنكارها.
ومن أبرز ما توقف عنده العمل، توثيقه للدور الإنساني والبطولي لـ قائدي “التك تك”، أولئك الشباب الذين تحوّلوا، في لحظة انهيار الخدمات، إلى خطوط إسعاف بديلة. حين عجزت سيارات الإسعاف عن دخول المناطق المكتظة بأجساد المتظاهرين والمتظاهرات، كانت تلك المركبات البسيطة تنقذ الأرواح، تنقل الجرحى، وتخترق الخوف والرصاص بلا حماية سوى الإحساس العميق بالمسؤولية الإنسانية. لم يقدّمهم العمل كرموز أسطورية، بل كبشر عاديين وجدوا أنفسهم في قلب بطولة استثنائية.
لم تغفل كاميرا إيمان خضير دور المرأة في الثورة بل دارت بذكاء لتتفقد تلك المشاعر وذلك الحضور القيّم والخلاق متصدّيًا بوضوح محاولات التشويه المتعمّدة التي رافقت الحراك، فكشفت الكاميرا وبذكاء السرديات التي سعت إلى اختزال وجود المرأة في أدوار هامشية، أو تلك التي أطلقت إشاعات أخلاقية للنيل من المتظاهرات وتشويه مشاركتهن. 
جاء رد الفيلم حاسمًا، بالصورة لا بالشعار، حين قدّم المرأة بوصفها فاعلًا حقيقيًا: متظاهرة، مسعفة، منظمة، وصوتًا حاضرًا في قلب الفعل الثوري، لا على هامشه.
تميّز العمل بأسلوب تسجيلي يتسم بالبساطة والصدق، مبتعدًا عن المبالغة أو التوجيه القسري للمشاهد. تركت إيمان خضير للصور أن تقول حقيقتها، وللأصوات أن تعبّر عن نفسها، فبدت الثورة كما هي: متعددة، فوضوية، موجوعة، لكنها صادقة.
إن هذا الفيلم لا يمكن التعامل معه كمجرد وثيقة أرشيفية، بل بوصفه مقالًا بصريًا في الوعي والذاكرة، يواجه محاولات الطمس والتزييف، ويعيد الاعتبار لأبطال مجهولين، ولضحايا لم يُنصفوا، ولنساء حاول البعض إقصاءهن من المشهد.
فيلم إيمان خضير هو عمل يخاطب الرأي العام، ويذكّر بأن الحقيقة، مهما حوربت، تجد دائمًا طريقها إلى الضوء حين تمتلك من يدافع عنها..