كنوز نت - بقلم: رانية مرجية


محمد بكرية في «أرملة من الجليل»: الذاكرة حين تتحوّل إلى وطن بديل
  • بقلم: رانية مرجية
لا يكتب محمد بكرية في «أرملة من الجليل» روايةً عن الماضي، بل يُعيد تشييد الماضي داخل الحاضر، بوصفه بنية حيّة لا تكفّ عن الفعل. نحن أمام نصّ لا يستدعي الذاكرة كأرشيفٍ سرديّ، بل يقيمها كشرط وجود: من دونها لا ذات، ولا معنى، ولا نجاة. هكذا تتحوّل الرواية من مجرّد سردٍ سيريّ إلى مشروع مقاومة ضدّ المحو.
منذ العتبات الأولى، يفرض النص معادلته الجوهرية: الأم = الذاكرة = الوطن. هذه ليست استعارة بلاغية عابرة، بل نواة بنيويّة تنظّم حركة السرد، وتحدّد علاقته بالزمن، وبالشخصيات، وبالحدث التاريخي.
الطفل السارد: وعيٌ مكسور يرى أكثر مما يفهم
اختيار الطفل ساردًا مركزيًا ليس خيارًا عاطفيًا ولا حيلة تعاطفيّة، بل قرار جمالي واعٍ. فالطفولة هنا ليست مساحة براءة، بل ساحة هشاشة. الطفل لا يمتلك أدوات الفهم، لذلك يرى العالم في صورته الخام: الرصاص صوت، الدبابة كتلة، الموت فراغ، والخوف حالة دائمة لا تفسير لها.
بهذا المعنى، لا يصف السارد الحدث، بل يعيشه جسديًا. السياسة لا تأتي خطابًا، بل أثرًا نفسيًا؛ ويوم الأرض لا يُروى كتاريخ، بل كصدمة تأسيسيّة كسرت الإحساس بالأمان إلى الأبد. وهذه إحدى أهم فضائل النص: أنه يكتب القمع من داخله النفسي، لا من سطحه الأيديولوجي.
غير أنّ هذا الخيار السردي، على قوّته، يُنتج أحيانًا إطالة شعورية غير ضرورية. بعض المقاطع تستغرق في توصيف الخوف ذاته، بدل تطوير المشهد دراميًا، ما يُضعف التوتّر السردي في لحظات كان يمكن تكثيفها دون المساس بالأثر.
الأم: من شخصية روائية إلى بنية نجاة
الأم في «أرملة من الجليل» ليست شخصية مكتملة بالمعنى التقليدي، بل وظيفة وجوديّة. هي الحاجز الأخير بين الأطفال والفوضى، بين البيت والعالم، بين الحياة والموت. لا تخطب، ولا تنظّر، لكنها تعرف متى تُغلق الأبواب، ومتى تضمّ الأطفال، ومتى تُخفي الخوف بدل مواجهته.
قوّة هذه الشخصية تكمن في لا خطابيتها؛ فهي تمارس المقاومة بصيغة الحياة اليومية. ومع ذلك، يقع النص أحيانًا في منزلق التقديس الصامت، حيث تُقدَّم الأم بوصفها كائنًا صلبًا بلا تصدّع. كان لتعميق هشاشتها، والسماح بانكساراتها الداخلية، أن يمنح الشخصية أفقًا إنسانيًا أوسع، دون أن ينتقص من مكانتها الرمزية.
المكان: من جغرافيا مصادَرة إلى ذاكرة مكتوبة
يُتقن بكرية تحويل التفاصيل اليومية—المطبخ، الحاكورة، الزقاق، الباب الحديدي—إلى فضاءات اشتباك سردي. المكان هنا ليس خلفية، بل شاهد. وحين تُصادَر الأرض في الواقع، تُستعاد في النص بوصفها ذاكرة مضادّة.
غير أنّ هذا الاشتغال المكاني، على غناه، يقترب أحيانًا من التوثيق الزائد، حيث تتراكم التفاصيل على حساب الإيقاع الروائي. هنا يظهر التردّد بين السيرة بوصفها شهادة، والرواية بوصفها بناءً فنيًا، وهو تردّد لم يُحسم دائمًا لصالح التكثيف الجمالي.
السياسة: الحضور بلا خطاب
تحسب للرواية قدرتها على تفادي الخطاب السياسي المباشر. يوم الأرض لا يُقدَّم عبر الشعارات، بل عبر أثره العميق في الوعي الطفولي. القمع يُرى، لا يُشرح. وهذه من أنجح اختيارات النص.
إلّا أنّ بعض المقاطع تميل إلى الشرح السياقي التفسيري، وكأن الكاتب يخشى سوء الفهم. هذا القلق مفهوم، لكنه فنيًا كان يمكن تجاوزه بثقة أكبر بالقارئ وبقدرة الصورة السردية على حمل معناها.
اللغة: بين الحسّية والتحميل الزائد
لغة بكرية مشحونة، حسّية، قادرة على خلق صورة موجعة ومقنعة. لكنها أحيانًا تُثقِل نفسها بتراكم انفعالي، حيث تتجاور الجمل المتشابهة شعوريًا دون ضرورة بنيوية. في لحظاتها الأقوى، تكون اللغة أكثر اقتصادًا، وتترك للصورة أن تعمل وحدها.
خلاصة
«أرملة من الجليل» رواية صادقة ومؤلمة ومهمّة. قوّتها الكبرى أنها لا تكتب البطولة، بل النجاة الهشّة، ولا تؤرّخ الحدث، بل تفضح أثره النفسي العميق. هي نصّ ينجح في تحويل الخاص إلى جمعي، والذاكرة الفردية إلى شهادة وجود.
أما نقاط ضعفها، فتنشأ من فائض القرب العاطفي: الإطالة، التفسير، والميل أحيانًا إلى تثبيت الرموز بدل تعقيدها.
ومع ذلك، تبقى الرواية عملًا أدبيًا يُحسب لمحمد بكرية، لأنه يجرؤ على قول ما هو أصعب من الصراخ:
أن الخوف لا يزول… لكن حين يُكتب، يفقد جزءًا من سلطته.