كنوز نت - حسن عبادي/ حيفا


متنفَّس عبرَ القضبان (105)

  • حسن عبادي/ حيفا
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرى أحرار يكتبون رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/أو مؤسسّة)؛ تبيّن لي أنّ الكتابة خلف القضبان متنفّس للأسير، ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛

عقّب الصديق المقدسيّ إبراهيم جوهر: "دمت تنقل لنا ما يشفي القلوب بالطمأنينة النسبية... والفرج والسلامة لصديقنا أبي خليل الذي سيخرج ليكتب لنا تجربته في بطن الحوت..."

وعقّبت الصديقة أزهار عبد الحميد: "ربّ ضارة نافعة. عظيم كما عرفناك وستبقى محمد عليان. لك كل الاحترام أستاذنا وسلامنا ودعواتنا لكلّ من تتمكن من لقائهم وتكون البسمة لقلوبهم والصوت الصادق المعبر عنهم، آملين بالفرج القريب".

وعقّبت الصديقة إيناس زكي عويسات: "ننتظر هذا البوست منذ يومين لنطمئن على الغالي العم أبو خليل. الفرج القريب يا الله. شكرا ع مجهودك أستاذ حسن".

أما تعقيب ميسر العطياني فكان: "معك حق ابا البهاء حينما كنا هناك خلف الشمس ونؤخذ عنوة إلى التحقيق أو المحاكم كنا نتوق للعودة إلى الزنزانة فقد آلفنا أن نبقى بها فضلا عن باص البوسطة والغرف الإسمنتية الباردة".

وعقّبت أم الأسرى كمال ومحمد هاني جوري: "استاز حسن العبادي كل الاحترام لشخصك الكريم. تعجز الكلمات عن شكرك. لزيارة أسرانا خلف القضبان مهما كانت المسافات تنطلق من الفجر الباكر لتوصل رسائل الأهالي وسلامتهم وأخبارها للأسرى ونحن ننتظر عودتك لتسرد علينا أحاديث أسرانا الابطال. واوضاعهم. اطال الله في عمرك استاز حسن لخدمة الوطن ولخدمة أسرانا الابطال. في ميزان حسناتك ان شاء الله"
 .

" ألفِة عن ألفِة بتفرِق"

كتب الأديب المقدسيّ ذات صباح كانونيّ "حمام زاجل في بلادنا. كنت أظن أن الحمام الزاجل مضى وانتهى واكتشفت أننا لا نستغني عنه رغم وسائل التواصل الحديثة والهواتف بأنواعها...مندوب الحمام سيحمل تحايا وكلمات وأمنيات لتصل إلى المرسل إليه. قل له يا صديقنا: سلام لك وسلام عليك وأنت شاهد على مرحلة من الظلم والهزيمة ثم الصعود...".

غادرت حيفا الساعة الخامسة والنصف صباح الاثنين 22 كانون الثاني 2024، برفقة صديقي ظافر، ووصلتُ سجن ريمون الصحراوي الساعة التاسعة، وبعد إجراءات بيروقراطيّة طويلة، التقيت بالأسير المقدسيّ محمد خليل عليان.



أطلّ من آخر الممر الطويل مُلتحياً ومبتسماً وبادر بوابل من القبلات عبر الزجاج المقيت؛ كان مقيّد اليدين بالكلبشات البغيضة، وإثر احتجاجي تمّ فكّها.
حدّثني عن أوضاع المعتقل؛ دييتا إجباريّة قاتلة، أقلّ أسير نزل 10-15 كيلو، وجبات قليلة لا تُشبِع إطلاقاً "تُبقينا على قيد الحياة"، ألم الجوع، مريض السكري يتناول 3 وجبات شحيحة بدل 6 وجبات، وقّف الأنسولين السريع، الوضع سيّئ جداً، فش فورة، فش دخان، فش أكل، فش لِبِس، فش كتب، فش وسائل تواصل، فش علاج، لا نظام دواء ولا نظام أكل، الأمور في مسار كارثي، والخوف من موت جماعي للأسرى، الضرر الجسدي يُعالَج برّا لكن النفسي لا، وبات السجن وكراً للأمراض النفسيّة، وحدّثني بحِرقة عن وضع الحركة الأسيرة السيّئ جداً.

استفسرت عن وضعه الصحي (مواليد 1955وكان يتعاطى 11 نوع دواء) فابتسم وقال: "سأطلع من جوف الحوت اليوم أو بكرا، مثل ما أنا. رغم السكري لن يؤثر على نفسيّتي ومعنوياتي، بشتغل على نفسيتي أكثر من صحتي، هدفي لمّا أطلع أكون محمد عليان، مش أقلّ".

قرأت على مسامعه خاطرة (صديقي ميم خاء عين) فضحك وقال: "هاي أكيد لعزيزنا أبو إياس"، وخاطرة (عمّي امحِمَّد) فعقّب قائلاً: "هاي أكيد إبراهيم ونسب"، و(حمام زاجل في بلادنا).

حدّثني عن سماعه خبر استشهاد أحمد (ابن أخيه)، وحمد الله أنّه لم يُسمح له بالحبس المنزلي "ربّ ضارّة نافعة، كيف بدّيش أستقبل المعزّين وأكون مع أخوي؟".

قال فجأة: "خايف آلف الغرفة لدرجة ما أقدر أعيش برّا، بحاول أحب تفاصيل صغيرة بالغرفة".

ألفة عن ألفة بتفرِق.

تبادلنا توصيل السلامات، فطلب إيصال سلاماته لسهام والأحفاد والجميع، وسلام خاص لزوجتي سميرة.
ما زال التريننغ ممنوعاً من الدخول.

لك عزيزي (أبو البهاء) أحلى التحيّات، الحريّة لك ولجميع أسرى الحريّة.
   حيفا كانون الثاني 2024





صورة  تجمع محمدعليان وابراهيم جوهر وشقير وحسن عبادي