كنوز نت -  بقلم : هناء عبيد


أحلام مؤجلة


هناء عبيد

يمتدّ بصره نحو السّلسلة الذهبيّة الممتدة على الشّاطئ؛ تلك المجدولة بقطرات عرقه، المبنيّة بذراعيه الفتيّتين، تطلّ نوافذها على شعاعات الشّمس المتسرّبة من بين نواجذ الظّلام، يتنفس  بعمق فخورًا، الإمكانيات محدودة، الحدود محاصرة؛ لكن الإرادة اعتصرت من اللاشيء كل شيء.

جاء دوره لتضمّه جدران دافئة بين أنفاس عائلة. العرس موعده اقترب، لا بد أن ينتهي من بناء الشّقة خلال شهرين. ينتظر عروسه البهيّة بفارغ الصبر. أشجار الزيتون المغروسة في العمق منذ  الأزل؛ تمد سواعدها لتعانقهما تحت ظلّ أوراقها الوارفة المروية بقطرات ماء نديّ.

لم تتح المساحة المحدودة الممنوحة له أن تتعدد الغرف المنشأة على سطحها أو تتسع كما أراد، يعلم أن سطح الشقة سيكون أرضيّة لشقة أخرى تعلو شقته؛ لهذا أحسن تسليح سقفها ودججه بالقضبان الحديدية المناسبة، جانب البيت سيكون ملاصقًا لشقق أخرى، ستكون هناك جدران مشتركة بين العائلات الّتي تمد أرغفة محبتها كلما استدعت الحاجة.

مساحة المدينة صغيرة، تكتظ بالسّكان بكثافة تفوق الاحتمال، لا بد أن تأخذ المباني حيزها في الفضاء متسلّقة سلالم الأحلام المؤجلة، الأمر الّذي يدعو إلى الضجر في مدن تنعم بالرخاء، الوضع يختلف في غزة، المشاركة أمر حتمي محبب، التعاون يجسد معانيه في أرواح سكانها.
يتأكد من القضبان الحديديّة الممتدة على السطح المبسوط من الخشب، ومتانة السّقالات والأدراج الخشبية؛ ليضمن سلامة العمال والبناء.
الخلاط يدور بما احتواه من كميات مواد مناسبة، تضمن قوة احتمال عقدة السطح بعد اشتداد قوامها -الإسمنت، الماء، الحصمة-.
تمت عملية (الصبّة) بسلام.

أطلت أمّه من بعيد، تحمل معها بعض الأرغفة الّساخنة الّتي خرجت لتوّها من فرن الطّابون، يسير بجانبها حفيدها، يحمل صينيّة الشاي، تنبعث رائحة النعناع المنعشة في الهواء، تطفي نعومة  في الأجواء.
يعطيكْ ألف عافية يمّا، إن شاء الله تكون دار الهنا والسعادة.
ببركاتك ودعواتك يمّا.
والده والجيران، قدموا الأضحية مباركة على أول لبنة في بناء أسرة مكتظّة بالأحلام.

انهمرت قطرات الغيث فرحًا. أكل الجميع مباركين. أبرقت السّماء بشعاع أعمى الأنظار بعد رعدٍ أصمّ الآذان، أعقبهما حرائق التهمت الأحلام، أحرقت الأزهار والشّجر، دمرت المباني. القطع الخرسانية دفنت الأجساد الندية، أصوات الأطفال تتعالى من تحت الركام مستغيثة، القصف يشتد؛ صواريخ وقنابل تقذف غضبها على المدينة الحزينة،اشتد ظهره، كبّر كثيرًا، بحث عن مصدر الصّراخ، من تحت ركام سقف بيته، ظهر ذراعٌ ندي، تقبض يده على غصن نعناع أخضر طازج، من الجانب الآخر، ظهرت كوفيّة موشحة بالدماء مجدولة بقطعة من ثوب مطرز. 
اختلطت دموعه بالأتربة المنثورة على وجهه،حمل أحلامه الشّهيدة، رفع رأسه للسماء، التهمه الحريق؛ ولا يزال صوته يصدح عاليًا:
أشهد أن لا إله إلا الله، الحمد لله.