كنوز نت - بقلم: محمد ابراهيم سواعد- ابن الحميرة


ألم وأمل

  • بقلم: محمد ابراهيم سواعد- ابن الحميرة

تحاصرنا آلام الحياة ومصاعبها حنى يظن المرء أنه لا حيلة للخروج من هذه الأزمات والكروب، وربما تضيق علينا الحياة من شدة كروبها فنخرج للناس فكر المحن، وهو الفكر الذي يكتبه المنظرون والموجهون للأمم في ساعة الكرب، حتى يصبح هذا الفكر أحيانا مرجعا للأمة في حياتها كلها حتى بعد زوال الهموم.


ولكن النصوص الدينية ومواقف النبي صلى الله عليه وسلم كانت توجه الأمة إلى الفرج والفرح والبِشر حتى في أشد ساعات المحن والفتن وهذا من عمق الفهم والدراية وبعد النظر في سيرته صلى الله عليه وسلم، فها هو يمر على آل ياسر يعذبون في رمضاء مكة على دينهم وعقيدتهم، فيقول لهم مبشرا (صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)، فلا ريب أن هذه البشارة لما سمعتها قلوبهم وأرواحهم استعذبت الألم واستهانت بالعذاب الذي يطال الأجساد طمعا في المآل المنتظر وهو جنات النعيم، ولما كان صلى الله عليه وسلم في أشد مواقف الحزن بعد موت زوجته الصادقة المخلصة خديجة التي كانت تمثل عامل الأمن الداخلي في حياته فكانت تخفف آلامه وتواسي جراحه وتضمد روحه عندما يعتريها من المصاعب، ومات عمه أبو طالب الذي كان يمثل الأمن الخارجي أمام الناس جميعا، وبعدها كانت رحلته إلى الطائف التي لاقى فيها أشد مما لاقى من قريش، فرجع إلى مكة ودخلها بحماية المطعم بن عدي؛ فتجرأت عليه قريش وقذفته بالأذى والقاذورات، فقالت فاطمة وا كرب أبتاه؛ فقال عليه الصلاة والسلام: لا كرب على ابيك بعد اليوم يا فاطمة، فكانت رحلة الإسراء والمعراج بداية مرحلة جديدة من الأمل والقوة في حياة الدعوة الإسلامية، ولما هاجر صلى الله عليه وسلم وكان في الغار وأوشك المشركون أن يدركوهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا، فقال عليه الصلاة والسلام؛ يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، وهاجر بعدها إلى المدينة المنورة فلما كان في بعض الطريق أدركه سراقة بن مالك يريد أن يحظى بجائزة قريش، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع يا سراقة ولك سواري كسرى، فيا لها من شخصية قيادية تحمل ابعادا فكرية ونفسية عميقة جدا، فكيف لشخص مطارد وليس معه إلا صاحبه أبو بكر ودليل مشرك أن يبشر بانهيار واحدة من أعظم الممالك التي عرفها التاريخ؛ مملكة فارس، وذلك ما كان بعد سنوات قليلة من الهجرة النبوية حيث انهارت مملكة فارس والروم في فترة وجيزة بين القادسية واليرموك سنة 14-15 هـ .

وتمثلت حياته وسيرته صلى الله عليه وسلم بصناعة الأمل وسط بحار الألم والمصاعب التي واجهها وعاشها خلال مسيرته الدعوية ولم يفتّ من أمله كل تلك المحبطات والمثبطات التي يشيب لهولها الولدان وتنحني لعظمتها الجبال الرواسي، حتى أنه عليه الصلاة السلام قال أمر علي بن أبي طالب أن يبيت في فراشه وبشره بأنه لن يصيبه منهم مكروه.

إن كل هذه المعاني العميقة والمواقف المشرقة في سيرة النبي صلى الله عليه سلم يجب أن تكون ملهمة لنا نحن المسلمين وملهمة لكل قائد ومسؤول يتولى أمر الأمة في شيء من دينها ودنياها ليصنع من الآلام أمالا ومن المحن منحا ومن اليأس عطاء، ليصنع من تلك الحجارة التي تلقى عليه أبراجا يستشرف بها مستقبلا مشرقا لمن حوله من رعيته وأتباعه بل للبشرية جمعاء.