كنوز نت - هَـنـــادي عَـفَّـــانـة .

ما زِلْنا صِغاراً

أنا ما زِلْتُ الأثرَ منْ بعدِ عينِ ذاكَ النَّهارِ
أنا ما زِلْتُ البارودَ المُبعثرَ و رمادَ تِلكَ النَّارِ
أنا ما زِلْتُ حَطَبَ قِطارِ السِّنينَ و سِكَكَ المِشوارِ
أنا هوَ أنتَ ، و هُمْ ما زالوا نحنُ
فهل لكَ أنْ تتذكَّرَني ؟
حينَ كُنَّا رَحيقاً لِلياسَمينِ و مُراهقةِ الأزهارِ
نُصافِحُ الرِّيحَ بأنامِلِنا
و نُصفِّقُ لها معَ ورقِ الأشجارِ
نَعُدُّ الأنجُمَ الشَّاردةَ
و نبحَثُ عنِ القمرِ في وَضَحِ النَّهارِ
نكمُشُ حَبَّاتِ رِمالِ الشَّاطئِ
و نُلقِيها على الأمواجِ حَفْنةً من الأسرارِ
و نُحصي تَعدادَ حُبوبِ القمحِ
التي نثرَها مُزارِعٌ في الأغوارِ
هلْ لكَ أنْ تتذكَّرَ حينَ كُنَّا نلهو سَوِيَّاً
بعُودِ الكِبْريتِ على بَيْدرِ الأفكارِ ؟
و نُشعِلُ سيجارةً ...
منْ ورقِ الشَّقاوةِ و منْ تبغِ الغُبارِ
و نسرِقُ منَ القِطَّةِ السَّوداءِ مَخالِبَها و نسبِقُها بالفِرارِ
حينَ كُنَّا نُمشِّطُ فَرْوةَ كلبٍ بأسنانِ ورقِ النَّخيلِ
و نختَلِقُ لِأنفُسِنا الأعذارَ
ونتلصَّصُ النَّظَرَ لِعَروسِ البحرِ
و هيَ تستحِمُّ بالإبكارِ

حينَ كُنَّا نُبارِزُ بسُيوفِنا الخَشَبيَّةِ طَواحِينَ الهواءِ
و نَصُدُّ غَزَواتِ الأمطارِ
و نسرِقُ زيتَ السِّراجِ
و نخلِطُها معَ خُبزِ الطَّابونِ في وقتِ الإسحارِ
و نرسُمُ خارِطةَ طريقِ المراعي
و نغنَمُ حليبَ الإبِلِ والأبقارِ
حينَ كُنَّا نمسَحُ عنِ اللَّوحِ المدرسيِّ
أسماءَ الغِيابِ و الشُّطُّارِ
و نرسُمُ وجهَ الفتاةِ التي نُحِبُّ بالطَّبْشورةِ على الجِدارِ
حينَ كُنَّا ننسُجُ منْ بُزوغِ الفجرِ لِثاماً
و منْ غُروبِ الشَّمسِ خِماراً
و نحفِرُ على مَقاعدِنا الخَشَبيَّةِ خارِطةَ الوطنِ بالمِسمارِ
و نُخفي في حَقائِبِنا صُوَرَ شهيدِ الثُّوارِ
و نشتري حصَّالةَ العيدِ و نكسِرُ خُبزَ الإفطارِ
ونركَبُ عجلةً هوائيَّةً دواليبُها تسبَقُ عجلةَ الجَرَّارِ
و نتشاجَرُ على حُبِّ ابنةِ الحَيِّ و الجارِ
و نرتدي كُوفيَّةَ الوالِدِ وعِقالَ جَدِّنا الخِتيارِ
و نُفَتِّشَ زُنَّارَ جدَّتِنا و الجَواربَ عنِ الدِّرْهَمِ و الدِّينارِ
و ها قدْ عُدْنا مُفْلِسينَ منْ أقدارِ مَحَطَّاتِ الأعمارِ
شابَتْ أيَّامُنا و ما زِلْنا نحنُ الصِّغارِ

  • هَـنـــادي عَـفَّـــانـة .