كنوز نت - بقلم هناء عبيد


حينما تُكْتَب الرواية بقلمٍ ذكي | سهيل كيوان ورواية بلد المنحوس

  • بقلم هناء عبيد

 صدر عن مكتبة كل شيء حيفا ٢٠١٨ رواية بلد المنحوس للروائي الفلسطيني سهيل كيوان.
الرواية تقع في ٣٢٨ صفحة من الحجم المتوسط.
تأسرني تلك الروايات التي أقرأها باستمتاع، فتشدني إلى آخر صفحة دون الشعور بالملل، وهذا ما حصل مع هذه الرواية التي طغى عليها عنصر التشويق بشكل ملحوظ.
من الواضح جدًّا أن العمل استغرق الكثير من الدراسة، والبحث والتمحيص، يظهر ذلك جليًا من كم المعلومات التي زخرت بها الرواية والتي تدل على ثقافة الروائي ووعيه الكبير.


كما بدا واضحًا مدى علاقة الروائي بالموسيقا، ومدى ثقافته بها، وإن لم يكن له في ذلك، فهذا يدل على مدى ذكائه في إقناع القارئ بصلته العميقة بها.
كما كان للأهازيج الشعبية والأغاني التراثية مكانها في عدة مواقع، لتدخل البهجة إلى القارئ ولتكون توثيقًا لهذا التراث الفلسطيني المتميز
تدور أحداث الرواية حول الاحتلال الغاشم لفلسطين واغتصاب أهلها، وتتخذ من عكا المكان الذي يدور فيه رحى الصراع والتوتر والقلق. ورغم كل المعاناة التي تعيشها هذه المدينة العريقة الأثرية، والظروف القاسية التي يتعرض لها سكانها، إلا أننا نستطيع أن نرى بهاءها وجمالها وحسنها ونحن نتجول مع عذب كلمات الروائي في شوارعها ونتعرف معه على زقاقها، ونتنسم برئتيه هواءها، ونغوص في معالمها.
ومن الواضح من خلال السرد، أن الروائي أراد أن يطلعنا على الحضارة العظيمة التي تتمتع بها هذه المدينة الجليلة، حيث المسارح والسينما والمراكز الثقافية والحفلات الغنائية التي كانت تقام فيها والتي كان أحدها حفلة لفريد الأطرش وتحية كريوكا. وهو بذلك يريد أن يدحض الأكاذيب التي تقول بأن فلسطين ازدهرت فقط حين دخلها الاحتلال، فكذبهم وصل إلى حد القول أن فلسطين كانت تعاني من الجهل والتأخر، وأن من جعلها تطول سماء الازدهار هو جهد المحتل.


 نعيش مع الأحداث كل الأحزان التي طالت هذه المدينة البهية، إذ لم يترك الاحتلال أمرًا إلا وكان لدماره فيها آثاره البشعة.
لقد ذقنا المرار الذي ذاقه قدورة وهو يرى الدنس يطول دارة الفن التي يعتبرها جزءًا من جسده، تتوزع فيها الأجسام الغريبة وتقوم بالتطبيل المزعج، وما أصعبها من لحظات حينما رأى القانون وقد دمرت أوتاره أمام عينيه، نرى هذه الصورة المؤلمة في ص ١١٨ حيث تألمنا وبكينا وأحسسنا المرارة التي تجرعها قدورة وهو يرى الدارة وهي تنسف أمام عينيه.
 ولم يكتف هذا الإجرام بالاستيلاء على المباني والأراضي، بل تعداه ليسلب كرامة الإنسان وهذا ما نراه مع الخياطة زهرة التي لن تستطيع طلب حقها أو التحدث عن جريمة الاعتداء عليها التي شرع بها يوآب بتحريض من أوريا.
حتى أسماء الشوارع العريقة لم تسلم من هؤلاء المخربين، فقد حولوها من أسماء أبطال لهم نقشهم الذهبي في ذاكرتنا إلى أسماء عبرية عابرة شاحبة الروح، فيتحول شارع الرشادية المنسوب إلى السلطان العثماني رشاد باشا إلى شارع بن عامي.
أرادوا أن يطمسوا كل معلم اعتقادًا منهم أنهم يستطيعون اقتلاع أهل البلاد من جذورهم، ولم يدروا أننا نتنفس هواء فلسطين حتى وإن نفينا إلى سطح فضاء آخر.


ولم ينس الروائي في خضم هذه الأحداث المتوترة أن يشير إلى بعض العائلات التي باعت أرض فلسطين للعدو، ومنها عائلة سرسق اللبنانية؛ ليدحض بذلك تلك الفكرة المترسخة لدى الجهلاء بأن أهل فلسطين هم من باعوا أرضهم.
التاريخ يكتبه المنتصرون، هكذا تقول الأساطير، وتناسوا أن التاريخ يصنعه أيضًا قلم ذكي متمرس يستطيع أن يسطر معاناة المظلومين بدقة، يدخل في أعمق التفاصيل، فيجعل من التاريخ محفظة تترسخ في ذاكرة كل من قرأ هذه المخطوطة التي تقطر صدقًا.
لقد برع الروائي هنا بأن يجعل من مادة التاريخ المنبوذة للبعض، معشوقة تجذب بجدائلها المنظومة بعناية كل من يغوص في سراديبها ليقول هل من مزيد، فلا ينفك عنها من أول حرف وحتى آخر حرف فيها.
الشخوص في الرواية تنوعت لتتناسب مع حجم المعاناة لشعب اغتصبت أرضه، ومع مساحة الخراب التي خلفتها الأيادي الغاشمة حين وطأت أقدامها أرض القداسة والتاريخ والتراث والعشق.


فنتعرف على قدورة أستاذ الموسيقى، الذي يدرس الموسيقى في مصر، ونجمة وابنها شكري وزوجها أمين، وياسمين.
ونكره مخلوف الذي حصل على تلفون لأنه استجاب إلى المندوب السامي ولبس الطربوش بدلًا من نداء القسام بلبس الحطة والعقال، ونتعرف على ابنه رسمي الذي يشابه أباه في القذارة والدناءة، وكأن الروائي يقول أن ذلك النذل من ذاك الحقير، وأن من له تاريخ موشوم بالعار سيسترسل في خطه بعار أكبر، إذ في بداية الأحداث تتضح صورة رسمي البشعة عندما ارتكب جريمة شنيعة بحق فتاة تدعى جمالات.
ونتعرف على راتشنسكي الذي انتحل شخصية إيزاك وهاجر إلى فلسطين ليعمل في الهاجاناه، نتعرف على بات شيبع، المرأة اليهودية التي تحاول إيقاع العرب في براثن الشر لتحولهم إلى شياطين، نتعرف على أوريا الذي دفع يوآب لارتكاب عمل شنيع يتناسب مع بشاعة شعب محتل مغتصب مخرب،
الشخصيات مدروسة بدقة وموزعة على الأحداث بما يناسبها، فلكل شخصية معالمها وملامحها وحكايتها التي أخدنا الروائي من خلالها لنغوص معه في ملحمة كتبت تاريخ اغتصاب ارض، وسرقة وطن وتشريد شعب.


نتجول من خلال سطور خطت بحكمة لنتنقل من مدينة إلى أخرى ومن حدث إلى آخر دون أن يتشتت الذهن، فالأحداث وإن كانت مختلفة في تواجدها المكاني أوالزماني إلا أنها ترتبط بمتانة حبكة متقنة تجعل من سلاسة التنقل متعة وإن كانت الرحلة بين الأشواك.

 ينقلنا الروائي إلى وارسو لنتعرف على البيئة وطبيعة الحياة التي أحاطت ايزاك وراتشنسكي وربيكا وليئة وحياتهم قبل دخولهم الى فلسطين، لقد عانوا من ويلات النازية، لكن هذا لا يعطيهم الحق باستلاب أرض غيرهم، فمن يسرق أرضًا ويشرد شعبًا بلا حق يفقد كل تعاطف.
يظهر الروائي خباثة المحتل ومحاولته التعرف عمن يبيعون ضمائرهم من أجل حفنة من الدولارات، أمثال رسمي
فقد طلب ايزاك من رسمي تعريفه على الناس التي يمكن أن تبيع بيوتها أو تأجيرها في عكا، فهو يعرف أهل البلد، يذكرنا هذا بالأحداث الحالية في الشيخ جراح ومحاولة إخلاء البيوت من سكانها.


ويظهر خبث المحتل أيضا حينما قتلوا الدكتور أنور شقير في عكا واتهموا الثوار بقتله ليشعلوا فتيل الفتن بين أهل الوطن الواحد، إنه ديدنهم الذي لن يتخلوا عنه مدى الدهر.
تمتع الروائي بخيال واسع بدا في كل أحداث الرواية، إذ ندرك من خلال الفكرة الأساسية التي استندت عليها الحبكة مدى خصب خيال الكاتب، حيث راتشنسكي الذي ينتحل شخصية ايزاك وصفاته المتميزة، وعينه اليسرى التي تتكون من لونين البني والأزرق، ولعل هذا مثال بسيط في بحر من خيال الكاتب.
 الحبكة وربط الأحداث وتعدد الشخصيات في الرواية تحتاج إلى ثقافة متفردة، وتركيز شديد لأن الخيوط التي تشبكها معًا تحتاج إلى براعة حائك متمرس ليحيكها بمتانة.
تعددية الأصوات في الرواية جرت بسلاسة، فالروائي يسرد الأفكار بأريحية من خلال السارد العليم الذي ينتقل إلى السارد الداخلي فالسارد الغائب بسلاسة دون قطع في التسلسل أو إرباك في الاسترسال.
وهذا يعطي الفرصة لجميع الشخوص بالإفصاح عن أنفسهم بأريحية.
طغت على لغة الرواية العربية الفصحى وتخللها بعض اللغة المحكية الفلسطينية.


واتسمت بالمتانة والبلاغة والسلاسة، كما تطعمت بالشاعرية التي توزعت بين حدث وآخر دون أي تشتت عن المحور الأساسي في الموضوع
تكاملت العناصر الفنية في الرواية لتجعل منها رواية ناجحة بكل المعايير، إضافة إلى أنها تمثل وثيقة تاريخية مهمة تضيف قيمة وثراء إلى مكتباتنا العربية.




  • هناء عبيد