كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد



إن أثلجت...!

  • د. منعم حدّاد


و"طرحت الدنيا" على الصليب وأمطرت مطراً روى الأرض وهيّأها للزراعة، وجاء شهرا تشرين الأول والثاني وهما صيف ثان كما يقال، وبذر الفلاحون الحب واتكلوا على الرب، وأنهوا زرع قمحهم وشعيرهم وعدسهم وباقي البذور للموسم القادم، وشرّف كانون الأول وكانون الثاني، واحتفل المسيحيون بعيد الميلاد المجيد واحتفل العالم بأسره برأس السنة الجديدة، وأكمل الفلاحون ما سبق أن بدأوا به من ذي قبل من حرث وزرع، مستغلين فترة انحباس المطر في "الكانونين"،(وكانون صيف ثانٍ!) ومؤمنين بالمثل القائل إن من لا يزرع في كانون الأجرد (من الغيوم) عند الصلايب (أي على عيد الصليب، في شهر أيلول، وهو أواخر موسم جمع الغلال الأخير) يحرد، لأن من لا يزرع فلن يحصد، ومن يزرع يحصد!

وهلّ شباط غاضباً حانقاً، فرغم أن "ريحة الصيف فيه" فقد أتى عابساً من أوله في ذلك العام، وسقط خلال نصفه الأول مطر غزير...
وقبل أن يؤذن بالرحيل مستنجداً بآذار ابن عمه ليتعاونا في تجميع ثلاثة أيام من آذار وأربعة أيام منه لتشكل المستقرضات، كشر شباط عن أنيابه ليربي أولئك الذين استهانوا به ولم يصونوا كرامته لمجرد أنه أقل أشهر السنة أياماً، فعزم على تلقينهم درساً لن ينسوه!

وتلبدت سماء شباط يوماً بالغيوم السوداء الداكنة، وانخفضت درجة الحرارة إلى حد منخفض جداً، وكاد البرد يجمّد الدم في العروق، والرطوبة في جذوع الشجر...وحتى الحيوانات راحت تبحث عن أماكن محمية من الرياح والبرد لتستتر فيها، والحيوانات الأليفة والطيور يشكل بعضها وسيلة ناجعة ليس مثلها وسيلة لاستطلاع حالة الطقس في الأيام التالية، وليعلم الكل أنها إن راحت تلجأ إلى الأماكن المحمية فهذا يعني أن العاصفة وشيكة الحدوث!...
وما أن غربت الشمس وليّل الليل حتى راحت الرياح تتلاعب بأغصان الشجر وتكسر بعضها وتهدد بحمل الصفيح الذي يغطي بعض السقوف والمخازن والأماكن المختلفة في رحلة اللاعودة.

وأضاءت البروق عتمة الليل وجعلتها نهاراً ساطعاً، وتبعتها الرعود لتقصف بهزيمها سكون الليل وتمزّقه وتبدّده، وراحت الرياح تحمل الغيوم السوداء الداكنة وتأتي بها من حيث لا يدري أحد...

وما أن تساقطت بضع زخات من المطر حتى بدأ يتساقط البرد الذي سرعان ما تبعته بلورات الثلج، التي بدأت تسقط شيئاً فشيئاً، ومن ثم تزداد سرعة ووتيرة وكثافة، لتغطي الأرض وتتكدّس عليها في طبقات يزداد سمكها بين الفينة والأخرى...

واستيقظ الناس في الصباح ليروا الجبال المحيطة بالقرية الوادعة وقد اكتست حلة بيضاء أنيقة من الثلوج، وشوارع القرية غمرتها الثلوج إلى ارتفاع الركبتين، ولم يبق ما يتحرك في القرية إلا بعض أغصان ومياه العين الجارية..

وفجأة سمع الناس "دبّة صوت" آتية من مكان ما، يستغيث فيها مطلقها ويستنجد ويستثير همم الشباب، فتتسابق الناس في الوصول إلى مصدر الصوت، لتقديم العون والمساعدة...

ولما وصلوا وجدوا أحدهم وقد سقطت خشبة قد انكسرت وسقطت من سقف بيته، وسقط معها ما كان فوقها من طبقات تراب ومن ركس وأعواد شكلت القاعدة لذلك التراب، وكان الثلج ما زال يتساقط ويدخل البيت من تلك الفتحة ويتكوم على المصطبة...



ولم يطل الانتظار، فقام بعض الشباب بإحضار أدواتهم من مناشير وفؤوس وسواها من عدة العمل وتوجهوا صوب حواكير القرية حيث قاموا بقطع شجرة كبيرة وحمل ساقها إلى بيت الرجل ليردّوها خشبة كتلك التي سقطت ولتسدّ مكانها، بينما قام آخرون بتنظيف المصطبة وإزالة التراب وبقايا الخشب والثلج التي تكدست عليها...


وما أن انتهى العمل حتى كان السكان في أكثرهم يتبادلو ن التراشق بكرات الثلج...مستمتعين بهذه المناسبة التي لا تتكرر كل يوم...
وسمع الشويخ الشباب يعبرون عن خشيتهم وقلقهم من استمرار العاصفة، فطمأنوهم – معتمدين على تجاربهم وتجارب أجدادهم السابقة – وقائلين لهم: لا تقلقوا...لأنها (أي الدنبا) إن أثلجت أفرجت، وليس بعد الثلج إلا شروق الشمس وسطوعها، وليس بعد الليل الدامس إلا النار الساطع...