كنوز نت - د. منعم حدّاد



"الناس أجناس"!



لا ندري من الأصدق: القائل "إن الناس أجناس" أم القائل إن بعضاً من الناس هم أنجس أنجاس الناس!

ولا نقصد ما يقوله الباحثون عن الأجناس والأعراق البشرية، ولا من أنّه لا يوجد شخصان حتى ولو كانا توأمين متماثلان ومتطابقان في كل شيء من صفاتهما الجسدية، ولا توجد بصمتان في العالم كله متطابقتان، فهذه حقائق فيسيولوجية ثابتة لا نقاش فيها!

ولا نقصد أياً من الصفات الموروثة (الجينية) والتي لا سلطة على أي منا عليها، فهي مولودة مع الإنسان وتلازمه طيلة حياته، وقد تزداد وقد تضعف، لكن أحداً لا يملك سيطرة عليها.

لكن الكثير من مكونات الشخصية يتأثر بالبيئة والمحيط وبالأفكار التي تسيطر على المرء في مختلف مراحل حياته العمرية، وللبيئة لا شك تأثير عظيم عليها.

وقد ينشأ المرء في بيئة فقيرة، مثلاً، محروماً يحلم بما يتمتع به الآخرون، فينقلب إلى بخيل طماع لا يعرف للجشع حدوداً!

وقد يحدث العكس تماماً، فقد ينشأ كريماً سمحاً لا يبالي بالمال إن حضر أو غاب، والقيم والأخلاق والفضائل عنده أهم من كل مال الدنيا!

ونجد أحياناً البعض وهو يتمسك بأهداب الدين، لا يفوّت صلاة إلا ويبكر للمشاركة فيها، وليتظاهر بالبرّ والتقوى وفعل الخير، وينكر كل ما ارتكبه من خطايا وآثام، وتنكر لها، ويكذب حتى أثناء مشاركته في الصلاة، وقبل أن يفرغ منها.

ثم ما يلبث أن يفرغ من الصلاة – أو ربما حتى قبل أن يفرغ منها – حتى يبدأ بالنميمة والدس والفساد والإفساد...

فهذا "النمط" البشري هو من أحقر البشر وأحطّهم، وهو أنجس الناس وأرذلهم!

فهؤلاء أنفاسهم حسد وحقد وكيد ودنس ونجاسة ورجس وخراب وتخريب...

وكما يقال "إذا خليت خربت!" فعلى عكس هؤلاء ثمّ آخرون ديدنهم العطاء والبركة والعطف والاهتمام بالآخر ومواساة الحزين وعضد الضعيف ومؤازرة المكلوم.

الفاسق الفاسد المارق يردد أحبوا بعضكم بعضاً ويتلوها مرة واثنتين وثلاث، وهو يكشّر عن أنياب ضبع مفترس، كارهاً كل الناس وحاقداً على المسكونة بأسرها...


لأنه نجس، بل من أنجس أنجاس الناس...

ومن أنجاس الناس من لا يحلمون بالخير لأحد، ويكرهون كل ما لغيرهم ومن هو سواهم، ولا يرجون له إلا البؤس والمصاب الأليم والشقاء والعناء، على عكس أولئك الذين يصلون ليل نهار من أجل سواهم، ويعتبرون الجميع إخوتهم وخلصاءهم وأوفياءهم...

وجوه هؤلاء باسمة باشّة هاشة مشرقة مضيئة...ووجوه الآخرين سوداء ربداء قاتمة كالجحور والوكور، وهم يختالون في غيهم، ويوهمون أنفسهم والآخرين أنهم أفضل من سواهم، وليس ذلك إلا كبرياء أجوف وقحة وصلافة ووقاحة!

هؤلاء يفرحون بالخير العميم إذا لحق بسواهم ويفرحون لفرحهم ويحزنون لحزنهم ويواسونهم في ضرائهم ويسعدون بسرائهم، وأولئك يستميتون في الدعاء ليلحق الأذى والضرر بكل من عداهم والخسارة الفادحة لكل من هو غيرهم...

هؤلاء يريدون كل شيء، كل شيء لهم وحدهم ولحسابهم دون غيرهم، والآخرون لا يقبلون الاحتفاظ بشيء لهم وحدهم وإنما يسعون لإشراك الجميع في كل ما وهبهم الله إيماناً منهم أنه إذا أطعمك الله "فَكُل وأطعم"...

هؤلاء أنانيون حقودون يتنفسون كيداً وحقداً وحسداً، وأولئك لا يفضلون أنفسهم عن سواهم بشيء، يتقاسمون حتى اللقمة التي بيدهم مع سواهم ولا يستمرئون أكلها إن لم يشاركهم في ذلك أحد.

هؤلاء يحللون الحلال ويحرمون الحرام، وهؤلاء يحللون الحرام ويحللون الحلال، والويل كل الويل لمن خانه الحظ ووقع بين براثن رذيلتهم، فهم ينهشون لحمه نهشاً ويقضمون عظمه ولا يبقون منه على شيء!

دينهم المال، ومعابدهم المصارف، وهياكلهم البورصات، ونبيهم الذهب، وديدنهم النقود، وعبادتهم المسكوكات!

ناهيك عن التعاون المطلق مع قوى الشرّ والحروب والاحتلالات والمقاولات المشبوهة بل حتى أنهم يتحالفون مع الشيطان نفسه من أجل بعض الدريهمات!

والله حكيم عظيم الحكمة، فيهب الأولين الفرح والبهجة والسعادة والهناء والعيون القريرة، ويمنح الآخرين الزعل والكبت والكيد والقلق والاشمئزاز والحسد والحقد والضغينة...

والله عظيم وحكيم، فهو لا يبقيهم على ما هم عليه أبد الدهر، بل سرعان ما ينقلبون بعد أن ينقلب بهم الدهر، فلا يستمتعون بما نهبوا ولا بما سرقوا، ويفقدون حتى أغلى وأثمن ما عندهم!

وليتهم كانوا قد فهموا الحياة على أصولها واعتنقوا مباديء الخير والفضيلة وولجوا دنياها فلربما لم يحل بهم ما حلّ، وليت من يأتي بعدهم يتعظ ويرتدع ويقتدي بأصحاب الفضيلة ويكفّ عن الرذائل والمعاصي والموبقات، فقد ينقذ نفسه وينجو بروحه!