كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة : مدير جمعية الأقصى


"شايف الذيب ويقص في أثره":


يضرب هذا المثل فيمن رأى الذئب مختبئا في مغارته ثم راح يقص في أثره، ويعد هذا المثل أصدق تعبير عن حالة التغافل التي نعيشها والتي نحاول من خلالها التهرب من وضع الأصبع على الجرح في الخاصرة الدامية، ونحاول أن نبحث عن أسباب وحلول لهذا الواقع المر الأليم الذي نعيشه، وكلنا شركاء في صناعة هذا الواقع. 

لا شك أن العالم كله اليوم يمر في مرحلة انتقالية من حيث كمية الإنتاج وضخامة الصناعات والتكنولوجيا التي فرضت نفسها على مجريات الأمور ووقائع الحياة لتصبح جزء لا يتجزأ من اساسيات الحياة، ولكن ينبغي أن نقف مع أنفسنا ونتساءل بصدق وشفافية هل نحن قوم منتجون أم أننا فقط مستهلكون؟ وما هو نصيبنا في الإنتاج الفكري الذي ينهض بالأمم والمجتمعات؟ وما هو دور الأكاديميين العرب في نهضة المجتمع والأمة؟


العالم اليوم يتحكم فيه الأقوياء، والقوة ليست محصورة في السلاح، وإنما سلاح هذه المرحلة هو المعرفة والإنتاج التكنولوجي الذي يسهل حياة الناس وتواصلهم ويفتح للإنسانية آفاقا جديدة في الحياة، والناظر إلى واقع البشرية يدرك بوضوح أن التكنولوجيا خلال العشر سنوات الأخيرة غيرت كثيرا من البديهيات في حياة الإنسانية، وفتحت آفاقا عديدة وأبوابا واسعة في حياة الناس ومداركهم، وهذه التكنولوجيا التي نستخدمها نحن في حياتنا ما هي إلا إحدى أهم وسائل القوة عند تلك الأمم التي عملت وفكرت لصناعتها وتسويقها، والسؤال الذي ينبغي أن نسأله نحن العرب وبصدق ماذا صنعنا لأنفسنا خلال العشر سنوات الأخيرة من حياتنا؟، ويمكن القول وببساطة أننا صنعنا الموت والقتل والدمار لأوطاننا والضياع لشعوبنا، فمن سوريا إلى اليمن إلى العراق إلى مصر فليبيا والسودان وعدّد، أوطان دمرت ونساء رُمّلت وأطفال يُتّمت وأسراب اللاجئين من "جحيم أوطان العرب" إلى "رحمة أوطان الكفر" وبلاد الغرب التي احتضنتهم ووفرت لهم سبل العيش الكريم، حتى أصبح حلم المواطن العربي في بعض الدول أن يتمكن من الفرار من وطنه إلى الغرب، فما سبب ذلك؟ هل هم الملوك والقيادات؟ أم هي الشعوب؟ أم هم العلماء والموجهون؟؛ وهنا لا بد من الإشارة إلى أن جميع هؤلاء يتحملون قسطا من المسؤولية عن هذا الواقع، وأول من يجب أن يتحمل المسؤولية هم العلماء والمفكرون، فهم سراج الأمة ونبراسها، وهم من يقود سفينة الشعوب عندما تتلاطم الأمواج، وهم من يجب أن يرجحوا بين المفاسد والمنافع والمصالح والمضار لهذه الأمة، بل ويختاروا أهون الضررين إذا كان لا بد من ضرر ما أو يرجحوا بين أفضل الاحتمالين اذا كان الاختيار بين المصالح، وخلال السنوات العشر الأخيرة رأينا علماء الأمة ومفكريها منقسمين على أنفسهم بين عالم يؤيد ويفتي للسلطان ويحلل له ما يريد وبين عالم يدعو إلى الثورة على القيادات والزعماء، حتى ضاعت الأوطان بين تفريط وإفراط العلماء ورحنا نتباكى لدماء الشهداء وصرخات اليتامى، ونحن من صنع تلك النكبة بعجزنا عن التفكير وبعد النظر في مصلحة الإنسان والأوطان والمتغيرات الإقليمية والعالمية، ولم نتعلم دروس التاريخ أو نسبر تجارب الآخرين.

إن أمتنا أحوج ما تكون اليوم على مصالحة فكرية بين الفرد ونفسه وبين العلماء وشعوبهم والزعماء ومواطنيهم، لنمضي جميعا إلى بر الأمان في واقعنا ومستقبل الأجيال التي نحن مؤتمنون عليها، ولا يمكن بناء الأوطان والنهوض بالإنسان في غياب هذه المصالحة وهذه الطمأنينة الفكرية والروحية، فالنفوس اليوم متعبة وبحاجة إلى الراحة النفسية والفكرية التي تضمن لها الإبداع في التفكير وصناعة الحلول، ولا يمكن للنفوس أن تبحث عن حلول وتفكر في صناعة مستقبل طالما هي تلهث وراء لقمة الخبز أو تبحث عن موطئ قدم في أوطانها، فهل سترى من علمائنا اليوم وهم كثر من يقف لينادي بالشعوب إلى مصالحة فكرية نفسية تبعث الطمأنينة والوئام والسلام في القلوب والأرواح؟!


محمد سواعد- ابن الحميرة : مدير جمعية الأقصى