صوتُ ستّي مدللة يعودُ مِن مَنفاه!...آمال عوّاد رضوان

أقامَ مجلسُ كوكب المحلّي واتّحادُ الكرمل للأدباء الفلسطينيّين ومكتبة "كلّ شيء" ندوة أدبيّة للكاتب مصطفى عبدالفتاح، في قاعة المدرسةِ الثانويّةِ لمديرها يوسف منصور في كوكب أبوالهيجا، لتوقيع روايتهِ (عودة ستي مدللة) بتاريخ 5-3-2016، وسط حضورٍ كبيرٍ مِن أهالي كوكب أبو الهيجا وأدباء وأصدقاء، وقد تولّى عرافة الأمسية الكاتب والمسرحيّ عفيف شليوط، وتحدث كلّ مِن: رئيس مجلس كوكب ابوالهيجا المحليّ السيد زاهر صالح، عن أهمّيّةِ رعايةِ النشاطاتِ الثقافيّةِ والفنّيّةِ، والناشرُ صالح عبّاسيّ مدير مكتبة "كلّ شيء"، حول مكانةِ الروايةِ في معارض الشارقةِ والقاهرة، والناطقُ الرسميُّ لاتّحادِ الكرمل علي هيبي عن نشاطات الاتحادِ القادمةِ، وكانت قراءات نقديّة لكلّ مِن د. بطرس دلة ود. محمد صفوري، وقد ألقى الشاعر أحمد صالح طه قصيدتيْن بعنوان "لغتنا الجميلة" و"همس القدس"، وقدّمت المُربّية عبير أبو الهيجاء مديرة المدرسة الابتدائيّة في كوكب درعًا كهديّة رمزيّة، وقدّم أحمد الحاجّ ممثل جبهة كوكب الديمقراطيّة ورئيس مجلس كوكب السابق درعًا تقديريًّا، وقدّمت فرقة كوكب للدبكةِ وصْلة شعبيّة، بتدريب الفنّان مروان طاطور، وقدّم مُصمّمُ غلافِ الرواية الفنّان فوزي الحاجّ لوحة رسْمٍ للكاتب بريشتِهِ، وفي نهايةِ اللقاءِ شكرَ المُحتفى بهِ الكاتب مصطفى عبد الفتّاح الحضورَ والمُتحدّثين والمُنظمين والداعمين، وتمّ التقاط الصورِ التذكاريّة!

مداخلة العريف عفيف شليوط: كانت القبائلُ العربيّة في السابق تفخرُ بشعرائِها، وتعتزّ بقادتِها ورؤساء قبائلها، ولهذا لم يكن غريبًا أن يُدافعَ امرؤ القيس الشاعر عن سلطان أبيه، أو أن يكون الوزير العاشق ابن زيدون وزيرًا للحربيّة والخارجيّة في وقت واحد. وفي بداية القرن الماضي ظهرَ أحمد شوقي أميرُ الشعر العربيّ، وفي فترة من حياتهِ كان صوتًا للقصر، ثم أصبح صوتَ الشعب والأمّة بعد أن عادَ مِن منفاهُ في إسبانيا، وبجوارهِ كان شاعر النيل حافظ إبراهيم صوتَ مصر الصادق النبيل، وقبلهما كان البارودي، وتاريخ من الأمجادِ والغربة تاريخٌ حافلٌ للشعر والقراء في مسيرة الأحداث والأيّام، فكان الشعرُ دائمًا من أهمّ الشواهد الحيّة لذاكرة الأمّة، وكان من حقّ كل قبيلة أن تفخرَ بشعرائها، واليوم مِن حقّ قرية كوكب أبو الهيجا أن تفخرَ بأديبها مصطفى عبد الفتاح، ومن حقّ رئيس مجلسِها أن يعتزّ بأن نشأ في قريته أديبٌ كمصطفى عبد الفتاح.

نشرَ مصطفى عبد الفتاح العديدَ مِن المقالاتِ السياسيّةِ والاجتماعيّةِ والقصصِ القصيرة في جريدة الاتحاد، ومجلة الإصلاح، وشذى الكرمل، ومجلة الغد الجديد، ومواقعَ إلكترونيّةٍ عديدة، وهو يستعدّ في هذه الأيّام لإصدار روايته الثانية، التي ستصدر عن منشوراتِ مؤسّسةِ الأفق للثقافة والفنون في حيفا. الكاتبُ مصطفى عبد الفتاح ابن كوكب أبو الهيجا القرية الجليليّة، أنهى دراستَهُ الجامعيّة في التاريخ العام وفي علم المكتبات والمعلوماتيّة، ويعملُ حاليًّا مديرًا للمكتبةِ العامّة في قريته.

نحتفلُ هذا المساءَ بصدورِ روايةِ "عوْدة ستّي مدلّلة " للكاتب مصطفى عبد الفتاح ابن قرية كوكب أبو الهيجاء، والتي لاقت رَواجًا كبيرًا في معرض الشارقة الدوليّ، وتقعُ في 194 صفحة مِن الحجم المتوسط، وتزيّنُ الغلافَ لوحة الرسّام فوزي حاج. تُعالجُ الرواية أهمَّ القضايا السياسيّة النفسيّة والاجتماعيّة، التي رافقتْ وترافقُ اللاجئين الفلسطينيّينَ في الوطن، والمُنتظرينَ العودة إلى قراهم وهم على مَرمى حجرٍ منها، فيصفُ وصْفًا دقيقا وبأسلوبٍ سرديٍّ راقٍ دروبَ الآلام التي سارَ عليها الفلسطينيّون، وتحدّياتِ البقاءِ في ظروفٍ وواقع يَكادُ يكونُ مستحيلًا. تحملُ الرواية في طيّاتِها صورة رائعة عن نضال المرأةِ الفلسطينيّةِ، ودوْرَ قوّتِها وإصرارها وقدرتِها على الصبر والتصدّي والصمودِ في وجهِ أعتى آلات الدمارِ لوطنٍ يَسكنُ في القلب. يَرسمُ صورة آسِرةً عن واقع الأسرةِ الفلسطينيّةِ ومُعاناتِها اليوميّةِ منذ النكبةِ وحتّى اليوم، وتُظهرُ مدى الحنين والشوق للعودةِ، وتُظهرُ الآثارَ النفسيّة والمعاناةَ اليوميّة التي يَعيشُها الفلسطينيُّ في المهجر ووطنِهِ القريبِ البعيدِ.

مداخلة د. محمّد صفّوري/ عودة ستّي مدلّلة- عودةٌ بلا عودة:

1* أفكار من وحي المضمون: "عودة ستّي مدلّلة" هي رواية بكرٌ للكاتب مصطفى عبد الفتّاح، في عالم الفنون السّرديّة. تحكي الرّواية قصّة نكبةِ الشّعب العربيّ الفلسطينيّ عام 1948، وما مُهّدَ لها مِن مؤامراتِ الانتداب الإنجليزيّ، وتخاذل الدّول العربيّةِ عن مساندة الشّعب الفلسطينيّ، في تلكَ المحنة الّتي نالت منه حتّى تحوّل إلى شعب مشرّد في الأقطار العربيّة وغيرها من دول العالم، كما تصوّر الرّواية الممارسات الدّنيئة لِما يُسمّى بجيش الإنقاذ ونهب ثرواتِ البلاد، وحين استغاثت به البلادُ لردّ الغبن عنها، اختفى من الحلبة حتّى غدا أثرًا بعد عين، ناهيك بالدّور الّذي قامت به العصابات الصّهيونيّة وجنودها في بثّ الرّعب والهلع في نفوس النّاس؛ ممّا دعاهم إلى ترك بلادهم حتّى لا تتكرّر مجزرة دير ياسين، وهذا ما تؤكّده الرّواية، وهي تنقل ما صرّح به النّاس قائلين: "لن ننتظر حتّى يقوم اليهود بذبحنا كما فعلوا في دير ياسين، سنذهب إلى مكان آمن حتّى تهدأ الأمور" (الرّواية: ص49). وتلتفت الرّواية، في مواضع أخرى، لإبراز دور العملاء العرب ومساعدتهم السّلطة في إقصاء الفلسطينيّ إلى لبنان والدّول العربيّة المجاورة كلّما عاد إليها متسلّلًا. إنّها حكاية معروفة للقاصي والدّاني، ويعلمها الغريب مثل القريب، وقد وثّقت في أعمال روائيّة كثيرة أبرزها، في اعتقادنا، رواية "باب الشّمس" لإلياس خوري"، كما وثّقت في سجلّات التّاريخ وحفظت في بوتقة عصيّة على الانصهار ، وعليه لن نعود لسرد الحكاية المعروفة للجميع.


أمّا السّؤال الرّئيس الّذي يتبادر إلى الذّهن فهو: ما الجديد الّذي تقدّمه الرّواية؟ في الإطار العامّ للحكاية لا نجد جديدًا يمكن الإشارة إليه. أمّا الجديد الّذي نترسّم آثاره فهو إسناد دور البطولة للمرأة ممثّلةً بستّي مدلّلة، وهي شخصيّة تظهر منذ بداية الرّواية ومع غيابها تنتهي. تتطوّر أحداث الرّواية مع حركة وفاعليّة هذه الشّخصيّة، فضلًا عن الوعي الرّاقي الّذي تتمتّع به، وهو وعي تؤكّده الرّواية في كلّ حركة من حركاتها، وفي كلّ تعبير يصدر عنها. الحقيقة الّتي لا مراء فيها أنّ ستّي مدلّلة هي كلّ الرّواية، فمن هي ستّي مدلّلة؟ وما هو الدّور الّذي قامت به؟ إنّها امرأة من قرية صفّورية القريبة من قرية الرّاوي، استشهد زوجها وهو يقاوم الإنجليز في صفوف الشّيخ عزّ الدّين القسّام في حرش قرب قرية يعبد، وترك لها ابنًا يدعى أمين وابنة تدعى سميحة، قام أمين على رعاية عائلته وتدبير شؤون الدّكّان، وقد ترعرع على مقاومة الظّلم فصار مقاوما للإنجليز والعصابات الصّهيونيّة كوالده وأخواله، فأبلى بلاء حسنًا دفاعًا عن قريته الّتي سقطت بأيدي اليهود، فنزح عنها سكّانها إلى القرى المجاورة، ومن ثمّ إلى لبنان.