كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني



نَصيحَةُ العُمْرِ من القَلْبِ إِلى القَلْبِ، لا تُعَوَّضُ، وإنْ أجْرِيَ إِلاَّ علىَ اللهِ!

السَّلامُ عَليكُمْ وجَعَلَكُمْ بِنِعَمِهِ قَنُوعِينَ شاكِرينَ أَيُّها الشَّعبُ البَواسِلُ العُظَمُاءُ وَالمُحْتَرمُون!

يُقالُ عَنْ القِصَصِ مُعَبِّرَةٌ واعِظَةٌ تُسْرَدُ وتُحْكَى...ولا تُعَدُ وَلا تُحْصَى، فِيها عِبَرُ وَفِيها دُّرُوسُ، ومِنْها نَسْتَنْبِطُ الأَدابَ وَالأَخْلاقَ، ومِنْها نَثْقَفُ وَنُطَوِّرُ العُلومَ والحَضاراتِ ونَتَمسَّكُ بالقِيَمِ والأَدابِ.

 إنْتَبِهُوا أَيُّها الأَعزاءُ، فإنَّنِي عِنْدَما أكْتُبُ كَلِماتٍ تَكُونُ لَنا جميعاً، وَأَنا أوَّلُ مَنْ يَتبَنَّاها وأُطَبِّقُها.

إسْمَعُوا...، كَيْفَ كانَتْ أُمٌّ مُحْتَرَمَةً مَلاكً تُخاطِبُ وَتَحْكِ، وهِيَّ الغَالِيَةُ مَنْ نَبَّهَتْ أَوْلادَها وَهِيَّ تَعِظُهُم وَتُعلِّمُهُمْ القَناعَةَ والثَّباتَ عَلىَ مَا قَسَمَ اللهُ لَهُمْ، تَقُولُ: "إِنْ زادَ رِزْقُكُمْ فِي الحَياةِ أَوْ نَقُصَ فَهُوَ مِنْ تَدْبِيرِ اللهِ لَكُمْ، أمَّا إذا زادَ شَكَرْتُمْ اللهَ وبَقِيتُمْ على ما أَنْتُمْْ بِهِ مُؤْمِنِين! وَإِنْ نَقُصَ عَلَيْكُمْ، إِيَّاكُمْ أَنْ تَعْتَرضُوا وَتَنْفِرُوا أَوْ تَزْعَلُوا وآشْكُرُوهُ فِي كُلِّ حَالٍ! فالَّذي يَحَدَثُ؛ هوَ الأَفْضَلُ مَا يَخْتارُ اللهُ لَكُمْ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ.

 في الشِّفاءِ وَالسَّراءِ أبْنائِي، تَوَجَّهُوا إليهِ ولا تَنْسُوهُ وآشْكُرُوهُ يَحْفَظُكُمْ، "لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ"، وفِي المَرَضِ والضَّراءِ إِسْتَعِينُوا بِهِ! لا يَنْساكُم، لِقَولهِ "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ" فَلَيسَ كَمثْلِهِ يَستَطيعُ أَنْ يَنْقِذَكُمْ! فَإيَّاكُم ثُمَّ إيَّاكُمْ أَنْ تَجْحَدُوا، وَكونُوا بِنِعْمَتِهِ قَنُوعِينَ راضِينَ وَلَهُ حامِدِينَ مَمْنُونِينَ! إلَيهِ وَحْدَهُ توَجَّهُوا خاشِعينَ طالِبينَ العَونَ والمُساعَدَةَ فِي جَمِيعِ الظُّروفِ! فَقَدْ قَالَ سُبحانُهُ"وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ".

تَقُولُ هَذِهِ العَجُوزُ المُجَرِّبَةُ المُتَمَسِّكَةُ بِأَمرِ اللهِ: "قَبِلَ عَدَدً منِ السِّنِينِ أحْبابي، كَانَ لَنا جارٌ فَقِيرً مَيْسُورَ الحَالِ والمَالِ يَعِيشُ بِأَمْنٍ وَأَمانٍ، في بَيْتهِ كانَ هُوَ مَلِكَ الزَّمانِ، يُلاعِبُ أَوْلادَهُ وَيُعامِلُهُمْ بِلُطْفٍ وَيُخاطِبُهُمْ بِإِحْسانٍ، وَكُلُّهُ سَعادَةً وشُعُورً طيبً، فَرِحً، قَنُوعً بِما قَسَمَ اللهِ".

هَذا الجَارُ تُوشِيرُ الأمُّ، بعدَ أَنْ كانَ سَعِيدَاً يَنامُ على جانِبِهِ مُتَّكِلاً عَلىَ اللهِ، وَعِنْدَما كانَ يَفِيقُ تَحِسُّ عِنْدَهُ النَشاطَ والإسْتِعدادَ بِكُلِّ حَركاتِهِ، إِذْ كانَ يَهِبٌ ويَذْهَبُ إِلى عَمَلِهِ جاهِزَاً رَغْمَ أَنَّهُ بِصُعُوبَةٍ كَانَ يَرْبَحُ قُوْتَ يَوْمِهِ وقُوتَ أَوْلادِهِ، وَطالَما كَانَ مُرْتاحَاً إِلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ يُغَنِّي ويَنْشِدُ بِسُرُورٍ وآنْبِساطٍ خِلالَ ساعاتِ الدَّوامِ، فُجْأَةً حَدَثَ أَمْرٌ مُحْتَدٍ غَيْرُ مُتَوقَّعٍ فِي الأُفُقِ فأصْبَحَ مُراقَبَاً مِنْ رَبُّ عَمَلِه وَهوَ يُنْشِدُ وَيَقُولُ المَواوِيلَ، حَيْثُ تعَجَّبَ هَذا وَدُهِشَ مِنْ أَمْرِهِ وآحْتارَ، لَكِنَّهُ أَسْهَبَ في التَفْكِيرِ وَقَالَ في نَفْسِهِ؛ أنا صاحِبُ كُلَّ هَذهِ الأَمْلاك ِوالأَمْوالِ، أََعيشُ وَحِيداً مع نَفْسِي، لا أَشْعُرُ بِطَعْمِ الحَياةِ، ولا أَجِدُ لَذَّةً لا في صَباحٍ ولا مساءٍ، وهَذا الإِنْسانُ لَيْسَ عِنْدَهُ جُزْءَاً ضَئِيلاً مِمَّا أمْلُكُ وَهُوَ سَعيدٌ، فبَعْدَ المَشْهَدِ هَذا قَرَّرَ أَنْ يَمْتَحِنَهُ لِيكْتَشَفَ السِّرَ مِنْ وَراءِ حَالِهِ، فأخْتارَ أَنْ يَفْحَصَ تَأْثيرَ المَالِ عَلَيهِ، لَعَلَّهُ يَكُونَ السَّبَبَ لِتَعاسَتِهِ وسَعادَةِ الرَّجُلِ لإِنَّ هَذا مَا عِنْدهُ وليْسَ للأَخَرِ، فَقَرَّرَ أَنْ يَضَعَ عَدَدً كَبيرً مِنْ الذَّهَبِ، يَقِلُ بِقَلِيلٍ عَنْ المِئَةِ لِيرَةٍ ذَهَبيَّةٍ أَمَامَ بَيْتهِ مَساءَاً بِخِفْيَةٍ دُونَ أَنْ يُشْعِرَهُ، تَكْفِيهِ لِيَعِيشَ السِّنِينَ الطَّوِيلَةِ هُوَ وعائِلَتُهُ، وَهَكَذا جَرَى الأَمْرُ وَوضَعَها أَمامَ العَيْنِ سَهلَةَ الحصولِ، ومَا أَنْ تَمَّ الأَمْرُ وَلَقِيَها الرَّجُلُ بَدَأ يَعِدُّها بِلَهفَةٍ داخِلِ البَيْتِ، لَكِنَّها كانَتْ ناقِصَةً عَنْ المِئةِ، ففَكَّرَ وعَادَ لِيَجِدَ ما يُكَمِّلُها، فَبَقِيَ السَّاعاتِ يَبْحَثُ حَتَّى أَعْياهُ التَّعَبُ، وفي الصَّباحِ فاقَ بدُونِ نَشاطٍ، وَفِي العَمَلِ لَمْ يُغَنِّ ولَمْ يَقُمْ بواجِبِهِ كَمَا يَجِبُ، وهَكَذا يَوْمَاً بَعْدَ يَوْمٍ إِسْتاءَتْ أَحْوالُهُ، وصاحِبُ العَمَلِ يُراقِبُ مِنْ بَعِيدٍ ولَمْ يَتَدَخَّلْ، لَكِنَّ الرَّجُلَ بَقِيَ يُشْغِلُهُ كَيْفَ يَعْمَلُ أَكْثرَ، حَتَّى يَجْمَعَ ما يُكْمِلُ العَدَدَ، حَتَّى أَعْياهُ التَعَبُ والطَّمَعُ ولَمْ يَشْعُرْ بَعْدُ بالقَناعةِ الَّتي تَحَلَّى بِها وَقْتَ كانَ دُونَ شَيْءٍ، ولا بِالنِّعْمَةِ الَّتي رُزِقَ بِها وَلَمْ يُصْلِحْ إسْتَغِلّالها ولَمْ يَفْرَحْ ويُفْرِحْ أَوْلادَهُ، ويُعًوِّضْهُمْ عَنْ الأَيامِ الَّتي مَرَّت، وَعاشُوا عُسْرَةَ الحَياةِ.


عِنْدَها تَيَقَّنَ المَالِكُ لِلعَمَلِ والأَمْلاكِ والأَمْوالِ أنَّ المَالَ نِعْمَةٌ وَفِتْنَةٌ في نَفْسِ الوَقْتِ، بها نَسْعَدُ وَبِها نَشّْقى، فَمَنْ أَحْسَنَ العَمَلَ بِقَناعَةٍ وإِيمانٍ غَنِمَ وَرَبِحَ وفازَ، فَشَكَرَ اللهَ وعاشَ هادِيءَ البَالِ، أَمَّا مَنْ طَمِعَ وَجَمَعَها وكَنَزَها كَحلْيَةٍ وآسْتَعْمَلَها بِمَا لا يُرْضِيهِ كانَتْ عَلَيهِ دَمارً.

هَكَذا أَساءَ هَذا الرَّجُلُ لِنَفْسهِ بَعْدَ أَنْ ذاقَ طَعْمَ الغِنَى ولَمْ يَشْكُرْ اللهَ، لأَنَّه لَمْ يَعْرِفْ قِيمَتَها الحَقِيقِيَّةِ، َكأنَّ فَقْرَهُ كَانَ حِكَمةً بالِغَةً وَحِجَّةً دامِغَةً مِنْ اِللهِ لِيشْعُرَ رَغْمَ وَضْعَهُ بِالسَّعادَةِ، ولَمَّا غَنِي أتْعَسَهُ لِيَكونَ عِبْرَةً لِمَنْ لا يُجيدُ إسْتِعمالَها ويَعْرِفُ جَدْوَاها، أَمَّا المَالِكُ فَقَدْ غَنِمَ دُرُوسَاً وعَرِفَ حَقَّ النِّعْمَةَ وعَادَ إلى صَوابِهِ وأَرْضَى اللهَ وأسْتغَلَّ أمْلاكَهُ بِما يُسْعِدُهُ ويُسعِدُ الأَخَرينَ، فَشَعَرَ بالسَّعادَةِ باقِي أيَّامِهِ.

بأخْتِصار وافٍ وَبِلا تَلاعُبٍ وَدَورانٍ نَحْنُ بِحاجَةٍ للإدْراكِ؛ أَنَّ المَالَ والفَقْرَ وَالصِّحَةَ والمَرضَ والسَّقْمَ والقَناعَةَ والإحْسانِ فِي الأَخْلاقِ والمُعامَلاتِ وكُلَّ مَا نَحْنُ عَلَيهِ وكُلَّ مَا لَنا ومَا عَلَيْنا نِعَمٌ مِنْ اللهِ، فَإِذا قَبِلْنا بِما رَزقَنا اللهُ وأَتانا أرَحْنا أنْفُسَنا، فَهُوَ مَنْ يُرْزِقُ ويَعْطِي لِمَنْ يَشاءَ وَهُوَ مَنْ يَرْحَمُ عِبادَهُ ويَغْفِرُ، وأرْأفُ مِنَ الأُمِّ علىَ أَوْلادِها وَهُوَ مِنْ قَالَ: "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ" ! وَهُوَ مِنْ يَسْتَجبُ لَكُمْ إِذا دَعَوتُنَهُ، وَإنَّ كُلَّ خَرْقٍ لِهذِهِ المَبادِيءِ وَعِصْيانٍ لِأوامِرِهِ تَعالَى، هُوَ عَبَثٌ وكُفْرٌ وَلا يَؤُولُ إِلاَّ إِلىَ الخُسْرانِ والنَّدَمِ.

وفَّقَنا اللهُ لِنَحْمِدَهُ ونُجِيدُ تَقْدِيرنا لِنِعَمِه فنَغْنَمُ ونَعْمَلُ مَا يُرْضِيهِ وما يَبعَثَ الأَمَلَ والقَناعَة بِأُمَمِنا، فَمَنْ ظَنَّ بِاللهِ خَيْرَاً فَلَنْ يُخيِّبَ اللهُ ظَنَّهُ، ومَنْ شَكَرَ اللهَ علىَ نِعَمِهِ زادَهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، ومَنْ تَوكَّلَ علىَ اللهِ فَهُوَ كافيهِ وحَسْبُهُ).

لَسْتُ أَنا بِساحِرٍ وَلا دَجالٍ إخْوتِي! لأُقْنَعَكُم بِما أَخْتارُ لَكُمْ كلَّ مَرَّةٍ ما أوْهَمَنِيَ اللهُ بِهِ، لَكنَّني أُرِِيدُ الخَيْرَ لَكُمْ حَتَّى نَسِيرُ علىَ السِّراطِ ونَنجَحُ فِي بِناءِ أُسَرَنا وأمَمَنا بِشَكْلٍ نَضمَنُ الحَياةَ الطَيِّبَةَ والسَّعادَةَ والفَلاحَ لَهُمْ إِنْ شاءَ اللهُ ، وَإِنْ أرَدْتُم الصِّراعَ فَلَكُم أَنْ تُحارِبُوا شَهواتَكُهم وأعْداءَ الدِّين ومَنْ عَسَّرَ عَلَيْكُم حَياتَكُم!

السَّلامُ عَليكُمْ! وَحَبَّبَكُمْ إِليْهِ رَبُّ الخَلْقِ، فَمَنْ أحَبَّهُ اللهُ جَعَلَهُ مِنَ الشَّاكِرينَ لَهُ علىَ نِعَمِهِ! والقَنُوعِينَ بِرِزْقِهِ وأعْطاهُ الحِكْمَةَ، فَقالَ الله تَعالَى: "يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ".

رجاءً .... طَبِّقُوا مَا تَرُونَه يُرْضِي الله دُونَ خَوْفٍ أَوْ تَرَدُّدٍ!