كنوز نت - محمد سواعد- ابن الحميرة



الرأي العام



تستعمل كلمة الرأي العام في عرف المجتمعات البشرية للدلالة على مجموع الأفكار والثقافة التي تسود على هذا المجتمع، وهي تعبر عن اهتمامات المجتمع وتطلعاته وآماله وآلامه، فمن أراد أن يتعرف على ثقافة مجتمع وتربيته فليراقب تصرفات الأفراد واهتماماتهم ليخبر ويتعرف على الرأي العام لهذا المجتمع.

والرأي العام يمكن صناعته والتحكم به وتوجيه الناس في أي مجتمع صوب ما تريد القيادة الروحية والفكرية والدنيوية لهذا المجتمع، لذا نجد أن الدول والحكومات تحرص على التحكم بالرأي العام عن طريق التحكم بالإعلام والصحافة المرئية والمسموعة والمكتوبة والتي تعطي للحكومات كل إمكانات صناعة الرأي والتحكم به وتوجيهه إلى حيث تريد.

وقد أدرك الملوك والسلاطين أهمية صناعة الرأي العام والتحكم به منذ القدم، فكان كل ملك أو حاكم يضع لنفسه من دهاقنة المفكرين والموجهين من يعملون على نشر الثقافة والفكر الذي يريده الحاكم أو السلطان ليبقي الناس تحت تأثير توجيهه وسلطانه، فنرى أن فرعون أوجد حول عرشه من السحرة الذين نشروا الدجل والخوف والذعر في نفوس الناس، وكان هؤلاء السحرة من المقربين والمحظيين عنده واستعملهم في الدعاية ضد موسى عليه السلام: (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)) الشعراء، ففرعون يجمع السحرة ليبث دعاية قوية ويستميل الرأي العام ضد دعوة موسى عليه السلام ويجمع السحرة ويعدهم بالمكانة العلية إن هم تغلبوا على موسى ودعوته، وفي كل مواقفه حاول فرعون أن يؤثر على الراي العام ويستميل الناس إلى ما يريد، بل إنه تعمد نشر الفساد والمنكرات في المجتمع حتى يسهل عليه قيادة هذا المجتمع والتحكم به كما يريد: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) الزخرف (54)، وكذلك قريش وضعت الشعراء والأدباء في خدمة مشروعها الكفري في مواجهة أنوار رسالة الإسلام.

ونرى كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للشعر والشعراء مكانة لما كان لهم من أثر في نشر الفضائل وقمع الرذائل والمنافحة عن الدعوة الإسلامية، فكان حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وغيرهم من فحول الشعراء ممن بروا أقلامهم للدفاع ونصرة الإسلام، وروى مسلم وأبو داود عن عَائِشَةُ قالت: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ لِحَسَّانَ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.


ولعل من أبرز ما كان في صناعة الرأي العام هو من كان من عبد الله بن سبأ- ابن السوداء- الذي تمكن من صناعة رأي عام يدعو إلى قتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه وجمع حوله الرعاع وبث في الناس ضرورة قتل الخليفة حتى تمكن من ذلك وفتح على الأمة باب التأويل في الدماء والذي لم يغلق حتى اليوم.

 والأمثلة على صناعة الرأي العام كثيرة جدا ونحن اليوم نشهد تحكم المنظومة الإعلامية الجبارة في صناعة الرأي العام لدى الشعوب وتوجيهه الى ما يريد صناع القرار في العالم، فسوّغ صناع القرار بواسطة الإعلام تدمير دول العالم وقتل الأطفال والنساء والشيوخ في الوطن العربي وافتعلوا لذلك مقدمات تعطيهم شرعية لإجرامهم.

في عالمنا العربي والإسلامي يتصارع الرأي العام بين تعظيم الحكام والسكوت عن أخطائهم وبين راي عام يدعو للتمسك بالعقيدة والشريعة الإسلامية، وبين السكوت على واقع مر أليم صنعه الحكام لاستدامة حكمهم وقبلته الشعوب تحت تخدير الإعلام واستعمل لأجل ذلك نصوص دينية حرفت عن مضمونها أو سياقها.

وعليه فإن واجب الساعة في حق الأمة الإسلامية ان تعمل على صناعة رأي عام بين أبنائها يدعو إلى احترام الإنسان وتعظيم مكانته، وينبغي العمل على صناعة رأي عام يدعو إلى إطلاق الفكر الإبداعي النهضوي الذي ينهض بالأمة ويحررها من أغلالها ويطلق قواها الخفية، كما يجب أن يوجه الرأي العام للإنسانية جمعاء أن خلاصها وشفاءها من أمراضها إنما يكون بدعوة الرحمة والرأفة التي جاء بها الإسلام.