كنوز نت -  كتب سعيد بدران


نعم للمشتركة.... ولكن الف لا للوصاية علَينا !



مخطئ من يظن أنه بامكان الأحزاب العربية أن تسجل نجاحاتها من خلال استهبال الجمهور وخداعه بكلامٍ مكرر وشعارات فارغة بلا رصيد ، أو باستقطاب الناخبين وتغيير مواقفهم عن طريق الخدعة لكي يهرولوا إلى الصناديق كالقطيع ....
على قادة الأحزاب أن يستوعبوا ويدركوا مركبات الواقع الجديد الذي لم يكن مزاجيًا وإنما هو "حقبقه" ثم ليتعاملوا مع نبض الشارع الحقيقي بصدق ، ( سيما وأن الخمسين يومًا التي مضّت منذ اجراء الانتخابات الأخيرة ليست بالوقت الكافي للنسيان ولتضميد الجراح التي خلفتها المعركة الانتخابية الأخيرة وخاصة تراشق الاتهامات شديدة اللهجة من قبل قادة الأحزاب ضد بعضهم البعض ووصول بعضها إلى حد تخوين الآخر واتهامه بالعمالة ) .

لا يوجد ادنى شك بان هذه التصرفات تركت اثرًا سلبيًا على جماهيرنا العربية وجسّدت واقعًا مليئاً بالاحباط ومجتمعا غارقاً بانعدام الثقة ( أثراً سلبياً عمّق الهوّة أكثر واكثر بين قادة الأحزاب فيما بينهم من جهة ، وبين الأحزاب واتباعهم والجمهور العريض من جهة اخرى .
من هنا فإن نبرة الخطاب اللينة التي اطلّت بها الأحزاب بُعَيد التصويت على تسريحهم من الكنيست ، تنُمّ عن توجه تصالحي مبطن مع الجمهور الذي أدار لهم ظهره في الانتخابات الاخيرة، وكأنهم يريدون بذلك عدم الاضطرار مكرهين مرة أخرى لوسيلة الاستجداء المباشر عبر مقاطع الفيديو ، وتقليد بائعي البطيخ باطلاق صرخات التوسل عبر مكبرات الصوت كما فعلوا مؤخرًا ، وحتمًا سيستعملون هذا الأسلوب اذا ضاقت عليهم السبل إذ أن الغاية تبرر الوسيلة، وهو على يقين بتأثيره على عواطف الجمهور وحتى لو حقق نجاحًا جزئيًا ولا ننسى أنه كان عنصرًا رئيسيًا بنجاح القائمتين اللواتي كانتا على شفا هاوية السقوط والاندثار .


لا بد هنا ، في قلب المهزله ، من التطرق لامر في غاية الاهمية وهو ما يعتقده البعض بأن عزوف الناخب جاء احتجاجًا وغضبًا على تفكيك المشتركة وهذا صحيح ولكنه كان جانبي التأثير وإنما الحقيقة العلقم ترتكز على الأخطاء التي ارتكبتها مركبات المشتركة خلال فترة عمرها القصيرة ، واهمها الأداء المنفرد والخطاب الاستعلائي لقادتها ومؤيديها ، وخاصة الصراع على رئاستها والمخاصصة ، التي تركت في ذهن الجمهور بأن الصراع بالحقيقة هو على مكاسب شخصية فئوية وليس صراعًا على المصلحة العامة.

في نهاية الأمر فإن الانتخابات قد تمت وبانت الحقيقة بوضوح تام ووضعت أمام الجمهور ارقامًا ومعطيات حقيقية وليس افتراضية بنيت على استطلاعات راي وهمية ، فهذا الجمهور ليس ساذجًا وباستطاعته استخلاص النتائج وتحليلها بدقة متناهية والاطلاع على القوة الحقيقية لكل المركبات مجتمعة وقوة كل مركب وآخر على حدة ،
إن نتائج الانتخابات الأخيرة قطعت الشك باليقين ، ووضعت حدًا لظاهرة استعراض العضلات الصورية وأثبتت للقاصي والداني بأن ثلاثة من هذه الأحزاب لن تقترب حتى من نسبة الحسم لو دخلت الانتخابات متفرقة ، بينما قطعت الجبهة نسبة الحسم بشق الأنفس .

على ضوء هذه النتائج ، يتوجب على هذه الأحزاب النزول عن الشجرة التي تسلقتها والاصغاء بصدق لنبض الجمهور الذي قد يواصل التخلي عنها اذا لم يتبدل سلوكها ونظرة الاستعلاء واحتكار قرار تمثيله ، وعليها العمل بجدية على إدخال عناصر من خارج صفوفها اذا ما أرادت الاستمرار حتى ولو كانت متحدة تحت سقف واحد فقد آن الأوان لإشراك أكبر نسبة ممكنة من ممثلي الجمهور ممن يمتلكون الكفاءات ولهم رصيد بارز وواضح بالعمل الجماهيري المحلي والفكري وحتى الدولي ( فمجتمعنا لا تنقصه قدرات من هذا القبيل وبعضها قدرات تفوق قدرات الكثير ممن تفرزهم الأحزاب وتقدمهم لتمثيل الجمهور .
( سعيد بدران 1905)