كنوز نت - بقلم :يوسف جمَال


صور وذكريات


حمارنا ينتصر على الدوله العثمانيه .!!

 كان لأجدادي حمار من سلالة عميقه الجذور , فأصله من حوران , اشترى أجدادي جده الأول من تجّار حوران , عندما كان للشام برٌّ لا تقسم أوصاله حدود وأطماع .

وحمارنا هذا كان قوي العضلات , جميل المنظر , مهاب الجانب , ولكن له أطباع عند البعض تعتبر ميزات , أو نقص بالنسبة للآخرين .
  وأولها عادة "الحرنه " فإذا أصابته , تحوَّل الى صخره ملتصقه بالأرض , لا يمكن لأيِّ قوه ان تحرِّكها , حتى لو اجتاحها الطوفان!
     وتأتيه الحرنه دون سابق إنذار..

 فإذا طُلب منه ان يتحرك , أو ان يحمل شيئاً لا يروق له , حرن وتجمَّد ولا يمكن التنبئ بطول هذه الحرنه .!
      والعاده الأخرى هي , إذا ما ركبه أحداً غير مرغوب به , بدأ يمدُّ جسمه الى الوراء والأمام , ويرفع رجليه الى علو مخيف , ويحرك رقبته ذات اليمين وذات الشمال , ويستمر على هذا الحال , حتى يوقع راكبه أرضاً .

      كان من عادة حاكم المنطقه , أن يخرج من قصره , في كلِّ آخر شهر , "ليتفقَّد" أحوال رعيته , ولا يعود إليه , إلا بعد ان "يفقد "أهل البلد الكثير من أملاكهم , التي يعبئها في "خرج" حصانه ,الذي كان يزينه بأثمن العده ,من رِكاب ورسن ولجام لتليق بمقامه .
وكان يرافقه في تجواله مساعده , الذي كان عليه ان يركب حماراً يحمل العدَّه الرخيصه , كي تظهر الفروق بالمقامات والرتب والجاهات!
 سمع المساعد بحمارنا ,الذي كان اقرب أبناء جنسه للخيول , فأرسل في طلبه , ولما لم يكن بمقدور عائلتنا رفض طلبه , حذَّر جدُّنا الأول رسول المساعد من حرنته .
 فردَّ مستهتراً بالأمر : "لا أحد يحرن في حضرة سيدنا المساعد !".

وضع عليه الحاكم العدَّه , وأراد وضع اللجام في فمه , فأطبق حمارنا شدقيه على بعضهما , كأنهم قطعتين من الحديد تمَّ لحمها , حاول كلُّ مساعديه وحرسه حلَّ فكيه ولكن دون جدوى , وعندما أراد أحد الحراس وضع الخرج على ظهره , استقامت أذناه ورفع ذيله الى أعلى .. وكانت هذه علامة الحرنه .. فحاولوا تحريكه من مكانه , ليلحقوا بالحاكم فعجزوا أمام تحجِّر الحمار.!

  فاعتلى مساعد الحاكم حمارنا , ليرى مساعديه " كيف تقاد الحمير العاصيه .! " .
 بدأ يحرك جسمه وأطرافه , معلناً بدأ عادة "الحرنه" , ولم تسعف مساعد الحاكم استغاثاته وتوسلاته ..
 فوجد نفسه مطروحاً أرضاً , تصرخ جميع أعضائه من الألم , وتسيل دماؤه من مواقع كثيره من جسمه .
وكانت هذه الهزيمه الأولى ,التي منيت بها الدوله العثمانيه في بلادنا .
 ومن يومها لم تطلب خدمات من حميرنا .!

حمارنا ينجح في خداع حرس الحدود!
عند قيام دولة اليهود , شحَّت كثير من المواد التي يحتاجها المواطنين العرب , فكانت فرصه سانحه للمهرِّبين ,الذين كانوا يهرِّبون , من الضفه الغربيه , عبر الحدود الكثير من البضائع والألبسه والأدوات المنزليه وبعض المأكولات. فاتخذ جدي حمارنا , وسيله يهرب بواسطته من قرية برطعه المشطوره الى قسمين , فيجني بذلك قروشاً قليلة , تساهم في سدٍّ رمق أطفاله في تلك الأيام القاحله .

وفي إحدى "روحاته " , كان راجعاً من قرية برطعه , يحمل في خرج حماره حطات وعقله , وغيرها من البضائع ليلاً , فسمع وقع أقدام جنود حرس الحدود , فنزل عن دابته , ونزع الخرج عن الحمار , ورماه في قلب أقرب زرده, واستمر في طريقه باتجاه أفراد حرس الحدود , ولكنه فطن قبل أمتار منهم, أنه وضع على رأسه عقالاَ جديداً ,ما زالت الدمغه معلقه به ,
 فكان لا بد له ان يتصرف , وإلا "علقته " سخنه.!


 ,ولما صار بينهم , رفعوا عليه السلاح , فرفع يديه الى أعلى ,وسلمهم نفس ليفتشوه ..
 وبعد ان عصروا ملابسه عصراً , توجهوا الى حمارنا ففتشوا " خرجه " من فوق الى تحت , فلم يجدوا شيئأ ,
فانتبه أحدهم أنه لا تكسو رأسه ,إلا حطَّه بلا عقال , فداهمتهم الريبه ..

 إذ لم يخرج رجل في ذلك الزمان , وفي مثل سنه , إلا عقاله على رأسه. ولما سألوه عن سبب خروجه بلا عقال , سمعوا منه أجوبه لم تقنعهم , فصاح به أحدهم : "نعدك أنك أن أرشدتنا الى مكان العقال , فعليك الأمان ولن تنال أي عقاب !".
 "فأكل" الخدعه فمدَّ يده , الى داخل أذن الحمار وأخرج العقال.!!

فنال من ضربات أيديهم وبصاطيرهم ألواناً , طرحته أرضاً وأخذوا هويته وأمروه ان يلاقيهم في مركز الشرطه , ليكملوا ما بدأوا معه من عقاب.
لملم أعضاء جسمه المبعثره , وقام واعتلى , بألم شديد , حمارنا وأمره بالسير باتجاه القريه, فلم يتحرك من مكانه شبراً واحداً, بقي كعادته صخره متجمده!! .

ان حمارنا يحتقر ولا يتعاون ,مع الذي تخدعهم سلطات دولتنا !!
 انه حمار.!!
حمارنا يقاوم وعد بلفور.!!
وفي زمن الإنجليز, صمم جدي ان يشترك في المظاهره , التي كانت ستسير في طول كرم ,مندده بوعد بلفور ومطالبه بالاستقلال , ومنع قبام دوله يهوديه على ارض الوطن .

فركب حماره وتوجه الى المدينه ,ولما وصلها حاول الكثيرون ثنيه عن اشتراك الحمار في المظاهره فعجزوا ..
 فسار راكباً عليه في آخرها , وكانوا في أولها يصيحون " فليسقط وعد بلفور " , وفي آخرها" فليسقط واحد من فوق" .
فتشبث جدي برجليه بظهر حماره , ظاناً انهم يقصدونه .!

ولما سارت المظاهره مدة ساعه, هاجمها جنود الانجليز بالرصاص والقنابل والهروات, فهرب الناس العزل من أمامهم , كلً يحاول إيجاد مكاناً يحتمي به مخليين الشارع الرئيسي , إلا حمارنا فقد حرن مكانه كأنه جبل اسكندر, حاول جدي استعطافه لكي ينقذه , ويبعد نفسه من ضربات الانجليز , فلم يلق منه إلا زياده في التجمد والتحجر , فنزل عنه , ولاذ مختبئا في بيت مهجور في شارع جانبي .

أما حمارنا فبقي مكانه ,حتى وصل جنود الانجليز, حاولوا زحزحته ولو قيد أنمله .. فعجزوا!
 وفي أثناء انشغالهم به , تفرَّق جمبع المتظاهرون , ولم يجد جند الإنجليز أحدا " .
فرجعوا للحمار , كي "يفشّوا فيه غلّهم وقهرهم" فمنعهم قائدهم قائلا :
" اذا وصلت هذه الحادثه لندن ," سنعلق" مع الصحف الانجليزيه , وجمعية حماية الحيوان في الامبراطوريه البريطانيه ..
 فتركوه ..
 وعندما اطمأن جدي ,أنهم انسحبوا من المكان , ركب حمارنا وعاد بلدنا رافعاً رأسه .

تخيل "أيّها القارئ" لو كان في بلادنا الف حمار مثل حمارنا .. ماذا كان سيحدث لوعد بلفور.!
كانوا سيغيّرون التاريخ !!