كنوز نت - يوسف جمّال - عرعرة


 أنا.. وحماري والناس ..! 



1- حماري يتمرَّن على نشيد الحمير الوطني ..!!

كان يوم شتويا , شطفت فيه الشمس الأرض , فبانت مصبوغه باللون الأخضر اللامع .. فاطلقت سراح حماري , مرخيا له العنان , تاركا له الفضاء الصافي , كي يسرح ويمرح " ويبرطع " على هواه , ولما عدت أليه لأتفقده , وجدته يقف على مرتفع , وينتصب كأنه جلمود صخر نما من الأرض على شكل حمار , وفاتحا فمه على شدقيه , مطلقا صوت نشازا , هز أرجاء المعموره التي تحيط به , فصرخت به وأنا أضع راحتي على أذني , لأحميها من صوته الذي كاد يمزقها :

-ما هذا الصوت الذي يخرج منك , كأنه صوت زامور قطار ينذر بوصوله الى محطته الأخيره .!؟ ألا ترحم سامعيك .!؟
فتوقف عن الصراخ , وردَّ مبقيا جزءا صغيرا من شدقيه مفتوحا , صانعا منه ابتسامه ساخره :
   إني أقوم بتمارين وتدريبات, على النشيد القومي للحمير .!
-نشيد قومي للحمير .!؟ صرخت به من " قحف " رأسي .
-نعم ما الغرابه في ذلك .! أصدر إجابه سريعه لأسئله كان يتوقعها .
-حمير .!؟ نشيد وطني .!؟ انطلقت مني صيحه كادت " تفلق" رأسي .
-ألسنا - يا صاحبي – نعيش في وطن له أرض وسماء , وفيه نبذل جل جهدنا في بناءه .!؟ أردف مكملا خطة الدفاع التي اعدها مسبقا .
-ولكن .! عشتم آلاف السنين بلا نشيد قومي .! قلت متحديا .
-الذي أجبرنا على ذلك دولتكم الموقره , التي لم يمر على قيامها قرن واحد , وتحاول إجبار كل مواطنيها على انشاد نشيدها الوطني .!
أجاب على سؤال كان منتظره .
-ولكنكم أنتم "الحمير" تعيشون في كنفها , وتأكلون من خبزها ,وتتنفسون هواءها .!
قلت محاولا إشعال النار في جوفه .
-يا صاحبي أنت صديقي , ووليَّ أمري واحترامك واجب عليَّ .. ولكني لا أسمح لك ان تهين قومي – معشر الحمير – , فنحن في هذه البلاد منذ وجود الإنسان وربما قبله .. وهذا الوطن هو وطننا , وعيشنا فيه ليس منَّة من احد .
فهربت منه , وأنا أتذكر هؤلاء الذين يغنون وينشدون , على ايقاع الموسيقى التي تعزفها , قوى الظلم والظلام في هذه الدوله .

2- حماري يريد ان يرفع علم الحمير عاليا .!!

مررت بحماري فهالني ما رأيته .
 كانت الدموع تسيل مدرارا من عينيه . ترافقها تشنجات تشترك فيه جميع أعضاء وجهه , وحالته كانت " الله لا يوريها لكافر .!"
 فتقدمت منه , وبدأت أكفكف دموعه بقطعه من القماش , فمر وقت طويل , حتى استطاع ان " يلملم " نفسه , ليستطيع إسعافي من المرض , الذي اجتاح كياني بسبب حالته الكئيبه فسألته :
-مالك .!؟ .. ما الذي حدث لك !؟

-إني أبكي على المصيبه التي ستقع علينا .!؟
-قال وقد بدأت سحب البكاء تحاول الرجوع اليه .
-مصيبه .!؟ أية مصيبه .!؟ قلت صارخا , كي أحثهّ على نشلي من البئر الذي أوقعني فيه .!
-ان دولتكم الرشيده , تريد فرض علمها علينا .!
-عليكم .!؟ من !؟
قلت مقاطعا , وقد بدأت عفاريت الجان " تتنطط" في رأسي .!
-نعم علينا نحن- معشر الحمير- , الذي نعيش في هذا الوطن .! قال واستمر في العويل.
- ما الذي يبكيك .!؟ , تبكي لأن تكوينكم الجسماني , لا يسمح لكم بحمله .!؟
قلت محاولا رشَّ الزيت على النار , كي أزيد إشعال لهيبها .!
-لا ..لا تحاول- يا سيدي – ان ترشَّ الملح على الجروح .! قال وفي عينيه جرف من الحزن واليأس والاستعطاف .
-أرفض رفع العلم أيها الحمار الأبله وكفى .! لن يجبرك أحد على حمله .! قلت وكأني اكتشفت نظريه أخرى أشارك فيها إرخميدس في عظمته .
-ليست المشكله أنا – يا سيدي – وتاج رأسي .! المشكله ان الكثير من ابناء شعبي , معشر الحمير, يرفعونه في مناسبات كثيره , دون ان يعوا معنى ونتيجة ما يصنعون .!
-ارفعوا علمكم .. علم الحمير .! ليس لديكم علم خاص بكم .!؟ قلت محاولا اقتراح حل آخر .
-بلى - يا سيد- لدينا علم توارثناه عن اجدادنا . , حملوه في لهيب الحر, وجمود البرد , وقد قتل مئات آلاف الشهداء , من أجل حمايته وابقائه مرفوعا , على مدى الزمان و اختلاف المكان .
-ماذا حدث له .!؟ أين هو .!؟
-لقد غاب في غياهب النسيان . وتاه في طيات تواتر السنين والقرون .!
-ابحثوا عنه هناك , وجدوه وارفعوه عاليا , وأعيدوا مجد معشر الحمير . فالذين أحيوا علمهم , بعد غياب دام الفي سنه ليسوا أذكى منكم , ولا أكثر محبه لجنسهم منكم .!
نظرت الى وجهه , فلاحظت أمواجا من الأمل الحميري, قد بدأت تتسلل منتشره على وجهه .

3- حماري يندمج مع ديمقراطية الطبيعه ..!!

لاحظت ان حماري يزيد إزدهارا , عندما اوفر له مجال " البرطعه" في الطبيعه , التي تسحره بجمال ألوانها ووفرة عشبها ونظافة هواءها , فما ان رآني اسير نحوه , حتى تقدم مني , وابتسامه مزهره تشع من قسمات وجهه المستطيل , وعندما وصل بادرته بالحديث :
-آراك في غاية السعاده .. " تبرطع" على هواك في الطبيعه , تتناغم معها وتسجل على صفحاتها اغانيك الناعمه .!
-أشكرك – يا سيدي – على تبديل رأيك في صوتي , ولكن ألا تلاحظ – يا صاحبي- أني آخذ طعامي وشرابي وهوائي الذي أتنفسه من الديمقراطيه .!
-تأكل وتشرب وتتنفس الديمقراطيه .! لقد بدأت تهذي يا حماري المخرفن .! قلت وقد بدأت أعصابي تثور :
-أليست الطبيعه – يا سيدي – هي الصّوره المثاليه للديمقراطيه .!؟ ألا تلاحظ كيف تعيش فيها الألوان بانسجام رائع .!؟
-لم أكن أعلم أني أملك فيلسوفا , وليس حمارا عقله " على قده " .! قلت محاولا إرجاعه الى حالته المعهوده .
-انظر الى ديمقراطية دولتنا – يا سيدي – أليست ذات لون واحد .!؟ أليس هذا منافي لكل قيَّم ومبادئ الديمقراطيه !؟
-إها مناقضه للطبيعه وبدايات الكون .! قال محاولا الوصول الى هدفه الذي خطط كي يصل اليه .
-ولكن انظر ايها الحيوان الفيلسوق , ان الديمقراطيه التي يحاول الثوار صناعتها في العالم العربي . اني أخشى ان تكون ذات لون واحد .!
-إن أمنا الطبيعه لا تقبل من يناقض ناموسها , فهي ناتجه عن انسجام لجميع الالوان فيها . الم يسمونه ربيعا .!؟