في ذكرى بلبل الكرمل والصوت الشعري الناعم نزيه خير

بقلم: شاكر فريد حسن

شفتان من ورد .. وطلعة ياسمين
هي كل ما ورثّت رؤاك عن الهوى
وعن الحنين ..
فافرح بها .. واخرج ووجهك للشمال
فإذا نظرت .. أو استدرتَ إلى الوراء
جعلوك تمثالين من زغب وطين
هي الرجوع .. وزهر صبح الأربعين .
اخرج .. ووجهك للشمال
وافتح ضلوعك كي يعُدّ جراحها
زمن تبدل بين حين في الوداع.
وبين حين ...
هو ما يقال صباح زهر الأربعين ..
يأيها الوجه الموشح بالندى
يأيها الحلم المشبع بالسنين..
أعطيك نرجستين من قلبي
وخفقا من رنين
لو أنت أيقظت الرواجع كلها
وحفظت لي وجها.. وطلعة ياسمين..!!


هذه هي كلمات شاعر الياسمين وبلبل الكرمل الغريد، والوجه الموشح بالندى، الصوت الشعري الحزين الناعم الرقيق العذب، نزيه خير، الذي كان قد غادرنا في التاسع من شباط العام ٢٠٠٨، أي قبل ١١ عامًا بالتمام والكمال.

نزيه خير من أبرز وأهم الأصوات الشعرية من الجيل الثاني في البلاد، جيل فاروق مواسي ونواف عبد حسن ومفلح طبعوني وانطوان شماس وسميح صباغ وفتحي القاسم وعدوان ماجد وناجي ظاهر وسميح صباغ وسواهم. امتاز بشفافيته ورهافته ومستواه الابداعي الشعري من الناحية الفنية والجمالية والنبرة، وقدرته على التوظيف الدلالي للموروث الفكري والتاريخي العربي، اجاد وأبدع في صياغة النص الشعري والنثري.

من اصداراته ومؤلفاته: " أغنيات صغيرة، قراءة جديدة لسورة الياسمين، رائحة المطر، ذاكرة المطر، مقعد دائم الحلم، مسافة من القلب واخرى في الذاكرة، ثلج على كنعان، الذاكرة الزرقاء، ورثت عنك مقام النهاوند، وليلة الخروج من الاندلس".

عالج نزيه خير في كتاباته الشعرية قضايا وهموم شعبه، والقضايا الانسانية والأممية الشاملة، وتمحورت قصائده في موضوعات منوعة ومتعددة، منها القومية والسياسية والاجتماعية والوجدانية والعاطفية والغزلية.

ويلمس القارىء عمق نصوصه وتوجهها وأهدافها وأغراضها ومعانيها، فهي ثرية بالتعابير البلاغية الجميلة والاستعارات والدلالات والرموز والصور الشعرية المكثفة والمستحدثة المبتكرة، ويوظف التاريخ ورموزه واحداثه بروج جديدة وشكل جديد. ولغته متينة جزلة راقية فيها الايقاع والجرس الموسيقي العذب الشجي والجمال التعبيري والتأنق اللقظي والبعد الفكري.

نزيه خير شاعر رقيق أنيق عميق مختلف متنوع الأغراض، سكن الحزن قلبه، عمل على امتداد مسيرته وتجربته الابداعية على تحديث وتجديد وتطوير نصه وأدواته الشعرية، وفي كل ما كتبه شدد على انتمائه الانساني والجمالي، والتعبير عن الألم الانساني والعربي والفلسطيني والتاريخ والذاكرة والمكان، وطغى الحزن على كتاباته نتيجة الاحباط الذي لفه من الواقع القهري العربي والمثقفين العرب، وايمانه بعدم التغيير والتحول في واقع مجتمعاتنا العربية.

تغنى نزيه خير بالحب والجمال والوطن، وحاكى الحزن والرحيل والاغتراب والوجع الانساني والقلق الوجودي والحلم، وكتب عن العروبة والقرية والحارة والأرض والانتفاضة. طاف في شوارع فلسطين وأزقتها ومخيماتها وميادينها، وعبّر عن فجائع بغداد الرشيد وعراق النخيل ودجلة والفرات، والقضايا العربية الحارقة، وهتف لبيروت الصمود وأرض الشام، وأنشد للبحر، لحيفا وعكا والقدس والكرمل والجليل.

نزيه خير شاعر مبدع جميل تجلى في نصوصه الابداع الحقيقي الأصيل، والتوهج الشعري، وخيالية النص، والالتزام بهموم الوطن والأمة والمجتمع، وقضايا الانسان والهم الجمعي والذاكرة الجمعية. وتراوحت في شعره الأبعاد والنزعات الذاتية والوجدانية والرومانسية والوطنية والقومية والانسانية والأممية .

 ونلمس في قصائده الرقة والطلاوة والأناقة والتأمل، والفيض الوجداني، والمخرون الحدسي العاطفي، الرؤية والرؤيا، والاستعارات الباذخة.
نزيه خير شاعر وجداني متفرد، فياض الحيوية، زخار العاطفة الناعمة، فطوبى له في ذكراه الحادية عشرة، وسلامًا لروحه، والخلود والبقاء لشعره.