كنوز نت نشر بـ 07/02/2019 11:28 am  



جردة حساب سريعة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي


بقلم : د. محمد جبريني


اتسمت العلاقة بين الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية منذ بداية الصراع بينهما، بالإنكار المتبادل، وفقاً لأقصى صيغة من العداء المشبع عاطفياً وسياسياً، وعقائدياً. وقد تمترس كل طرف خلف أسبابه، ودوافعه، وروايته التاريخية والدينية، وهو ما ساعد في تأجيج الصراع واستدامته. وقد تجلت ذروة الصراع في وقوع النكبة عام 1948.

وبعد حرب عام 1967، والصدمة التي شكلتها "النكسة" للعرب عامة، وللفلسطينيين خاصة، الذين كانوا يتطلعون لتحرير فلسطين المحتلة عام 1948، فإذا ببقية الأراضي الفلسطينية وجزءاً من الأراضي العربية تقع تحت الاحتلال؛ مما جعلهم يعيدون النظر بحساباتهم التي بُنيت على انفعالات عاطفية وردود فعل، أكثر من كونها حسابات عقلانية مدروسة.

ورغم النشوة التي أحدثتها حرب عام 1973، التي أعادت شيء من الاعتبار للكرامة العربية المهدورة، إلا أن النتائج السياسية لتلك الحرب كانت محدودة جداً، مما هيأ العرب والفلسطينيين للتوصل إلى استنتاجات مفادها أن حلمهم بتحرير فلسطين من "النهر إلى البحر" لم يعُد هدفاً واقعياً، في ظل المعطيات الجيوستراتيجية الجديدة. وقد بدأت منذ حرب عام 1973، "حالة انتظار" لحل الصراع العربي-الإسرائيلي عموماً، والفلسطيني-الإسرائيلي على وجه التحديد، على أُسس جديدة، ومن منظور مختلف عما كان سائداً قبل حرب عام 1967، بما في ذلك الاستعداد للتعاطي مع إسرائيل، بعد أن كان ذلك محرماً في الأدبيات الثورية الفلسطينية والقومية العربية.

وبعد توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل عام 1978، وبغض النظر عن الرفض العربي العام لتلك الاتفاقية، إلا أن تلك الخطوة شكلت سابقة هامة، حددت بصورة جلية ملامح الخطوات التي ستليها.

وقد شكلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، نقطة تحول ساهمت في كسر حالة الانتظار بحدوث معجزة تُحرك الوضع الراهن، والركود السياسي، وتخلق حِراكاً نحو الحل. وقد حدثت المعجزة بالفعل، وأدركت القيادة الفلسطينية بأنه لا سبيل للحل السلمي مع إسرائيل إلا بالموافقة على القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع، التي تعني فيما تعنيه "الاعتراف" بإسرائيل والقبول بتأسيس دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، بما يمكن الفلسطينيين من تقرير مصيرهم وحل مشكلة لاجئيهم.

وكذلك أدركت إسرائيل، بأنه لم يبق أمامها سوى الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، بعد أن كشفت الانتفاضة عناصر ضُعفها، وأيقنت بأنها لن تستطيع مواجهة معضلاتها دون الإقدام على تلك الخطوة. وهذا ما فتح المجال وبالتظافر مع عوامل ومتغيرات أخرى؛ دولية، وإقليمية، ومحلية؛ موضوعية، وذاتية، للدخول في مسيرة السلام التي بدأت بطيئة ومتعثرة في "مؤتمر مدريد". وسرعان ما حققت قفزة سريعة في "أوسلو"، نتج عنها توقيع أول اتفاقية بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، تلاها بوقت قصير، توقيع اتفاقية سلام دائم بين الأردن وإسرائيل.

وبقدر ما كانت الآمال والتطلعات كبيرة عند توقيع "اتفاقيات أوسلو"، بقدر ما كانت خيبة الأمل قاسية إزاء فشل تلك الاتفاقيات في الوصول إلى مآلاتها النهائية بالتوصل لاتفاق سلام نهائي بين إسرائيل وفلسطين؛ اتفاق، يفتح الآفاق لتحقيق سلاماً شاملاً وعادلاً ودائماً بالمنطقة، وينهي حالة الصراع والعداء والكراهية والتنافر، ويفتح باب التعاون والتعايش والتسامح، والتقدم والرخاء، والأمن والأمان.


لقد اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، ومدت يدها للسلام، لكنها لم تستطع أن تُسوِق معنى وأهمية ما أقدمت علية للشعب الإسرائيلي بما يحسم معركة السلام في عقله ووجدانه، ويسيطر على غرائز الخوف المسكونة فيه. ولم تستطع أن تُشكل نموذجاً في الحكم؛ رغم الصعوبات والتعقيدات المهولة التي أحاطت بها. ولم تستطع توحيد الشعب الفلسطيني على استراتيجية وطنية واحدة، تُؤسس لركائز دولة حرة ومستقلة، ديمقراطية وعصرية، تحترم الحريات وحقوق الإنسان، وتقوم على التعددية السياسية ووحدانية السلطة وسيادة القانون. كما أنها لم تستطع أن تُحافظ على إنجازاتها ومكتسباتها، فحصل الانقلاب والانقسام في جزء من أراضيها، فمزق وحدتها الترابية وقسم شعبها جغرافياً، مثلما هو مجزأ سياسياً، وقدمت مقاربة غير مشجعة بشأن مدى أهليتها للحكم!!

أما إسرائيل، فقد أقرت بوجود الشعب الفلسطيني واعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ولم تعترف بالدولة الفلسطينية، وتركت موضوع الدولة لما ستؤول إليه المعطيات على أرض الواقع. وهي وإن وافقت مبدئياً بعد ذلك على التأسيس المشروط للدولة، فقد انطلقت في موقفها هذا من موضع الرفض للمقومات الأساسية للدولة، لا من موقع القبول. لقد وافقت إسرائيل على الدولة الفلسطينية التي ستحل مشاكلها الديمغرافية والأمنية والسياسية والأخلاقية، وقيدت موافقتها باشتراطات تُفرغ الدولة من أي مضمون حقيقي في الاستقلال والسيادة ويحرمها من تجسيد الحقوق الفلسطينية المشروعة، وبصورة خاصة حق العودة.

لم توافق إسرائيل على الدولة الفلسطينية التي تُشكل استحقاقاً طبيعياً لشعب حر، متعلم، متحضر وبناء. شعبٌ فُجِع في وطنه، فعاش الصدمة، والنكبة، والنكسة؛ والجوع، والتشرد، والتشتت. ولكنه حافظ على كينونته، وكيانيته. وأطر أحلامه وتطلعاته، وصنع ثورته وانتفاضاته، وارتقى بنفسه وعقله وفكره. لم تتعامل إسرائيل مع الشعب الفلسطيني بالاحترام الذي يستحق، وبالوقار الذي يليق به، ووضعته دائماً في اختبارات لا متناهية، وفي ظروف يصعب معها النجاح. وذلك بدلاً من عدم إعاقته على النهوض من بين الركام.

إن وصول عملية السلام للنقطة التي وصلت إليها بعد ربع قرن من المراوحة بالمكان، بل وللتراجع إلى الخلف في حالات كثيرة، ينم عن فشل متعدد الأبعاد ومختلف الأوجه. وكان من الأولى بإسرائيل "دولة الاحتلال"، أن تمتثل للشرعية الدولية، بدلاً من الاستقواء بشرعية المفاوضات القائمة على موازين القوة غير المتكافئة، وأن تمد جسور الثقة نحو الشعب الفلسطيني لا أن تنتظرها منه. كان عليها أن تُعبر عن قلقها ومخاوفها، مثلما هي رغباتها وتطلعاتها، بطريقة تصل إلى وعي وضمير ووجدان الشعب الفلسطيني من موقع الشراكة والمنافع المتبادلة، لا في إطار الاشتراطات والإملاءات من موقع القوة والاستعلاء وبما يخدم مصالحها هي وحسب. كان عليها أن تساعد الشعب الفلسطيني في التغلب على معضلاته الناجمة على احتلالها له بما يُحقق توازنه الداخلي؛ ولم يختلف الفلسطينيون على شيء أكثر من اختلافهم على كيفية التعاطي مع إسرائيل، اعتدالاً وتشدداً، انفعالاً وتعقلاً.

وتجدر الإشارة في هذا المقام، بأنه إن كان الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي يدينان لربٍ واحد، ويشتركان في جدٍ واحد، ويعيشان في "وطنٍ واحد". وإن كانت تحيتهم وختام صلواتهم واحدة (السلام)، ألا يجدر بهما التطلع إلى إنهاء الصراع القائم بينهما منذ نحو قرن من الزمان على أساس من القبول بالآخر والإقرار بوجوده، والقائم على المساواة والعدل والتسامح؟ والخروج من الجمود الفكري الذي ولَّدَ جموداً سياسياً عطّل عملية السلام بينهما؟

ألا يجدر بهما الاجتهاد الصادق للخروج بمقاربة خلاقة للتعاون والتعايش بينهما ولمصلحة كليهما، بما يعظم المنافع المشتركة (وهي كثيرة)، ويقلل المخاوف المتبادلة (وهي عميقة)، ويبني قاعدة صلبة من الثقة (وهي معدومة)؟

قد تبدو الأمور صعبة ومعقدة ومظلمة، ولا يكاد يشع بصيص من الأمل في نهاية النفق، ولكن لا يأس مع الحياة، ولكل امرئٍ ما سعى، ولا تدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمراً!!