اللحم الاصطناعي نكهة مزيفة تبحث عن الطعم الحقيقي وإنقاذ الكوكب.. لكن هذه المكونات تثير مخاوف الخبراء


اللحم الاصطناعي نكهة مزيفة تبحث عن الطعم الحقيقي 


بعدما لجأت بعض مطاعم البرغر إلى استخدام اللحوم الاصطناعية المزيف في وصفاتها كطريقة تسويق تستهدف النباتيين، يطرح سؤال نفسه: هل يمكن الوثوق بصحة مكوناتها لو أردنا حقاً التخلي عن تناول اللحوم وإنقاذ الحيوانات ومعه الكوكب؟ في مطعم DoppleGanger بمدينة كامبريدج البريطانية، يُعِد الطاهي وصاحب المطعم ألفي فولر، البالغ من العمر 28 عاماً، البرغر النباتي لزبائنه. وهو ليس بمفرده. فهو واحدٌ من موجةٍ من المطاعم، التي لا تسوق لنفسها فقط على أنها نباتية، لكنها تقوم بذلك من خلال تقديم «اللحوم الاصطناعية» أو «اللحوم المزيفة». التسميتان تختصران هدفاً واحداً: تقديم أطباق بنكهة اللحم لمن لا يودُّ أن يتناول اللحم، سواء لأسباب صحية أو أخلاقية. خدمة الوجبات السريعة «Just Eat» أفادت مثلاً بأن الطلب على الخيارات النباتية بين عملائها ارتفع بنسبة 98.7% في عام 2017. وعندما طرحت شركة Greggs النقانق النباتية في الأسواق -والتي تحتوي على حشوات ممزوجة حسب الطلب بالـQuorn (مواد بديلة للحوم)- في بداية شهر يناير/كانون الثاني 2019، حدثت ضجةً كبيرةً استمرت بضعة أيامٍ.

الـQuorn.. المكون الأساسي للحم الاصطناعي المزيف

يُباع الـQuorn -وهو لحم مزيف يُصنع من مادة الميكوبروتين– في بريطانيا منذ عام 1985، ولكن خلال السنوات القليلة الماضية فقط، بدأ بيعه على شكل «لحم خنزير» نباتي إلى قطع الدجاج (الناجتس)، ومن الديك الرومي المزيف إلى الفطائر المحشوة وشرائح اللحم. ووفقاً لصحيفة The Guardian، لو تجولت في قسم المنتجات النباتية المجمدة، فستجد «كُرات لحم» و»برغر» و»أصابع الدجاج» وكلها نباتية الأصل. لن تستطيع أن تحصي أنواع اللحوم النباتية التي ستجدها. استُبدلت أشكال اللحوم الموجودة في كثيرٍ من قوائم الغداء المدرسية مثل الناجتس والنقانق بالـQuorn.

تقليد اللحوم ممارسة قديمة لجأ إليها الفقراء والنباتيون

لا يعني ذلك أن مفهوم اللحوم المقلدة شيءٌ جديد. فلطالما كان هناك أشخاصٌ نباتيون -أو فقراء جداً لا يستطيعون شراء اللحوم- كانت هناك لحومٌ وهمية من نوع أو آخر. لعدة قرون في روسيا صنع الطهاة هريس الباذنجان وأطلقوا عليه اسم «الكافيار». أو بالنظر إلى النقانق الويلزية المصنوعة من الجبن والكراث وفتات الخبز، والتي انتشرت خلال الحرب العالمية الثانية عندما قُننت اللحوم. تختلف اللحوم المزيفة الجديدة بفضل التطورات في تكنولوجيا الأغذية، فقد أصبح بعضها واقعياً بشكل خارق في كلٍّ من الملمس والمظهر. تقحم الآن جميع المتاجر الكبرى بشكلٍ متزايدٍ إصدارات من البروتينات الحيوانية خالية من اللحم، من الأسماك «الرقيقة» إلى البرغر المشبع بعصير الشمندر.

البعض يرى فيها حلاً لهوس الثقافة الغربية باللحوم

المدافعون عن اللحوم المزيفة الجديدة مثل شركة Beyond Burger -ومنافسها الرئيس في الولايات المتحدة، شركة The Impossible Burger- يدَّعون أنها أفضل للبيئة ولصحة الإنسان. قال أحد مؤسسي شركة Impossible Foods، الدكتور باتريك براون، إن رؤيته تتمثل في القضاء على الطلب غير الواعي والقاسي على الحيوانات كغذاء. وقال براون: «نحن نعرف الآن كيفية جعل اللحوم أفضل، من خلال صنعها مباشرةً من النباتات». في الواقع، بالنسبة لبعض المستهلكين، كانوا يرغبون في هذه اللحوم المزيفة منذ فترة طويلة، وهي حلٌّ دائمٌ للثقافة الغربية الغذائية المهووسة باللحوم، من خلال تقديم نكهات وأشكال مختلفة غير العدس والخضراوات.

ولكن، ما هي اللحوم الاصطناعية في الأساس؟

عندما نقول: «نحن نحب اللحم»، فهل نتحدث حقاً عن مجموعة العناصر الغذائية؟ نكهة معينة أو ملمس؟ أم مجموعة من الذكريات الثقافية لمشاركة وجبات الأعياد والمناسبات الخاصة؟ الصين -على سبيل المثال- هي الثقافة الأكثر تقدماً في مسار اللحوم المزيفة، حيث صنع الطهاة البوذيون لعدة قرون، أطعمة رائعة مثل «الأوز المشوي» و»البط» وحتى «الأمعاء» من طبقات من غلوتين القمح والتوفو (نوع من الجبن النباتي المصنوع من حليب الصويا). تقول خبيرة الطعام الصيني فوشيا دونلوب، إن «البرغر النباتي» الذي يُقدَّم في بريطانيا المعاصرة «له غرض اللحوم المزيفة البوذية الصينية نفسه»، وهو تمكين الناس من تناول الطعام النباتي دون إجراء تغييرات جذرية على عاداتهم الغذائية. وأضافت أن الفرق يكمن في أن اللحوم الصينية التقليدية المزروعة تميل إلى أن تُصنع من التوفو والفطر والمكونات العادية الأخرى، في حين أن بعض اللحوم المزيفة الجديدة في الغرب «تُصنَّع بإضافات يُحتمل أن تكون غير صحية».


وهنا تصبح الحماسة المتنامية الصناعية المزيفة خادعة بعض الشيء

وفقاً للدراسات، فإن القلق على صحتنا هو أحد الأسباب الرئيسة التي تجعل البعض يشتري النقانق والبرغر النباتي بهذه الكميات. المأخذ على ذلك هو أنه لا يوجد بالضرورة أي شيء صحي بشكل خاص في النقانق النباتية. ويرى الكثيرون أنها مجرد مجموعة أخرى من الأطعمة الاصطناعية المجهَّزة بشكل مفرط، في عالم غارق بالفعل فيما يسميه الكاتب مايكل بولان «المواد الشبيهة بالطعام». تخشى جيني روسبورو، أخصائية تغذية مسجلة، من اعتقاد أن «اللحوم» النباتية صحية أكثر بشكلٍ تلقائي. تشير جيني إلى أن البرغر الخالي من اللحوم يحتوي في المتوسط على ملح أكثر من لحم البرغر: 0.89 غرام لكل حصة من البرغر النباتي مقابل 0.75 غرام من البرغر الحيواني. تلاحظ جيني أيضاً أنه عند التحول إلى تناول هذه المنتجات، يجب عليك أيضاً التفكير في المواد المغذية التي قد تصبح مفقودة في نظامك الغذائي، مثل الحديد وفيتامين «ب».

فالمنتجات البديلة للحوم تحتوي على ملح ومواد حافظة مضرة

تقول رينييه ماكغريغور، وهي أخصائية تغذية مسجلة تعمل مع الرياضيين ومؤلفة كتاب Training Food: «ربما لا تكون النقانق النباتية أفضل بالنسبة لك من المصنوعة من اللحم». ولأنها تتبع حِمية نباتية، تستخدم رينييه نقانق التوفو في بعض الأحيان، ولكنها تشعر بعدم استحقاق هذه النقانق تأثير تلك «الهالة الصحية» التي تُرسم حولها في بعض الأحيان، فقط بسبب كونها نباتية. أضافت رينييه: «إنَّ الشيء الأكثر أهمية هو أنه يجب توخي الحذر عند تناول أي طعام تمت معالجته بصورةٍ كبيرة، لذلك ليس من الضروري تجنُّبه تماماً، لكني لا أوصي بتناول النقانق النباتية أسبوعياً؛ نظراً إلى محتوى الملح المرتفع، بالإضافة إلى القائمة المحتملة للمواد المضافة والمواد الحافظة بها». إذ يمكن أن تحتوي شريحة البرغر على ما يلي: بروتين مستخلص من البازلاء، وزيت الكانولا المستخلص بالضغط، وزيت جوز الهند المكرر، والماء، وخلاصة الخميرة، بالإضافة إلى مادة المالتودكسترين ونكهاتٍ طبيعية والصمغ العربي، وغيرها الكثير. حداثة هذه المنتجات تعني أن آثارها على عملية الهضم البشري نسبياً لم تُختَبر. وعلى منتجات Quorn تحذير من الحساسية المفرطة التي قد تسببها مادة الميكوبروتين لبعض الأشخاص.


هل يمكن إذاً أن نقول: هل منتجات اللحوم الاصطناعية صحية أكثر من اللحوم؟

الدكتور فومياكي إمامورا، المتخصص بعلم الأوبئة في وحدة الأوبئة بمعهد البحث الطبي في جامعة كامبريدج، لاحظ أنه لا يوجد «دليل» من الدراسات واسعة النطاق المختصة في مثل هذه المنتجات. لكنه أشار إلى دراسة بجامعة هارفارد في عام 2016، لفتت إلى أن الأشخاص الذين تناولوا بروتيناً نباتياً أكثر من تناولهم البروتين الحيواني كانوا أقل عُرضة للوفاة بشكلٍ عام. ولكن البروتين النباتي بالدراسة كان في الغالب من الفاصولياء والبقول والمكسرات وليس من شرائح اللحم المقدد المصنَّع من الـQuorn. ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً الذي تثيره اللحوم الاصطناعية المزيفة النباتية ليس السبب في أنها ليست أفضل أو أكثر صحة، ولكن لماذا يكون اللحم الذي يختارونه ليحاكوه هو نفسه معالجاً جداً وجودته فقيرة؟ بالعودة إلى مطعم DoppleGanger، يقول ألفي فولر إنه يشعر بأن فطائر الصويا التي يقدمها، أكثر صدقاً في طريقتها من معظم ما يُستهلك على أنه «لحمٌ» في بريطانيا الحديثة. في أحد البارات التي اعتاد فاولر طهي الطعام بها، كان يقدمون وجبة خفيفة من «أصابع الدجاج». استطاع أن يقرأ على التغليف الخاص بها أن هذه الأصابع كانت تحتوي فقط على 50% من الدجاج وبقية مكوناتها عبارة عن الغلوتين والقمح والإضافات المختلفة، ولكن الزبائن الذين اشتروها اعتقدوا أنهم يأكلون لحوماً.

«أصبحت اللحوم رخيصةً للغاية، لدرجة أنها لم تعد لحوماً بعد الآن»

سيقول المدافعون عن اللحوم -ولديهم منطق مقبول- إن فخذ لحم الضأن غير المصنَّع والمطبوخ في المنزل والذي تغذَّى على العشب شيء «طبيعي» ومغذٍّ أكثر بكثير من البرغر المصنَّع من الـQuorn. لكن السؤال هو: ماذا تفعل إذا كنت تفتقر إلى المال لشراء لحم الضأن الذي تغذى على العشب.

ومناصرو البيئة والحيوانات مصرُّون على إنقاذ الكوكب «لقمة لقمة»

في البلدان المتقدمة بالعالم، وضمنها بريطانيا، تتكون الآن نصف اللحوم المستهلكة من منتجات اللحوم المصنعة، من فطائر اللحم إلى الكباب، لأن هذا هو نوع اللحم الذي بإمكان الشخص العادي تحمُّل ثمنه. يقول فاولر: «لقد أصبحت اللحوم رخيصةً للغاية، لدرجة أنها لم تعد اللحوم بعد الآن». السؤال الأكبر هو: ما سبب بقائنا عالقين في الاعتماد على «اللحم» كمكون رئيس لوجباتنا؟ إن ظهور اللحوم المزيفة لا يُعد ثورة غذائية حقيقية، لكن الناشطين المناصرين للبيئة ومعارضي قتل الماشية يعتبرون أنهم أمام درب طويل لإنقاذ الكوكب «لقمة بعد لقمة».

عربي بوست