أطْلَق شرطي من حرس الحدود النار على رأس فتَى عمره 16 سنة. 

 وتحاول عائلته معرفة لماذا حصل هذا ؟

أُصيب الطالب الثانوي فوّاز عبد بجانب بيته في البيره. نقله جاره إلى المستشفى، هناك أجرَوا له عملية وأنقذوا حياتته. الشرطة: المتّهم أخلّ بالنظام، والجنود هم الذين طلبوا من السائق نقله إلى العلاج الطبّي


بقلم : جدعون ليفي وأليكس ليبك هآرتس، 18.1.2019 ترجمة: أمين خيرالدين 

فوّاز عبد وأبيه في بيتهم في البيره، يعتقد الأب أن ابنه أثار شكوك رجال الشرطة عندما حاول الهرب.
تقول جدّته إنهم أطلقوا النار عليه لأنه طويل القامة تصوير أليكس ليبك
      

اليوم عند الفتى امتحان، خرج مبكرا من البيت، كي يتمكن من شرب القهوة مع صديقه في المقهى في الشارع القريب، حيث يلتقيان كلّ صباح وهما في طريقهما إلى المدرسة. اليوم لدى الطالب امتحان لذلك أخذ معه كتيّبا وقلما وخرج بهدوء من البيت، كان ابوه لا يزال نائما، الساعة السابعة والنصف صباحا، حيّ سكني هادئ في قلب بلدة البيره بالقرب من رام الله. يخطو في الشارع المنحدر باتجاه المقهى، وفجأة يشاهد مجموعة من رجال شرطة حرس الحدود يقفون عند مُفْتَرق الطرق في أسفل الشارع. أخذ يفتّش عن مهْرَب كي يتجنب الالتقاء معهم، ابتعد راكضا، وقع الكُتيّب من يده، بخطوة كان يمكنها أن تكلِّفه عمره. مقابِلَه شرطي من حرس الحدود. وفجأة ظهر عن يمينه شرطيان آخران من حرس الحدود، يصعدان على الدرج الموصِل من أحد الأزقّة بين البيوت إلى الشارع. اقترب منه أحد رجال الشرطة، على ما يبدو إنه اقترب منه راكضا، وأطلق عليه رصاصة مُغَلّفَة عن بُعد أمتار، مباشرة إلى رأسه. وقع الفتى يتخبّط بدمه. أكثر من ذلك لا يذكر شيئا. عندما يستيقظ في المستشفى، بعد عمليّة جراحية استغرقت حوالي خمس ساعات، سيتضح أنه نجا بأعجوبة، نهاية جيدة لقصة سيّئة. هذا ما حدث في الطريق إلى مدرسة في بلدة البيره، أو في أيّ مكان تحت سماء الاحتلال.
   
 في الليلة السابقة، حوالي منتصف الليل، أطلق فلسطينيون النار على باص مستوطنين بالقرب من بيت إيل. لم يُصَب أحد، تحطم زجاج نوافذ الباص، هرب الفاعلون، قامت قوات أمن بمطاردة كلّ شيء فيها مسموح، بالتأكيد، اقتحمت قوّات حرس الحدود بلدة البيره، وبدأوا بمصادرة كاميرات الأمن في المقاهي والدكاكين في الحيّ السكني الذي تسكن فيه عائلة الفتى. كان ذلك صبيحة يوم الأحد من الأسبوع الماضي، الفتى هو فوّاز عبد، عمره 16 سنة، أبوه ماهر ابن 45 سنة، مراقب في بلدية البيره، فلسطيني من مواليد بيرو، يحمل جنسيّة بيرو، يتكلّم الإنجليزيّة بلهجة إسبانيّة، سي،سي، سي، أمضى جزءا من حياته منفيّا في بيرو وبعد ذلك في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، قبل أن يعود إلى بلدة آبائه، بعد أن قُتِل اخوه في عمليّة سطْوٍ في بروكلين، بقيت أخواته الثلات مع عائلاتهن في بيرو. ولِد ماهر في أيكا، مدينة صحراويّة مُحاطة بكثبان رمليّة، تبعد 300 كيلومتر عن ليما عاصمة بيرو. عندما كان في سِنِّ 16 انتقلت عائلته إلى بروكلين، حيث عاشوا هناك 12 سنة وأداروا متجرا صغيرا لبيع الأطعمة والخضروات، حتّى عمليّة السطو التي أجبرتهم على العوْدة إلى الوطن، إلى الهدوء والأمن في حياة البيره المُحْتلّة، حيث وُلِد فوّاز.

الشارع في رام الله الذي أُصيب فيه الفتى، هذا الأسبوع تصوير أليكس ليبك


كانت الطريق هذا الأسبوع إلى بلدة البيره صعبة ومُعقّدة أيضا. حاجز بيت إيل شمال رام الله لا يزال مُغْلَقا للحركة، كعقاب جماعيّ بسبب آخر حادث إطلاق نار في المنطقة، واختناق المرور عند الخروج من الحاجز الجنوبي، حاجز قلنديا، امتدّ كيلومترات عديدة، عندما عبرنا الحاجز إلى الطريق المفتوحة إلى المدينة، كان الحاجز مُغْلقا للخارجين منها. كان جنود حرس الحدود بملابسهم السوداء يقفون مع أسلحة جاهزة، يوجّهون أسلحتهم باتجاه صفّ السيّارات الممتد إلى ما لا نهاية، يمنعون أيّ تحرّك. لم يكن معروفا لماذا أُغْلِق الحاجز وإلى كم من الوقت. أفرغ السائقون المُحْبَطون غضبهم، السائقون الذين يُهْدر وقتهم وكرامتهم، بواسطة زمامير سيّاراتهم التي تصمّ الآذان، خاصة بشاحناتهم. أنين الزمامير، هو الاحتجاج الوحيد المسموح به هنا. مع إهمال قلنديا الدائم والتشويش المحيط بها، يصْلحان ديكورا لفيلم رُعْب، كان المنظر مُرْعِبا وباعثا على اليأس، حتى لو كان روتينيا بالنسبة للفلسطينيين.
الأسئلة مفتوحة
   
 جرى الحادث في شارع في البلدة القديمة، في قلب الحيّ القديم من البيره. حيّ سكنيّ هادئ، كمنظر يخدع: خلال دقائق، مع اقتحام جيش الدفاع الإسرائيلي، أو حرس الحدود، يمكن أن يتحوّل بلحظة إلى ساحة موت. محل لبيع الأدوات الكهربائيّة مقابل حظيرة بيتية لعَنْزَتَيْن، أتان وابنها تقفان الآن في المكان الذي أطلق منه جنود حرس الحدود النار على رأس فوّاز يلعقان بقايا غذاء وأكياسا من النايلون. بقْعة الدم التي سالت على الشارع زالت تماما، كان هذا يوم الأحد، أل- 6 من يناير/كانون الثاني.
  
خرج فوّاز من البيت باتجاه المدرسة الثانويّة المُسمّاة على اسم أمين الحُسَيْني والتي تعلّم بها، وكان ينوي أن يشرب القهوة مع صديقه أمجد قرعان، وهذا يتعلّم في ثانويّة أخرى في المدينة. كانت قوّة حرس الحدود تعمل على جمع كاميرات الأمن من الدكاكين ومن المقاهي في أسفل الشارع، كانت مجموعة من الفتيان تلقي عليهنم حجارة وكان الجنود يردّون بالغاز المسيّل للدموع وبالرصاص المغلّف بالمطاط. يتضح من التحقيق الذي أجراه إياد حدّاد، محقق مُنظمة بتسيلم، أنه كان تبادل كلام بين فوّاز وجنود حرس الحدود المتواجدين في أسفل الشارع، حسب تقدير حدّاد أنهم افتعلوا ذلك لكي يلتفت إلهيم، في الوقت الذي صعد اثنان من زملائهم في الزقاق، ففاجئوه عن يمينه وأطلقوا النار عليه. لماذا أطلقوا النار على فوّاز؟ من غير الواضح. يقول أبوه أن أثار شكوكهم عندما استدار وحاول الهرب خوفا منهم. تقول جدّته، ثَرْوَه، أطلقوا النار عليه لأنه فارع الطول. كان من الصعب إيجاد تفسير أكثر إقناعا هذا الأسبوع.
     
 ينكر فوّاز أنه اشترك بإلقاء الحجارة. يقول أبوه: "بحياته كلّها لم يُلْقِ ابنه حجارة. لماذا؟ ربّيت أبنائي على عدم القيام بأعمال كهذه". حسب أقوال المحقق حدّاد كان الشارع هادئا قبل إطلاق النار. لماذا أطلقوا النار على رأسه عن بُعد أمتار قليلة، في الوقت الذي كان بإمكانهم التصويب على رِجْلَيْه، هذا لو كانوا مُضْطَرين على إطلاق النار عليه؟ ولماذا إطلاق النار على تلميذ مدرسة غير مسلّحٍ ومن بُعد صغير، بُعد يتحوّل فيه الرصاص المُغلّف بالمطاط إلى رصاص قاتل؟ لذلك لا يوجد أيّ تفسير أو تبرير.
    
سقط فواز على الشارع، فقد وعْيّه وبدأ ينزف من رأسه، تجمعت بقعة من الدم تحت رأسه. هو يتذكر فقط أنه لا يتنفّس ويكاد يختنق. أصابه دَوار وسقط مستلقٍ عبى ظهره. لا يتذكر شيئا غير ذلك. هرب أمجد هائجا إلى بيته، بيته الذي يبعدىأمتار معدودة عن مكان الحادث، حاول طلب إغاثة، جدّته ، هلاله مّه أولى، وأخته ، مزوزه اسرعن بالخروج إلى الشاره يصرخن. صرخت الأم على الجنود قائلة بغضب: "أنتم قَتَلَةٌ ،انظروا ماذا فعلتم، لماذا أطلقتم النار؟ ماذا فعَلَ؟". صوب جنود حرس الحدود بنادقهم باتجاههن وحاولة إبعادهن.

آراء مُتضاربة
   
 حسب تقدير حدّاد إنه مضى من 5 – 10 دقائق، وفواز مُلْقًى ينزف على الشارع قبل أن يُطْلَبَ الإسعاف. قال شهود عيان لمحقق منظمة بتسيلم أن الجنود ركلوا فواز، على وجهه وعلى يديه، وداسوا على يديه. ربما قلبوا جثّته بأرجلهم ليرَوا حالته. وعندما وصل إلى المستشفى كانت إحدى عينية مورّمة. وكانت يده لا زالت مُصابة وكان هذا الأسبوع لا يزال من الصعب عليه تحريكها. وقد صرح الناطق باسم الشرطة هذا الأسبوع لجريدة "هآرتس": "بعد فحص الحادث تظهر صورة أخرى تختلف تماما ولا تتلاءم مع ما يدّعون. المتّهم كان واحدا من مجموعة مشاغبة أخلّت بالنظام العام في المنطقة، كان يرشق الجنود بالحجارة وأُصيب برصاصة مُغلّفة بالمطاط - وهي وسيلة مشروعة لتفريق المخلّين بالنظام، وعن بعد حوالي 50 مترا. عكس ما يدّعون، وعندما رأى الجنود أنه مصاب طلبوا من أوّل سائق وصل إلى المكان أن ينقله إلى العلاج الطبي وأن يطلب الهلال الأحمر ولم يتصرّف الجنود معه كما يُقال.
 
 "ونُنوِّه أنه في الشهور الأخيرة يعمل جنود حرس الحدود مع قوّات الأمن على إحباط عمليّات الإرهاب وتوقيف مخرّبين في منطقة رام الله. وللأسف، تواجه كل عملية، بإخلال بالأمن من جانب مئات المحليين الذين يلقون بالشحنات، يحرقون عجلات مطاطيّة ويرشقون الجنود بالحجارة وبالزجاجات الحارقة ومنهم هذا المشاغب في هذه الحالة. محاربو حرس الحدود سيواصلون العمل بإصرار ضد كلّ تهديد وفوضى عنيفة حيثما كانت، من أجل أمن مواطني دولة إسرائيل". على السؤال لماذا أطلق الجنود النار على رأس فوّاز عبد، ربّما يكون هذا السؤال أهم من أيّ شيء، لكن الناطق اختار ألاّ يجيب عليه.
    انصرف جنود حرس الحدود من الشارع، تاركين الفتى الجريح على الشارع. النساء اللواتي خرجن نحو الجنود هن اللواتي طلبْن سيارة الإسعاف الفلسطينيّة وعندما تأخرت سيارة الإسعاف ، نقل أحد الجيران الفتى الجريح إلى مستوصف الهلال الأحمر في نفس الحيّ، حيث تلقّى هناك الإسعاف الأوليّ. ومن هناك نُقِل بسيارة إسعاف إلى المستشفى الحكومي في رام الله.
     
وجد الأطباء في المستشفى كسورا في الجمجمة ونزيفا في المخ. أُدْخِل فورا إلى غرفة العمليات بمحاولة لإيقاف النزيف. وعندما وصل الأب المذعور إلى المستشفى، قالوا له أن حياة ابنه في خطر. "لم أكن أتوقّع أن أرى فواز في الحالة التي رأيته بها"، هذا ما يقوله الأب، "مستلقٍ على السرير، كل جسمه ملطّخ بالم، عيناه مفتوحتان، في فمه أنبوب للتنفّس ولا يتحرّك". وَعَدَ الأطباء بعمل كل ما يمكنهم عمله.
   
فيلم قصير مُصوّر باللغة العربية يُبثّ في القنال التلفزيوني CARTOON NETWORK يدوّي. العائلة البيرونيّة (من بيرو)- الفلسطينيّة لطيفة جدا. يتكلم الأب اللغة الإسبانية واللغة الإنجليزيّة، الأم، مزوزه، ابنة بلدة اللبيره. فوّاز لم يكن في بيرو أبدا. لدى الزوجيْن بنتان وثلاثة أبناء. استيقظ فوّاز من غيبوبته بعد العملية وعاد إليه وعيه بسرعة، أدْهَش بسرعة انتعاشه وبعد أسبوع عاد إلى بيته. يقول الأطباء إن ما حدث كان أعجوبة ونفس الإحساس أيضا لدى أبناء العائلة في البيت. يتجوّل الأن ورأسه مضمّدة بضمّادة بيضاء فوقها غطاء أحمر. كان من الصعب على فواز أن يجلس معنا لذلك عاد إلى غرفته بعد دقائق. يقول أبوه إنه لا يمكنه أن يعمل شيئا، وعندما يتصفّح الفيسبوك، يتوقف بعد دقائق ويشكو من وجَعٍ في رأسه. قال الأطباء يمكنه أن يعود إلى المدرسة بعد شهر. حاليا يكثر المعلمون والأصدقاء من زيارتهم له في البيت. وقد وعده المعلّمون بأنه لن يخسر السنة الدراسيّة.
    
" عشنا سنوات عديدة معا. ماذا جرى؟" تسأل الجدة ويظل سؤالها يتردد في فراغ الغرفة الدافئة.