من صالون عهد التميمي حتى كرفانات بيت إيل: مسيرة "كاسري الصمت" تلخّص تاريخ الاحتلال


 مسيرة تعليميّة حديثة تمرّ عبْرَ محطات وأشخاص برزوا في تاريخ الاستيطان في طول الضفة الغربيّة وعرضها. وفي نهاية سبع ساعات يكتشفون أن هذه المحطّات قد وُضعَت منذ سنة 67 وعملت كل الحكومات على تنفيذها


بقلم : جدعون ليفي و أليكس ليبك : هآرتس،11.1.2019 ترجمة: أمين خيرالدين 

كرفانات منقولة إلى بيت إيل تصوير: أليكس ليبك

شاحنتان ل"غواطه هوفلاه ومنوفيم" تصعدان في الطريق باتجاه بيت إيل. ترافقهم سيارة شرطة، وخلفها تندر عسكري. مكتوب على المركبة في المؤخّرة، "إحذر، حمولة ثقيلة"، كأنه تلميح. منذ البداية لم يكن أيّ شيء بالصدفة بالنسبة لإقامة المستوطنات وانتشارها. الخرائط تقول ذلك: كل مدن الضفّة الغربيّة باستثناء جنين محاطة بالمستوطنات من كل جهاتها. مشروع بدأ بعودة مجموعة من المتعصِّبين إلى الخليل، ولغوش عتصيون ولبيت هشبعا (بيت هشبعا اسم لبيت في الحي العربي بيت حنينا في شمالي القدس سكنته عائلة يهودية – المترجم) وقد تسارع هذا المشروع هذا المشروع على ضَوْء الإيمان الصهيوني القديم، وبموجبه تُقَرّر حدود السيادة.

تطلب منظمة "كاسرو الصمت" تخطيط هذا الإجراء من بدايته حتي يومنا هذا: منذ 

 تاسيسه سنة 2004 قام أعضاؤه بمئات المسيرات للخليل وجنوب جبال الخليل، وشارك فيها كل سنة حوالي 5000 من الإسرائيليين والأجانب. لم يعد أحد منهم لا مباليا من حيّ الأشباح والترحيل، من أراضي الكهوف التي نُهِبت من أصحابها. قريبا ستقوم المنظمة بمسيرة في وسط الضفة الغربيّة، تستعرِض فيها تاريخ الاحتلال من بدايته حتى يومنا هذا. المسؤول عن تنظيم المسيرة يهودا شاؤول، من مؤسسي منظمة "كاسري الصمت"، سابقا كان متديّنا متشددا وجنديّا محاربا. شاؤول، ابن 36 سنة، عمِلَ على المسيرة لمدّة سنة ونصف السنة، عمل على تحرير الإرشاد وتحضير الخرائط. من أجل هذا التحضير قرأ 40 كتابا عن المستوطنات ونقّب في دور المحفوظات. إرشاده في دروب الاحتلال رائعة: موضوعي واسع المعلومات، بعيد عن الشعارات، مُلتَزم بالحقائق، متمكّن من العبريّة والإنجليزيّة. 
    
برنامج المسيرة يمتد لسبع ساعات: يوم في قضاء رام الله، موديعين عيليت لغاية بيت الفتاة عهد التميمي في قرية النبي صالح؛ من خطّة ألون حتى شوارع "مركام حاييم" المُعدّة للفلسطينيين. خلال المسيرة تتضح الصورة للمصادقة عليها: أُشير على أهداف الاحتلال فورا بعد حرب 67. وكل حكومات إسرائيل، بدون استثناء، عملت على تنفيذها.

 المليون الأوّل

 كان الهدف الأساسي للخطّة منع إقامة كيان فلسطيني بين نهر الأردن والبحر، بواسطة بتْر الضفة الغربيّة وتفطيعها لشظايا أرضية. تغيّرت الطرق، وبقي الهدف على ما هو، حادٌّ وواضح: سيطرة إسرائيليّة أبديّة. لم ينفّذها عنصريون من اليمين، أنما مَنْ نفّذها من صميم إسرائيل، وكالات سلطتها، بغطاء من أجهزة القضاء والإعلام. في الطريق للوصول إلى مليون مُسْتَوْطِن، المليون الأول، وكل الطرق كانت صالحة.

   
 الهدف الأساسي الآن هو تطوير البُنية التحتيّة: الشوارع السريعة والفاصلة، الإلتفافات المموِّهة، الأنفاق والكباري، أكثر مصيريّا من آلاف المُسْتوطنين. تمكِّن كلّ مُسْتَوطِن من العيش بأمان نسبيّ، لا يرى فاسطينيين ولا يسمع عن مكانهما، يسكن بأرخص ما يمكن ويصل بأسرع ما يمكن لمكان عمله في إسرائيل، هذا هو السر الذي مكّن 650 ألف إسرائيلي من مخالفة القانون الدولي والعدالة الطبيعيّة، ألإقامة في الأراضي المحتلّة والعيش بهدوء نفسي. عدد العظام التي يرميها المحتل بين الفينة والأخرى للواقع تحت الاحتلال تضمن استمرار حياته تحت جزمة المحتلّ بدون مقاومة شديدة.
يهودا شاؤول في "بلاد البؤر الاستيطانيّة" بالقرب من شيلا تصوير: أليكس ليبك
    
بدأ هذا المُخطّط في شرقي القدس، بعد أن ضُمَّت مع 25 قرية وحيّاً في المنطقة، بعد ذلك بدأ مشروع الاستيطان الذي أعِدّ لتوفير امتداد أقليمي لجَيْب جبل سكوبس (هار هتسوفيم) في ("شخونات هبريّح") ولتوسيع مجالها (شخونات هلفيان"). وعندما بدأ الحديث عن القدس كعاصمة لفلسطين أقيمت هذه الأحياء بهدف فصل المدينة عن الضفة الغربيّة: خُطّة ألون، الخطّة التي لم يصادق عليها أبدا بشكل رسميّ ومع ذلك نُفِّذت بحذافيرها. أُعِدّت لفصل الضفة الغربيّة عن الأردن بواسطة مِحْوَرَي مواصلات – شارع الغور وطريق ألون - وإقامة مستوطنات وقواعد عسكريّة للتدريب على طول امتدادها.

    
بعد حرب 1973، عنما بدأت تثور الشكوك لدى أساطين مؤسّسي مشروع الاستيطان، أعضاء حركة العمل، ظهرت حركة غوش إمونيم كي تكون بديلا لهم. وعندما امتلأت منطقتا القدس والخليل بالمستوطنين، توجّهوا إلى منطقة نابلس. لقد ساعد شمعون بيرس في إقامة عوفرا بالاحتيال، وبعدها جاء الآخرون. في 1977 حصل الانقلاب في الحكم، وعُيِّن أريئيل شارون وزيرا للزراعة: عندئذ طلبوا إلغاء الخط الأخضر وإقامة ممرات عرضيّة في الضفة الغربيّة الهدف منها بَتْر الضفة. وأيضا هذه المرة لم تكن هذا أفكار المتعصّبين، إنما كان سياسة استمرارية ومُبَرْمَجة لحكومات إسرائيل ولترسيخ السيطرة الإسرائيليّة في كافة أنحاء المناطق المحتلّة ولمنع استقلال فلسطينيّ: وكان هذا قبل رفع شعارالدولتيْن.
    
أُخِذَت الأراضي التي مع المستوطنين بعِدّة طرق، كلها طرق احتيالات: بدأ هذا في قواعد عسكريّة كانت أردنيّة. بعد ذلك جاءت المُصادرات "لأغراض عامّة"، خاصّة في القدس الشرقيّة وفي معاليه أدوميم. ثمّ جاءت بعدها "السيطرة لأغراض عسكريّة"، عندما تسْخَر الدولة من المحكمة المرّة تلو المرّة فتدّعي بأن المستوطنات تخدم أغراضا أمنية، حتى قضيّة ألون موريه سنة 1979 حين وضعت محكمة العدل العليا نهاية لهذه الأكذوبة. كان لا بُدّ للدولة من إيجاد مقْلَبٍ آخر: أعلنت عن "أراضي الدولة"، فتحول هذا المقلب إلى مصدر خصب لصالح المستوطنين. لُعبة أخرى تعتمد القانون العثماني القديم، وبموجبه يُمكن مُصادرة الأراضي غير المُفْتَلَحَة. ليس عبثا وجود أغلبيّة المستوطنات عللى رؤوس التلال: حيث يوجد هناك أراض بور كثيرة من الصعب زراعتها ومن السهل مصادرتها.
    
 في سنوات ال- 90 لعبت اتفاقيّات أوسلو دورا لصالح الخطّة الأساسيّة الكُبْرى: تقسيم الأراضي لمساحات صغيرة. جيوب أوبرتهايد، تُسمّى أحيانا بانتوستانات*، بين الفلسطينيين. بقي 82% من الأراضي المحتلّة تحت سيطرة جيش الدفاع الإسرائيلي، لكن الجديد والمهم في نتائج الاتفاقيّات والانتفاضة هو شقّ الشوارع المُحاصِرَة، الابتكار الجديد للاحتلال. وحسب رأي شاؤول إن هذا أهمّ تطور بعد أوسلو. بهذا انتقل النشاط من المستوطنات إلى البُنيّة - يجب منع المستوطنين من التحرك على شوارع خطِيرَة وعِدائيّة. ليست لهم، وتقديم بديل أفضل لهم، كي لا يسافرون عائدين إلى بيوتهم عن طريق مخيّمات اللاجئين الدهيشه وعايده. فقط بهذه الطريقة يمكن مضاعفة أعدادهم في المستقبل ثلاثة أضعاف.

بتر الضفة الغربيّة
  
 نمر في هذه الشوارع على طول المسار: نقف الآن بالقرب من وادي الحراميّة. شارع رقم 60 القديم يتقاطع مع شارع رقم 60 الجديد، يُحاصِر رام الله. ومثله يوجد عشرات الشوارع التي تمكّن المستوطنين من مضاعفة أعدادهم ثلاثة أضعاف. لوحة الشارع تدعو إلى "مارلو، مطعم ومقهى في شيلا". الطريق إلى مطعم مارلو لا تمر في سِنْجِل. This is living هذا ما كُتِب على جانب سيارة بيرا كورونا المُسافرة، ربما إلى هناك.
   
من تلة ترتفع عليها هوائيّة تلفحها الريح الباردة بشدة، نطلّ على بلاد البؤر الاستيطانيّة المحيطة بشيلا. ظهرت هذه البؤر في سنوات ال – 90 ، المنظر مُدْهش جدا حتى لمَنْ يعرف المناطق. منظر يمكنه الإقناع أكثر من ألف مقال. هكرون، بلغي مايم، هيوبيل، إيش كودش، عدي عاد، هروعه، كيدا – أسماء مؤقّتة عمليّا لمستوطنات غير مؤقتة فعليّا. بين عيلي وشيلا زُرِعت على التلال كرفانات. ليست هناك تلّة بدون بؤرة استيطانيّة. كما أن السهل مليء بها.
          
 خط متواصل من أريئيل حتى صفّ البؤر الاستيطانيّة الهدف منه بتْر الضفة الغربية وهنا ايضا. الهدف، مرّة ثانية، منع إقامة كيان غريب. لنقتل الطفل قبل أن يولد. حلّ الدولتَيْن، الحل الذي يتكلّم عنه العالم وإسرائيل أيضا كثيرا عقودا من الزمن. من تلّة الهوائيّات التي أخذنا إلَيْها المرشد بهدوء، الصورة واضحة وحادّة. بهذه الطريقة مُنِع السكان الفلسطينيين من زراعة أراضيهم بسبب البؤر الاستيطانيّة واستبداد سكانها - وهكذا يمكن نهبها منهم بسهولة أكثر.، قانون التسوية، حاليّا آخر صرخة من بيت الاحتلال. يبيّض البؤر الاستيطانية أيضا.
     
 في القري الفلسطينيّة المجاورة، بعض السكان لا زالوا يحاولون إثبات أن الحياة تجري بشكل عاديّ، رغم كل شيء: منهم باسم التميمي، أبو عهد التميمي، وهو يستضيفنا في بيته في قرية النبي صالح. استيقظت عهد في ساعة ظهيرة متأخرة، انضمت إلينا حافية متثائِبة. أنهت امتحانات البغروت، وتجهز نفسها الآن لتسافر مع أبيها إلى لندن، باسم، لعِدّة شهورلتتعلم اللغة الإنجليزيّة بمساعدة معونة تلقّتها.
     
بعد ما يقارب النصف سنة على إطلاق سراحها من المُعْتَقَل، لا تزال مُتْعَبَة من شهرتها العالمية. وأيضا قريتها المكافحة مُتْعَبة قليلا هي ايضا: منذ أخذ جيش الدفاع الإسرائيلي بإطلاق الرصاص الحيّ على أرجل المتظاهرين، توقفت المظاهرات يوم الجمعة -- والاحتجاج يفتش عن طريقة أُخرى. "ليس من الضروري أن تكون المقاومة نوعا من المُعاناة"، هذا ما يقوله لنا باسم في صالون بيته المُرمَّم، البيت المهدد بأمر إسرائيلي بالهدم. رمّمَ البيت عندما كانت زوجته ناريمان وابنته عهد في السجن. ابنه، وعْد، لا زال في السجن، يقول المرشد أن عهد لم تكون خطيرة لأنها تشكّل خطرا على الدولة، إنّما كانت خطيرة لأنها تشكّل خطرا على الاحتلال، والاحتلال لا يتحمل وجود فلسطينيين متصبي القامة.
    
بوابة حديديّة صفراء تغلق أحد مداخل قرية النبي صالح، كما في قُرًى أخرى كثيرة. هذه أيضا سياسة مدروسة: لنُغْلَق ونُقْفِل، ولنُبْقِ بوابة واحدة مفتوحة، "منفذ ضروريّ"، بلغة الاحتلال. التحضير للحصار جاهز -- مسألة دقائق والقرية مُحاصَرَة، لا أحد يخرج ولا أحد يدخل. كما أن التأثير النفسي المُهدّد واضح.

الكهف والقفص
      
 تقع كُبْرى المستوطنات على بُعد دقائق من السفر عن قرية النبي صالح، موديعين عيليت. 65 ألف مستوطن من المتديّنين المتشدِّدين. هؤلاء المتشدّدون ظاهرة مُدْهشة في تاريخ هذا المشروع: نصف الزيادة في عدد المستوطنين منذ أوسلو هم من المتدينين المتشددين، يشكّلون 20% من المستوطنين ويعيشون اليوم في مستَوْطَنَتَيْن للمتشددين، بيتار عيليت وموديعين عيليت، وكلتاهما قريبتان من الخط الأخضر. تقريبا أحياء كاملة من أورشليم ومن بني براك هم متدينون متشددون. كان هذا حلاّ لمشكلة الإسكان لهذا القطاع، القطاع الذي ابتعد خلال سنوات من مواقف عنصريّة ويمينيّة. هم اليوم هناك. منذئذ و إلى الأبد.
  
في آخر النهار وقفنا فوق كهف هو شارع فاصل للفلسطينيين عن جيب القرى بدو، بيت سوريك وقطنه باتجاه رام الله. تنطلق فوق الكهف السيارات الإسرائيليّة بسرعة خاطفة في شارع 443، الطريق الرئيسي إلى البيرة، دون أن يتمكّن سائقوها من مشاهدة الشارع الذي يُشقّ من تحتهم، مسيّج من جوانبه بسياج من الحديد والأسلاك الشائكة. الإسرائيليون في الشارع السريع في الأعلى، والفلسطينيين في الكهف تحت الأرض في الأشفل، في صورة تساوي ألف كلمة. "مركام حاييم"، هكذا تسمي إسرائيل الشوارع الفاصلة. تبدو عملا يدعو للخير، وعمليّا تطوير آخر للأبرتهايد.
  
 الفصل موجود على بُعْد مئات الأمتار، في جفعون هحدشاه – حيث بيت عائلة إغرايب، البيت محاط من كل جوانبه بالجدارات، وبكاميرات إلكترونيّة وببوابة كهربائيّة. فيه يتجسّد الاحتلال بشكل فظيع: عائلة فلسطينية فُصِلَت عن قريتها وبقيت تعيش وحدها في هذا القفص، في قلب مستوطنة جفعون هحدشاه، البيت الذي قررت محكمة العدل العليا أنه "إصابة جسيمة". الكهف والقفص، شارع 443 وجفعون هحدشاه، "الإصابة الجسيمة" و"شارع مركام حاييم". بين هذه المحطات انتهت المسيرة الممتعة، مسيرة مثيرة لأفكارهامّة وحزينة تقطّع القلوب، في مناطق الأبرتهايد، كانت الساعات ما بعد الظهر المتأخّرة في يوم شتاء بارد وعاصف، والأفكار التي استيقظت سترافقنا لزمن طويل.

-------
* (بانتوستان مصطلح يُطْلق على الأراضي التي تسكنها أغلبية سوداء في جنوب أفريقيا. المقصود هنا فلسطينستان – المترجم)