بقلم : الاعلامي عمري حسنين 


"أسد فلسطين" القائد الدكتور "أحمد الطيبي" فارس الكبرياء العربي والإنتماء القومي


الأسد.. حامي العرين، يعلو صوته دائما بكلمة الحق، يصرخ في قاعات الكنيست كما وكأنه ملكاً يأمر وينهي..
يشتم وزيراً تطاول.. ويطرد عضواً تجرأ.. و يوبخ آخراً حاول المساس بحبيبة قلبه "فلسطين"
فرض رأيه، ونفذ قراره، وألقى خطاباته دون توقف.. 

يدافع عن الحق، و ينصر المظلومين.. وعلى منصة الكنيست سجالاته الحادة تكاد لا تنتهي، و بصوته العربي.. ومن أعلى منبرها رفع الأذان.. 

وقرأت لأول مرة قصيدة للشاعر الفلسطيني الراحل "محمود درويش" قائلاً :

"أيها المارون بين الكلمات العابرة، احملوا أسمائكم وانصرفوا"
وعلى المنصة ذاتها رفع صورة الشهيد، و مزق القرارات المجحفة، وارتفع صوته قائلاً: "أنا عربي ياجحش"
وواجه نتنياهو قائلاً: "أنت بلطجي وكاذب"
وانتقد قانون القومية قائلاً: "الأرض بتتكلم عربي"
وفي ذكرى المحرقة قال: "أنتم ضحية (الهولوكوست)، ونحن ضحية الضحية "

هو صوت من لا صوت لهم، هو ملح الأرض والمدافع عنها..

لا يطأطأ رأسه لأحد، ويقف شامخاً صلباً في مواجهة السياسة العنصرية، و فاضحاً لها على الملأ أينما كانت، مما وضعه في دائرة الضغط وتحت التهديد، لكن روحه تأبى الخضوع وتعشق التحدي ولا تركع الا لخالقها، ويعترف بأن حب شعبه هو الحماية له..

وهو القائل: "لا أدعي أننا أفضل شعب في العالم، ولكن من ناحيتي لا يوجد شعب أفضل من الشعب الفلسطيني، ولو قدر لي الأختيار ثانيةً لأخترت أبداً أن أكون فلسطينياً"

وبعيداً عن السياسة، وفي أقرب مكان إلى قلبه.. ستجد ذكريات الطفولة الجميلة الهادئة تترنم في مخيلته بأنغام صوت فيروز الرقيق، و كلمات مارسيل خليفة الثائرة، وشجرة التين حيث كان يختبئ هو وأخته مي تحت ظلالها، و "الكماجة" المغموسة في زيت الزيتون الطازج من معصرة الزيتون المجاورة لبيت عائلته في مدينة الطيبة..حيث أن هناك ارتباط وثيق بين اسمه والقرية التي ولد وترعرع فيها "الطيبة"

ستجد ذلك الفتى المهاجم في نادي شبيبة هبوعيل الطيبة التي خرج منها ليصبح مهاجماً في مواقع ومجالات أخرى ..

ستجد ذكريات سينما "ابو سليم"، وصعود الجبل الواقع خلف منزلهم، ولعبة الشطرنج، و اصطياد "اللامي" من السهل، ولعب البنانير "الجلول" في أزقة "الحارة الفوقا" في الطيبة..

ستجد ذلك الفتى الشجاع الذي كان لوالده دوراً كبيراً في صقل شخصيته القوية والقيادية، حيث نشأ وترعرع في كنف عائلة ميسورة الحال، لكن كان والده يحثه على العمل في الإجازات الصيفية ليس لجني المال .. و إنما ليتعلم الاعتماد على النفس و مصارعة الحياة كيفما كانت، حيث كان يعمل في مصنع (اسيس) للأغذية المعلبة، ومن الحري ذكره هنا، أن لهذا العمل أثر كبير في تعزيز مبادئه الإنسانية وتقوية شخصيته القيادية..

في إحدى الأيام وخلال عمله في المصنع، رأى صاحب المصنع اليهودي يضرب ويوبخ أحد العمال الفلسطينيين بسبب تأخره عن العمل وقت الاستراحة، وهنا صاح ذلك الفتى الشجاع في وجه العامل والمدير مستنكرا للعامل قبوله للاهانة، ولصاحب المصنع هوجائيته في معاملة ذلك العامل الأجير، ومن هنا تولد لديه شعور دائم برفض العنصرية والذل والظلم ولو كلفه ذلك كل ما يملك.

وبعد كل هذه الذكريات ستعود فورا الى ذلك الرجل المغوار.. فارس الكبرياء العربي والإنتماء القومي، و أفضل المتحدثين العرب أمام الرأي العام الاسرائيلي، ومن أبرز المناضلين الفلسطينيين ميدانياً وسياسياً واعلامياً..

رئيس الحركة العربية للتغيير، والمستشار السابق للزعيم الراحل ياسر عرفات، الباحث والناشط السياسي الدكتور "أحمد كمال الطيبي"

ولد في مدينة الطيبة في 19/12/1958 لأب من يافا وأم من الرملة وعائلة هجرت قسراً من مدينة يافا عام 1948، التحق بالمدارس الابتدائية في الطيبة وأكمل تعليمه الثانوي في الطيرة، ثم إنتقل الى القدس للإلتحاق بكلية الطب هداساه في الجامعة العبرية، حيث أنهى دراسته بتفوق ساحق حاصلاً على المرتبة الأولى على دفعته، وهو العربي الوحيد الذي حقق هذا الإنجاز الأكاديمي حتى يومنا هذا.

في عام 1987تزوج من دكتورة الأسنان "د.مي الطيبي" ابنة مدينة طولكرم، ولديه ابنتان قطعة من قلبه ..طبيبة الأسنان "يارا" التي توارث المهنة عن أمها، و "نتالي" لازالت في المدرسة ..

عمل في مجال طب النساء والولادة من عام 1984 وحتى عام 1999، وخلال هذه الحقبة كان للنشاط السياسي جزءاً كبيراً في حياته، حيث تأسس حزب الحركة العربية للتغيير على يده عام 1996 مع عدد من المثقفين والناشطين الفلسطينيين من عرب الداخل، وفي عام 1993 بعد إتفاقية أوسلو تقلد منصب المستشار الخاص للرئيس ياسر عرفات لشؤون الأقلية العربية التي تشكل 20% من السكان في إسرائيل، مما أثار صغينة الكثيرين من الإسرائيليين ضده الذين حاولوا سن قانون جديد أسموه "قانون الطيبي" الذي يمنع أي مواطن عربي من الداخل من العمل مع السلطة الفلسطينية وهيئاتها المختلفة.

في عام 1999 استقال من منصبه كمستشار للرئيس ليرشح نفسه للإنتخابات البرلمانية، حيث خاضت الحركة العربية للتغيير الإنتخابات ضمن قائمة إئتلافية مع حزب التجمع الوطني الديمقراطي، وحصلت القائمة آنذاك على مقعدين، و مثلت الحركة العربية للتغيير مقعداً عبر رئيسها د.أحمد الطيبي، ونتيجة للخلافات مع قيادة حزب التجمع انشقت الحركة العربية للتغيير عن الكتلة الإئتلافية في الكنيست.


في عام 2003 شطبت لجنة الإنتخابات المركزية الإسرائيلية د.أحمد الطيبي من خوض الإنتخابات للدورة السادسة عشر بتهمة تأييد الإرهاب ودعم الإنتفاضة والمساس بسمعة إسرائيل في العالم إعلامياً، إلا أنه توجه للمحكمة العليا ونجح في إلغاء القرار، وبهذا خاضت الحركة العربية للتغيير الإنتخابات ضمن قائمة تحالفية مع حزب الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وحصدت حينها 3 مقاعد من ضمنها مقعداً للحركة العربية للتغيير.

وفي انتخابات الدورة السابعة عشرة عام 2006 تم التحالف بين الحركة العربية للتغيير والقائمة الموحدة والتي تشمل الحركة الإسلامية، والحزب الديمقراطي العربي، والحزب القومي العربي، وبذلك حصدت 4 مقاعد للحركة مقعداً منهم، وخاضت أيضا ضمن هذه القائمة التحالفية انتخابات الدورة الثامنة عشرة عام 2009 وانتخابات الدورة التاسعة عشرة 2013، وفي إنتخابات الكنيست العشرين أختير أسمه في المكان الرابع في قائمة القائمة المشتركة، حيث نالت القائمة المشتركة 13 مقعداً في الكنيست، وفي وقت لاحق تم تعيينه مرة أخرى نائباً لرئيس الكنيست و عضواً في لجنة المالية.

تم إختياره أكثر من مرة كأفضل عضو كنيست نشاطاً، والشخصية السياسية الأولى على مدار سنوات، وذلك لنشاطه وعمله الدؤوب لمصلحة المواطن العربي في الداخل وكافة أنحاء البلاد.

التحق بالكنيست منذ عام 1999 وحتى يومنا هذا، ومنذ ذلك التاريخ إستطاع أن يمرر عدد من القوانين يعود معظمها الى مواضيع اجتماعية واقتصادية واستهلاكية.. أهمها:

-قانون الحراسة الشخصية
-قانون التحذير على المنتجات الغذائية
-قانون المهن الطبية المساندة
-قانون تعويض المسافر
-قانون إلغاء ابتياع أوراق اليانصيب للقاصرين 
-قوانين لفك دمج قرى عادت على مواطنيها بالضرر
-اللجنة البرلمانية لاستيعاب العرب بالقطاع العام_برئاسة الطيبي.

وكان آخرها عندما وقف شامخا على منصة الكنيست قائلاً: 

"الله أكبر.. الله أكبر عليكم أيها المارون بين الكلمات العابرة" 
وبهذه الكلمات رفع الطيبي بصوته الجياش الأذان على مسامع أعضاء الكنيست معلناً رفضه ل"قانون منع الأذان" المجحف بحق شعائرنا الدينية، و أعدم هذه المحاولة الخبيثة التي حاولت التعدي على عقيدتنا الإسلامية.

كما شغل د.الطيبي عدة وظائف منها:

-عضو في إدارة جمعية حقوق الإنسان "بتسيلم" بين السنوات 1988_1993
-عضو لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب
-مستشار سياسي لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ياسر عرفات ما بين 1993_1999
-رئيس الحركة العربية للتغيير منذ تأسيسها عام 1996
-نائب في الكنيست منذ عام 1999 وحتى يومنا هذا
-انتخب رئيساً لرابطة الجامعيين العرب في إسرائيل، واسندت إليه رئاسة تحرير صحيفة الندوة التي تصدر في القدس
-شغل منصب المتحدث الرسمي بإسم الوفد الفلسطيني في مؤتمر (واي ريفر) تحت رعاية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون.
-كما عرف بمتابعته لشؤون السلطة الفلسطينية حيث شارك الرئيس محمود عباس ضمن الوفد الفلسطيني لتقديم طلب عضوية فلسطين في الأمم المتحدة عام 2011 .

ولديه العديد من المقالات السياسية التي يكتبها ويشارك بها في الصحف العالمية منها صحيفة نيويورك تايمز، والهيرالد تريبيون، و الفوريون بوليسي، و الأهرام، والرأي، والشرق الأوسط، والعديد من المقالات التي تنشر في الصحف المحلية الى جانب مقالات باللغة العبرية.

الإنتماء العربي لديه والكبرياء القومي والحق الفلسطيني كلها أمور محسومة لا تقبل المساومة، و اندفاعه لمناصرة بلاده وشعبه لاتحتاج للتفكير..
أصيب في بداية الإنتفاضة الثانية خلال تواجده في باحة المسجد الأقصى عام 2000 ووصفه حينها الرئيس الراحل ياسر عرفات بأنه "أول جرحى الإنتفاضة".

كما خاطر بحياته وكان أول من دخل مخيم جنين عام 2002 بعد المذبحة التي اقترفتها قوات الإحتلال الإسرائيلية.

في عام 2010 ألقى خطاب المحرقة (الهولوكوست) على منصة الكنيست، والذي اعتبره الكثيرين معلماً في تاريخ البرلمان الإسرائيلي، والذي تم تعريفه من قبل رئيس الكنيست حينئذٍ "روفي ريفلين" بأنه "أفضل خطاب في تاريخ الكنيست".

كل هذا الى جانب جهوده المضنية في فضح العنصرية والتمييز ضد الأقلية العربية في الداخل، ومناصرة أبناء شعبه أينما كانوا، ومواقفه النبيلة تجاه مرضى السرطان، والمصابين أبناء قطاع غزة والضفة الغربية المتواجدين في مستشفيات الداخل لتلقي العلاج.. كل هذا وأكثر يلخص إنسانية هذا البطل المغوار صاحب المبادئ والمواقف الرجولية التي نعتز ونفتخر بها، والنادر وجودها في زماننا هذا..

يا أحمد العربي.. 

أنت فينا ما حيينا، أنت الأصل والهوية، أنت الرواية ورمز القضية..
أنت أشجار السنديان وأوراق الغار والزعتر والريحان.. 
امضي في طريقك وكفاحك ونحن من خلفك رافعين الهامات عاليا اعتزازاً و فخراً بك..
امضي أيها الفلسطيني المغوار، يا رمزاً للثوار، وعين الله تحميك لأجل أرضك وشعبك .. لأجل القضية والهوية .