لننفصل في كفر قاسم


جدعون ليفي | هآرتس، 6.1.2019 ترجمة: أمين خيرالدين  


لوحة عند المدخل الى كفر قاسم. أهلا وسهلا للحملة اليسارية لكبار رجالات جهاز الأمن في الماضي – تصوير: أليكس ليبك
   
 لوحة إعلانات كبيرة تستقبل القادمين عند بوابة كفر قاسم، مدينة في إسرائيل: "حان الوقت لننفصل عن الفلسطينيين". اللوحة باسم "قادة من أجل أمن إسرائيل". تظهر على اللوحة صورة موشي كحلون، وقد عُرِضَت اللوحة هنا، في مدخل مدينة عربيّة لها تاريخ خاصّ ومشحون.
    
في المكان الذي كان يجب أن توضع فيه لوحة سوداء كذكرى وعليها منقوش كوصمة عار أبدية: "ليتذكّر شعب إسرائيل ال 47 من الأبناء والبنات الذين قتلتهم قواته في مجزرة بشعة نفذتها بهم هنا" يستفز الجنرالات المتقاعدون الناجين من المجزرة وأبناءهم، وكأنه لم تكن المجزرة كافية، أهلا وسهلا بالقادمين إلى الحملة اليساريّة لكبار جهاز الأمن في الماضي.
    

لماذا عند بوابة كفر قاسم وليس عند بوابة كفر شمَرْياهو؟ هل ستشارك هذه المدينة في يوم ما في قرار "الانفصال عن الفلسطينيين"؟ هل سيسألها أحد؟ ربما تكون اللوحة موجّهة لها، حيث من الممكن أن يأتي وقت هي تطلب فيه "الانفصال"؟.
    
كالجسر الموصل إلى أكبر مدينة عربيّة في إسرائيل، الناصرة، الجسر الذي يحمل اسم رفائيل إيتان، رفائيل إيتان الذي يكره العرب، ووصفهم "بالحشرات السامة"؛ كالشوارع الكثيرة التي تحمل أسماء كهنة يهود أشكنازيين منسيين في قلب يافا العربيّة، وأيضا هذا الاستفزاز في كفر قاسم، باسم قادة يزعمون بأنهم سيكونون دُعاة سلام، ويشعرون بالذنْب بسبب ماضيهم الأمني، وقد مارسوا من خلاله من كل ما يستطيعونه لينكِّلوا ويقهروا الذين يريدون الانفصال عنهم.
    
 مستشارو الانفصال الجُدُد، الجنرالات، في أوج حملتهم لإقناع الإسرائيليين لدعمهم، جقّ الأولوية على الاصطلاح الذي يشير، للأسف الشديد، إلى عاموس عوز، وقد كتبه في مقال له نُشِر في جريدة "هآرتس" (إذا لم ننفصل عن الفلسطينيين حالا-- سنعيش في دولة عربيّة". 10.3.2015). وفي حينه جرحت قراءته الآذان كثيرا. وعندما يطلق جنرالات هذا الشعار يجرح أضعافا مُضاعفة.
    
 الانفصال عن الفلسطينيين، الفكرة الرائدة لدى اليسار الصهيوني، تحمل معها روائح القومية والعنصريّة. كانت دعوة الانفصال عن اليهود في أوروبا دعوة نازيّة ولا ساميّة. لا فرق بين دعوة الانفصال المرفوعة على ضفاف نهر اليركون عن الدعوة التي رُفِعَت على ضفاف نهر الراين.
    
هذا التعطّش، وقد أكل عليه الدهر وشرب، لحلّ الدولتَيْن، كان يمكن صياغته بشكل آخر. الدعوة "للانفصال" في الشوارع العربية، تخلق دواعٍ وأفكارا خطيرة. كلمة الطرد لا يمكن أن لا تذكِّر بالجذر الذي انبثقت منه، طَ رَدَ، وعندما يدعون للانفصال في كفر قاسم لا يمكن أن لا نشك بأن المقصود هو الطرد من كفر قاسم. وقد يكون هذا حلّا آخر للقضيّة الفلسطينيّة، وقد يتحوّل يوما ما إلى حلٍّ طبيعي سياسيّا .
     
شيوخ الموقعين على عريضة القادة يتذكّرون جيّدا كيف طردوا بأنفسهم مئات الفلسطينيين من بلادهم. لو كانوا في الواقع يعترفون بخطئهم، وهذا من المشكوك فيه، لكانوا من المتوقَّع ان يستعملوا لغة أخرى. وإذا كان هدفهم من الانفصال خيرا ينبغي أن يُسْألَ: هل كان الشعبان متزوجين من بعضهما؟ هل كانت بينهم علاقات معقولة؟ هل كان بينهم تساوٍ ولو للحظة؟ هل العروس الفلسطينيّة وافقت على الاقتران الذي فُرِض عليها قبل 100 سنة؟ أ.ب يهوشوع شبّه دعوة الانفصال عن الفلسطينيين بدعوة المغتصِب للانفصال عن ضحيّته. انتهينا من اغتصايكم. ايّها الفلسطينيون الأعزّاء تعالوا الآن لننفصل. معقول، أليسَ كذلك؟
     
حتى لو كانت الرغبة هي الوصول إلى تسوية، ولتكن من جانب واحد، ولصالح إسرائيل، وتهتم باحتياجات أمن إسرائيل، لكان ينبغي عليهم حينئذ أن يتحدّثوا مع الفلسطينيين لهجة استعمارية. طلاق من جانب واحد، بعد حياة كلها عنف عائلي، بدون اعتذار ومع لافتة في شوارع كفر قاسم -- هكذا يريد جنرالات إسرائيل أن يصنعوا السلام. بعد خطاب مشيّح بن دافيد، وبيني غانتس، عندما يكون الجنرالات هم الأملُ الكبير لإسرائيل، من الضروري أن نتذكر مَنْ هم، حتى المثقّفين منهم، ماذا جَنَوا في الماضي، وما هي آفكارهم ومفاهيمهم — ولا تنسّوْا.