يا فِلذةَ الروح

---------------------------
يا فلذَةَ الروحِ في الأوجاعِ سُكناكِ
ودونها لسْتِ تلْقيني وألقاكِ
يُوحِّدُ الجرحُ مهما البُعْدُ فرَّقَنا
فَابْقي مفاتيحَ أسراري بيُمْناكِ
رسالةُ الروحِ منْ يدري بَواطنها؟
إمَّا كتَبْتُ بِحِبْرِ الشوْقِ إلَّاكِ
 وتلكَ أقْسمُ بالألامِ قد عُجِنَتْ
وكلُّ سطْرٍ بما في النفْسِ أنْباكِ
فكُنْتِ أنْبَلَ مخلوقٍ تُراسلُهُ
فمَنْ إليها وقبلَ الكلِّ أهداكِ؟
حُزني رسولٌ لِمَنْ بالحزْنِ ماثَلَني
عيناكِ تُخْبرُ لا الأوراقُ أو فاكِ
فلا تَخالي بأنَّ البعدَ قد يُنْسي
ولا تَظُنِّي بأنَّ الروحَ تَسْلاكِ
فالروحُ عنْدكِ في الأفْخاخِ قد عَلِقَتْ
فلا تَسومي بِسَوْطِ القهْرِ أسْراكِ
تساقَطَ الحزنُ كالأنْصالِ في روحي
وما صلاني مِنَ الأوجاعِ أصْلاكِ
فمَنْ يُفَرِّجُ عن نفسي بِغُربَتها
سوى فؤادٍ بهِ قَرَّرْتُ إشْراكي
كربونةٌ أنْتِ عن نفسي وَما يُبْكي
فِيَّ المَواجعَ طولَ الوقتِ أبْكاكِ
عودي لِنُطْفيءَ ما في الروحِ منْ عطَشٍ
لنْ ينْفعَ الماءُ إمَّا الدهْرُ أظْماكِ
عودي وَلُمَّي شظاياً لسْتُ أجْمعها
وهْيَ الشظايا حكايا منْ حكاياكِ
لا تعْذِليني إذا روَّحْتُ عن قُرَحي
وَلا تَشُكِّي بِضَعْفٍ فيَّ رُحْماكِ
فقد حبَسْتُ لآلي العُمْرِ في روحي
وقد حجَبْتُ وَراءَ الغَيْمِ أفْلاكي
فإنْ تَعَجَّبَ كلُّ الناسِ مِنْ مَرَحي
فخَلْفهُ الروحُ تُخْفي حزْنها الباكي
غُوصي بِروحي يَمين اللهِ ترْتَعشي
وقد تعودي وجَرحٌ فيكِ أدْماكِ
ها قد رأيْتِ بأعماقي جَواهرها
فَلا تَذيعي خبايا الكَشْفِ إيَّاكِ
إنْ كُنْتِ حادِيَتي والظُلْمُ باعَدَنا
هيَّا لِنَجْمعَ أشَلائي وأشْلاكِ
عىدي وَهاتي معَ الأحزانِ قصَّتها
وناوِلي القلبَ مفتاحاً لِيَقْراكِ
عودي وغَنِّي مواويلي على وتَري
وعاوِدي النَقْرَ إمَّا اللحْنُ أشَجاكِ
عودي معاكِ هداياً لسْتُ أعْرفها
وناوِلي الروحَ أغْلاها هَداياكِ
عودي لِنُعْلنَ حُبَّاً نحنُ صاغتهُ
فهلْ تخافي إذا ما قِيلَ أغْواكِ؟
عودي لِنُبْحرَ في عينينِ نعْشقها
سفيننا الشوْقُ والمجذافُ كفَّاكُ
فإنْ تَلاطَمَ مَوْجُ الحبِّ مُرْتَفِعاً
فهَدْهِدي القلبَ كي يَهْدا، بِيُسْراكِ
وإنْ تعِبْتِ مِنَ التجْذيفِ في لَيْلٍ
بِشَطِّهِ القلبُ حتَّى الفجْر، أرْساكِ
فإنْ غَفَوْتِ حنينَ العُمْرِ يَفْرشهُ
لكي تنامي وبالأشْعارِ غَطَّاكِ

يا جارةَ الروحِ كم خفَّفْتِ منْ وجعي
وهيَ المقاديرُ قد شاءتْ لألقاكِ
لمَّا رأيْتكِ قالَ الجُرحُ ذي شبَهي
فمَنْ إليهِ برغمِ البُعْدِ أسراكِ؟
بأرْذَلِ العُمْرِ جئتيني وها قلبي
رصيدهُ الحزنُ مهما شئتِ أثْراكِ
أتشربي الشعرَ إمَّا الروحُ قد ظمِئَتْ
وتأكلي الحزنَ إمَّا الجوعُ أخْواكِ؟
فمَنْ بدَرْبٍ وحيداً كنتُ أقْطعها
طوالَ عمري ،بهذا الوقتِ ألقاكِ؟
لمَحْتُ فيكِ عذاباتي بلَحْظتها
فمْنْ يُحَدِّقُ في عينيْكِ يقْراكِ
ماذا أقولُ وقد شيَّدْتُ مملكةً
جمَعْتُ فيها نفيسَ الحزنِ إلَّاكِ
وحينَ جئْتِ كنوزُ الحزنِ في الدنيا
لا أكْذِبُ القوْلَ صارَتْ بعض أملاكي
فمَنْ سفينكِ هذا الصوْبَ وجَّهها
ومَنْ ببَحري، ودونَ الإذْنِ أرْساكِ؟
فإنْ أتَيْتِ فكوني اليومَ عاصمتي
وإنْ رحلتِ فعَيْنُ اللهِ ترْعاكِ
منذُ التقينا أقول الصدْقَ شدَّتني
فيكِ الشجونُ وما تُخفيهِ عيناكِ
إغْراؤها العَذْبُ والأسرارُ داخلها
أعْطَتْ لرادارِ أوجاعي خفاياكِ
قرأْتُ فيها مراراتي وتجربتي
وشُفْتُ فيها أزاهيري وأشواكي
لااشتهي فيكِ إلَّا صورتي الأخرى
لكنْ لِما فيكِ منْ شَبَهي سأهواكِ
يا فلذةَالروحِ ما في الفمِّ منْ لغَةٍ
فصْحى كما الشوْقُ إمَّا القلبُ حاكاكِ
كلامهُ فيكِ ما أحلى سلاستهُ
ولو يُشَفِّرُ بالألغازِ ناداكِ
فإنْ تقولي إلهي كيفَ خاطَبَني
إليكِ سارَ بلا ساقٍ وسَمّاكِ
ماذا أقولُ وقد جدَّدْتِ في لُغتي
فصرتُ أكتبُ في شعري وصاياكِ
فرُحْتُ أكتبُ أشعاراً بها شجَنُ
حتَّى تمَيَّزْتُ أنَّ الشعرَ أبكاكِ
لولا الشعورُ وما فِضْتيهِ منْ كرمٍ
لَمَا ردَدْتُ جميلاً منْ عطاياكِ
لماقرَضْتُ ولو أبيات منْ غزَلٍ
منها تَوَرَّدَ بعضَ الوقتِ خَدَّاكِ
لمَّا رأيْتكِ خلْتُ الكحْلَ زنَبقةً
سوداءَ كالليلِ قلتُ العينَ أحلاكِ
ثمَّ اكتَشفْتُ بأنَّ الحزنَ يسكنها
فقلتُ للنفس شوفيها مَراياكِ
لا تعذليني إذا نفَّسْتُ عنُ قلمي
فهوَ اليراعُ بما في الكوْنِ ساواكِ
لا تعذليني ففيكِ الروحُ قد وجَدَتْ
مهْدَ الحنانِ فما أحلاهُ سُكناكِ
يا جارةَ الروحِ عِشْتُ العُمْرَ في حزَنٍ
وحانَ فرْحي بيَوْمٍ فيهِ ألقاكِ
______________________________

شعر:عاطف أبو بكر/أبو فرح