وجه في الذاكرة.. الأديب المثقف عيسى لوباني


بقلم: شاكر فريد حسن

الراحل عيسى لوباني من اعلام الحياة الأدبية والثقافية في الداخل الفلسطيني، ومن القامات الأدبية والنقدية البارزة، وصاحب الكلمة الصادقة المبدئية التي لم تعرف المداهنة والمحاباة والتزلف والمواربة، وأحد الوجوه المثقفة الرائدة التي كانت شاهدة على العصر. فقد عاش وعايش النكبة والمأساة الفلسطينية، وشارك في معارك النضال والكفاح دفاعًا عن المجيدل وقضايا الوطن.

اقتحم عيسى لوباني جميع الميادين السياسية والادبية ، ومارس جميع ألوان الأدب وأنواع الكتابة، فكان شاعرًا وناقدًا وروائيًا وقاصًا وقارئًا ومققفًا وناشرًا ومناضلًا على جبهة الأدب والثقافة، وهو ثاني شاعر يصدر ديوانًا شعريًا في بلادنا بعد الشاعر جورج نجيب خليل الذي كان قد أصدر ديوان " ورد وقتاد "، وأختار عيسى لديوانه عنوان " أحلام حائر ".

وهو من مؤسسي رابطة الأدباء والمثقفين العرب مع عصام العباسي وراشد حسين وحبيب قهوجي وشكيب جهشان وحنا أبو حنا ومصطفى مرار وفريد وجدي الطبري وأبو سعود الطاهر .

عيسى لوباني من مواليد المجيدل الفلسطينية المهجرة قضاء الناصرة العام ١٩٢٦، عاش وأقام في مدينة الناصرة، عمل في سلك التدريس بعد حصوله على اجازة من دار المعلمين في يافا، وعلّم سنوات في قرية كابول الجليلية، لكنه فصل من عمله بسبب مواقفه وآرائه وأفكاره، وفصل معه أيضًا الأستاذان المرحومان نمر مرقس والياس دلة. وكانت القصيدة التي تسببت بفصله وايداعه في السجن " الحرية المسجونة " نقطف منها هذه الأبيات:

أنا سجين في اطار من ورق ملوّن لكنه حديد
والنير على عنقي يحرضني الطعام والشراب
حريتي معلقة على حبال مشنقة
خيوطها كلام من شفتي إنسان
لا شيء فيه يشبه الإنسان

انضّم عيسى إلى صفوف الحزب الشيوعي وعمل محررًا في صحافته ولا سيما في مجلة " الجديد "، التي كان عضوًا في هيئة تحريرها، ثم اشترك مع المرحوم سهيل نصار في ادارة المكتبة الشعبية بالناصرة، وبعدها افتتح مكتبة الشعوب لوحده، وبقي يعمل مستقلًا في بيع ونشر الكتب حتى تقاعده.
وفي العام ١٩٧٠ واصل دراستة الأكاديمية ونال شهادة الماجستير في الأدب العربي من جامعة تل أبيب.

وفي الثامن والعشرين من كانون الثاني العام ١٩٩٩ غادر عيسى لوباني الحياة، تاركًا ثروة أدبية متنوعة.

صدر له: أحلام حائر، رسائل في العشق والعشاق- القسم الأول السقوط، ورسائل في العشق والعشاق، والقسم الثاني- القلق، أم الخير، وجع القلب، وشمس وقمر.

وبالرغم من أن عيسى لوباني كان اسمًا مضيئًًا ومبدعًا مميزًا، إلا أنه لم ياخذ حقه من التقدير والاهتمام المطلوب مثل غيره من شعراء وكتاب الوطن. وكان الأديب المثقف المرحوم نواف عبد حسن، الذي بفضله تعرفت إلى عيسى واجتمعت به عدة مرات في مكان اقامته وسكناه بالناصرة، قد كتب عن " رسائل في العشق والعشاق " دراسة نقدية وافية وشاملة نشرت في حينه بصحيفة " كل العرب " واثارت ردود فعل عديدة.

كتب عيسى لوباني الشعر والرواية والقصة والمقالة النقدية، وتدل كتاباته على مقدرة فنية وقدرة على امتلاك اللغة. وكانت له زاوية نفدية ثابته في مجلة " الجديد " في بدايات الستينات من القرن الماضي، بعنوان " في ميزان الشعر "، تناول من خلالها مجموعة من الشعراء والمبدعين الواعدين في حينه، منهم محمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران وجمال قعوار وميشيل حداد وسواهم، ووضع على دائرة التشريح روايتي " المشوهون " و " الشارع الأصفر " للكاتب ابن مقيبلة " توفيق فياض "، ورواية الكاتب العراقي ابراهيم موسى ابراهيم الموسومة " اسمهان "، وغير ذلك من الأعمال الأدبية.

وكان لوباني في نقده موضوعيًا إلى أبعد الحدود، لم يجامل أو يتزلف، يطري على الأعمال والابداعات الراقية التي تستحق الاطراء والثناء، ويكتب التوجيهات لأصحاب النصوص الضعيفة. وامتاز بالحس النقدي الجميل لللغة والمعنى، وكانت لغته راقية عالية المستوى، تعكس ثقافته الواسعة العميقة واطلاعه على الثقافات الانسانية والتراث العربي الخالد، متبعًا وناهجًا أسلوب الكاتب الناقد اللبناني مارون عبود في نقده.

حفلت كتابات عيسى لوباني بالهموم الوطنية والسياسية، وكان مسكونًًا ومندمجًا بالهم الوطني الفلسطيني والانساني، على الصعيد الشخصي والاجتماعي، وفي رواياته أبدع في تصوير الأحداث التي مرت بها فلسطين.

وما يميز قصصه كونها ترصد وتستلهم ماضي الفلسطينيين، واحداثها تدل على حبه لشعبه والتصاقه بوطنه وقضاياه، والسرد لديه ممتع وطويل النفس، وشخصيات قصصه واقعية من الناس العاديين ومن الريف الفلسطيني، وهو يحاول دانمًا في قصصه ان يعطي صورة للبطل الملحمي الايجابي، ولغته جميلة ومتينة مفعمة بروح السخرية الناقدة، وتظهر فيها مرارة حادة، ومطعمة بالامثال الشعبية.

ومن الاتجاهات الشعرية التي تناولها عيسى وبرزت في قصائده، الاتجاه الوطني، والاجتماعي، والإنساني. وفي نصوصه الشعرية تطرق لموضوعات مختلفة منها: المرأة والأرض والوطن واللجوء والتشرد الفلسطيني، وغير ذلك من القضايا الوطنية والسياسية والاجتماعية مختلفة الأبعاد والرؤى والطرح.

ومن قصائد عيسى لوباني الأخيرة هذه المقاطع من قصيدته " قطرة حُبّ قطرة ودّ" المنشورة بمجلة " الجديد " في عددها السادس الصادر في حزيزان ١٩٨٦، حيث يقول:


ولدي، يا ولدي!
يا نفح العرار المتصبب،
شلّالّا من فرح،
في صدري!!
يا جذعًا يخفق أعلاماًً في
عينّي!!
وثماراً في الموسم بين يديّ!!
تنكرني!!
تعرفني!!
وبكى شطّ مهجور في جسدي!
والمرفأ والأشرعة الجرحى،
تتلوى، وتقض حكاياك،
وأيام الزرع الأولى،
وغدوّي ورواحي،
والرّقدة، في البرد، وفي الصًهد!!
كبر الصوت!
صار دويّا
أوغل في أكداس الوهم!!
سقط الحلم!
والماء تخثّر
صار، تشكل فقاعات،
في خلدي!!
آه، يا كبدي!!
وهوى نجم!!
قمر الأقمار تشقّق!!
يا سوء العقبى!
كبر الصوت!
صار دويّاً!
شاهك مات،
وكأسك، نبع السّم!!
وغدي شطّ مهجور،
والمنفى، ميناء ورصيف!

عيسى لوباني أكثر من التغني في الوطن وتصوير الوجع والمعاناة الفلسطينية، وحاك قصائده كما يحيك حائك السجاد العجمي سجادته، فيهتم بتفاصيل التفاصيل، ويغلب على قصائده نظام الجملة الشعرية، فتتنوع الجمل في طولها وقصرها، منها ما اتصف بالنفس الطويل، والآخر بالنفس القصير. واسلوبه رصين وعبارته قوية.

وفي الاجمال، عيسى لوباني منذ أن مارس الكتابة، كان وظل كاتبًا وشاعرًا ملتزمًا بقضية شعبه، فهي على الدوام كانت هاجسه اليومي، وكل كلمة كتبها حملت بذور المقاومة، وكل نص له انطلق من تجربة شعبه كأمل له، وما ميزه عن الآخرين ابتعاده عن الأضواء، وعمق كلماته وبعد كتاباته وصدق بوحه وتعبيره. فسلامًا لروحه، والذكرى الخالدة له.