كنوز نت نشر بـ 03/12/2018 11:24 am  

                 
 شاعر من بلادي : الشاعر والكاتب عبد المحسن نعامنة  


بقلم : شاكر فريد حسن

عبد المحسن نعامنة شاعر ينتمي الى جيل التسعينات، برز في المشهد الشعري الفلسطيني الجديد بصوته المميز الغاضب المتمرد، عبر ديوانه " الخروج من خسارات القبيلة ".

ولد عبد المحسن نعامنة في عرابة البطوف في الجليل العام ١٩٧٦، تلقى تعليمه الابتدائي والاعدادي والثانوي بمدارس بلدته، ولم يكمل دراسته الاكاديمية لأسباب خاصة.

تثقف على نفسه، فغاص في عمق أمهات الكتب القديمة والحديثة، واعجب بأبي الطيب المتنبي. عشق لغة الضاد منذ نعومة اظفاره، وبدأ كتابة الشعر وهو على مقاعد الدراسة الاعدادية، ونشر بواكير قصائده في الصحف والمجلات الصادرة في بلادنا كالاتحاد والصنارة وكل العرب وفصل المقال والأسوار العكية، وشعراء في رام الله، ثم راح ينشر كتاباته في عدد من المواقع الالكترونية ذات التوجه القومي.

وهو ملم بالعروض، ويكتب قصيدته على نمط الشعر العمودي الموزون المقفى وشعر التفعيلة.

في العام ٢٠٠٤ صدر له عن دار نشر " الهدف " في عرابة باكورة أعماله الشعرية بعنوان " الخروج من خسارات القبيلة "، وهو ديوان شعر يزخر بالهموم الانسانية الفردية، ويطفح بالألم والوجع والحزن والغضب والثورة، ومشبع بالعاطفة الجياشة، وينطوي تحت لواء الشعر الرعوي الريفي، وقصائده طويلة جدًا، فيها حس وجداني وخطاب عاطفي لاهب، عامرة بالعبارات المدهشة اللافتة والصور الشعرية الخلٌابة والجمل الاستثنائية التي تثير المتلقي وتبهره وتهزه وتجعله أسير عالمه الشعري، وأسير في رحاب كلماته.

عبد المحسن نعامنة شاعر بسيط مدهش عفوي، يمتلك موهبة حقيقية، ولغته نابضة بالغة الروعة والجمال، ويمتاز بروحه الشاعرية المتوثبة، المتوقدة، الثائرة، الحالمة بالحرية، وقدرته على البوح والتعبير، وكلماته تلامس الوجدان وتدخل شغاف القلب دون استئذان.

أنه صوت شعري فلسطيني صارخ وغاضب ومتمرد، يتسم بالشفافية العفوية الجميلة، ينتمي لمعسكر الغلابى والمسحوقين والمقهورين، ومنحاز لكل فقراء وجياع الأرض، ويصرخ معهم بلغة شعرية صافية فيها دفء الاحساس العفوي الصادق، فيقول في احدى قصائده:

يا بسطاء الوطن المقهورين
من العمال المجبولين على عشق الاسمنت
ومن عشاق الارض المدفونين
بطين الترع الناضبة على الدلتا
اسمعكم !
اسمع أصداء معاولكم
وهي تزغرد للذرة الصفراء
وللفستق في السودان الأسمر
وأصيح لوقع مطارقكم
وهي تعمر ما هدم العدوان الغاشم
في بغداد
فتطربني هذي الألحان
فتصرخ ملء الوطن العربي الواحد
انتفضوا

ويتجلى حبه وعشقه لبلدتة عرابة في هذه المقطوعة الشعرية، فيشبهها بالحسناء ، ويقول عنها الجليلية التي تطفح بالانسانية، هويتها عربية، وطرحتها فلسطينية، تحبل كل عام بالحب والأطفال والحرية:


أداعب تربها العطرا
          وأهوى السفح والشجر
وأعشق دغدغات الصبح
              فوق السفح منتشرا
هناك على التراب الغض
                  كنا نرسم الصّورا
وننحت في الصخور الصم
             شعرًا يلهب الحجرا
وكنا نحفر الحفرا
            وكنا نشرب المطرا
صغارًا في رعيل الورد
    نرقص في الضحى نضرا
نقشنا عمرنا الممتد
             عشرينًا فعشرينا
ودمعًا يلهب الأحداق
      يكويها ويكوينا رمادا
ضاع ذاك العمر
     في طيات ماضينا
أحن الى السهول الخضر
         والغمرات والبيدر
إلى صبح الحصاد البض
        وهج السنبل الأصفر
احن لقعدة الطابون
        والمنقوش بالزعتر
ورشفة قهوة سمراء
       من فنجاننا الأسمر

عبد المحسن نعامنة يحاكي في قصائده الأرض والوطن والريف والقرية والبيادر والبحر والسماء والانسانية المعذبة وجموع الكادحين المسحوقين الحالمين بمملكة الحرية والشمس.

وهو شاعر قضية، وجماليات شعره جزء لا يتجزأ من جماليات الصوت والفكرة والروح التي تميز هذه القضية. وتلتصق تجربته الشعرية بقضية شعبه ووطنه وأمته، ومضمونه على الأغلب مضمون قومي انساني، ويندر ما نقرأ له قصيدة إلا وجدنا فيها النبرة الصياحة الصارخة من الاعماق كأنها طالعة من مارد سجن في قمقم تهيب بالسامع إلى الاصغاء.

عبد المحسن نعامنة بدأ غزير الكتابة والعطاء والنشر، إلا انه بفعل الهزائم والانكسارات وخيبات الامل، بات مقلًا، لكنه لم ينقطع عن الكتابة، وفي جعبته عشرات القصائد التي تنتظر النشر في ديوان جديد. وهو قلم وفكر لم ولن ينبض أبدًا، فنحييه ونتمنى له الاستمرار في مسيرته الابداعية، ومزيدًا من التألق والسطوع.